الأحاديت السابقة، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فارجع إليها تزدد علمًا، وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٨ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، وَنَامُوا، وَأَنْتُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسُقْمُ السَّقِيمِ لأَمَرْتُ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخَّرَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمران بن موسى) القَزَّازُ الليثي، أبو عمرو البصري صدوق، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٦/ ٦.
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العَنْبَرِي مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوري البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٠٨، من [٨]،
أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٧/ ١٦٢.
٣ - (داود) بن أبي هند دينار بن عُذَافِر، وقيل: طَهْمان ، القشيري مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصَري، ثقة متقن، كان يهم بآخره، توفي سنة ١٤٠ وقيل قبلها، من [٥].
قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن. وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. قال: وسئل عنه مرة أخرى، فقال: مثل داود يسئل عنه؟!.
وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا. وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت.
وقال يزيد بن هارون وغير واحد: مات سنة ١٣٩، وقال علي بن المديني وغير واحد: سنة ١٤٠، وقيل: سنة ١٤١.
وقال ابن حبان: روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهِم إذا حدث من حفظه، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال
الحاكم: لم يصح سماعه من أنس.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعَوْف، وقُرَّةَ؟ فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي من عاصم، وخالدٍ الحذَاء. وقال ابن خراش: بصري ثقة. وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف. أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة.
٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة -بضم القاف، وفتح الطاء- العبدي، ثم العَوَقي -بفتحتين، آخره قاف- البصري، مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ١٠٨ أو ١٠٩، من [٣].
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة، والنسائي. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية؟ فقال: أبو نضرة أحب إلي. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس كل أحد يحتج به.
قيَل: مات قبل الحسن. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من فصحاء الناس فُلِجَ في آخر عمره.
مات سنة ثمان، أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، وكان ممن يخطىء.
وأورده العقيلي في «الضعفاء»، ولم يذكر فيه قدحًا لأحد، وكذا ابن عدي في الكامل، وقال: كان عَرِيفًا لقومه، قال الحافظ: وأظن ذلك
ما أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يحتج به البخاري.
وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن حنبل: ثقة. علق له البخاري، وأخرج له مسلم، والأربعة.
٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي بن الصحابي ﵄، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا الصحابي، فمدني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومها: أن فيه أبا سعيد أحد المكثرين السبعة من الصحابة روى ١١٧٠ حديثًا.
ومنئها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سِنَان ﵄، أنه (قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة المغرب، ثم لم يخرج إِلينا) مع انتظارهم له في المسجد.
(حتى ذهب شطر الليل) غاية لعدم خروجه، أي أنه لم يخرج إليهم إلى أن مضى شطر الليل. قال المجد: الشطر: نصف الشيء، وجزؤه، وفي حديث الإسراء «فوضع شطرها»، أي بعضها، جمعه أشطر، وشطو ر. اهـ. «ق».
والمراد بالشطر هنا: قريب الشطر، فيكون المعنى، «حتى كاد يذهب نصف الليل»، ويؤيد ذلك حديث أنس الآتي بعده «أخر صلاة العشاء إلى قريب من شطر الليل»؛ إذ لو ذهب نصف الليل حقيقة لخرج وقتها، على الراجح للأحاديث المتقدمة، أو خرج وقتها المختار على قول الجمهور، ولم ينقل أنه - ﷺ - صلاها بعد النصف. أو معنى الشطر: مطلق الجزء؛ فيكون ما قبل النصف. والله أعلم.
(ثم قال:) أي بعد الصلاة، لما في سنن ابن ماجه: «فخرج فصلى بهم، ثم قال» (إِن الناس) أي الذين لم يحضروا صلاة العشاء معه في تلك الليلة (قد صلوا وناموا، وأنتم لن تزالوا في صلاة) أي في ثواب صلاة، والتنكير للتعميم، لئلا يتوهم اختصاص هذا الحكم بصلاة العشاء، أيْ أيُّ صلاة انتظرتموها، فأنتم فيها.
(ما انتظرتم الصلاة) «ما» مصدرية ظرفية، أي مدة انتظاركم الصلاة، إذ المقصود من الصلاة هو الخضوع والذل بين يدي الله تعالى، فمنتظر الصلاة في المسجد فيه هذا المعنى، فله ثوابها.
(ولولا) حرف امتناع لامتناع (ضعف الضعيف): «الضعف» بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمها في لغة قريش: خلاف القوة، والصحة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثال قَرُبَ، قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ، ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد.
والضعيف: فعيل بمعنى مفعول، جمعه ضُعفَاء وضِعاف، وجاء ضَعَفَة، وضَعْفَى، لأن فعيلًا إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول، جُمِعَ على فَعْلَى، مثل قَتِيل، وقَتْلَى، وجَرِيح، وجَرْحَى.
قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى: ذهابًا إلى أن الْمَعْنَى مَغنَى مَفْعُولٍ، وقالوا: أحمق، وحَمْقى، وأنْوَك، ونَوْكَى لأنه عيب أصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذ من ذلك سَقِيم، فجمع على سِقَام، بالكسر، لا على سَقْمَى، ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولوحظ في ضعيف معنى فاعل، فجمع على ضِعاف، وضَعَفَة، مثل كافر، وكفرة. أفاده في المصباح.
(وسُقْم السقيم) «السَّقَم»: بفتحتين، وبضم، فسكون، مصدر، قال في الَمصبَاح: سَقِم، سَقَمًا، من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا، من باب قَرُبَ قُرْبًا، فهو سقيم: وجمعه: سِقام -بالكسر- مثل
كَرِيم، وكِرَام، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، والسَّقام، بالفتح اسم منه. اهـ.
والضعيف أعم من السقيم، لأنه يتناول من به سقم، ومن ذهبت قوته كالشيخ الهرم، وكل عاجز عن الحضور، فعطف الثاني على الأول لشدة الاهتمام. أفاده في المنهل جـ ٣ ص ٣٤٧.
فقوله: «ضعف الضعيف»: مبتدأ، وقوله: «سقم السقيم» عطف عليه، والخبر محذوف وجوبًا كما تقدم، أي موجودان، وزاد أحمد في روايته «وحاجة ذي الحاجة»، وجواب «لولا» قوله: (لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إِلى شطر الليل) يريد قريب نصفه.
والمعنى: لولا الضُّعْفُ، والسُّقمُ موجودان في الناس لأمرت بتأخير هذه الصلاة دائمًا إلى شطر الليل، لكن تركت ذلك لدفع المشقة، فَبَيَّنَ - ﷺ - فضيلة تأخير صلاة العشاء من وجهين:
أحدهما: أن الناس في حالة التأخير يكونون في صلاة ما داموا منتظرين لها.
ثانيهما: أن تأخيرها إلى شطر الليل أكثر ثوابًا، لكون ذلك وقتها المستحب، حيث قال في حديث عائشة: «إنه الوقت»، أي الوقت المستحب، لكن رعايةً لجانب أصحاب الأسقام، والعاجزين الذين لا يستطيعون التأخير قدمها، فإن في إحراز فضيلة التأخير، تفويت فضيلة تكثير الجماعة، وهي أهم هذا.
واستدل به على فضل تأخير العشاء لمن لا يشق عليه، قال في الفتح: ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت، لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة، لأنه - ﷺ - أمر بالتخفيف، وقال: «إن فيهم الضعيف وذا الحاجة»، فترك التطويل عليهم في الانتظار أولى.
قال الحافظ ﵀: وقد روَى أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري: «صلينا مع رسول الله - ﷺ - صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: إن الناس قد صلوا، وأخذوا مضاجعهم، وإنكم بن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم
السقيم، وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل».
وفي حديث ابن عباس: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا».
وللترمذي، وصححه من حديث أبي هريرة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه».
فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية،
وغيرهم.
ونقل ابن المنذر عن الليث، وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبيل الثلث. وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر الصحابة، والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في الإملاء، وصححه النووي، وجماعة، وقالوا. إنه مما يُفْتَى به على القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء، وهو من كتبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل. والله أعلم. اهـ فتح جـ ٢ ص ٥٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي عندي أن المختار من حيث الدليل أيضًا التفصيل الذي مر في هذه الأحاديث، فمن كان لا يشق عليه التأخير فالأفضل له التأخير سواء كان منفردًا، أو مع جماعة، ومن كان يشق عليه ذلك فالأفضل له التقديم. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري هذا صحيح.
الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: