والحاصل أن أرجح المذهبين في هذه المسألة مذهب جمهور العلماء وهو أن الأفضل التغليس، لقوة دليله، ولأنه واظب عليه النبي - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر بعده، ولأن فيه العمل بالحديثين جميعًا، حيث يحمل
حديث الإسفار على مد القراءة حتى يسفر الصبح.
كما اعترف زعيم الحنفية الطحاوي رحمه الله تعالى كما مر آنفًا. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنَّ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الصُّبْحَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، فَيَرْجِعْنَ، فَمَا يَعْرِفْهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) بن مخلد الحنظلي المروزي ثم النيسابوري، المعروف بابن راهويه، ثقة حافظ حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهلالي مولاهم الكوفي، ثم المكي، ثقة فقيه حجة عابد، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر الإمام الحجة الفقيه
المدني، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الفقيه الحجة الثبت المدني، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، اتفقوا عليهم، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري، وسفيان فكوفي ثم مكي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن عروة.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: كُنَّ النساءُ) النساء بدل من الضمير، وهو الفصيح، ويحتمل أن يكون اسم كان على لغة أكلوني البراغيث، قال ابن مالك:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أوْ جَمْعٍ كفَازَ الشُّهَدَا
وَقَدْ يُقَالُ: سَعِدَا، وسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وخبر كان قوله: (يصلين مع رسول الله - ﷺ - الصبح متلفعات) منصوب على الحال، وهو بعين مهملة بعد الفاء، أي متلففات، والتَّلَفُّعُ: التلفف، إلا أن فيه زيادة تغطية الرأس، فكل مُتَلَفِّعٍ متلفف، وليس كل متلفف متلفعًا، قاله في الزَّهْرِ، وتقدم مستوفى في الحديث السابق.
(بمروطهن) متعلق بمتلفعات، وهو جمع مِرْط، وهو الكساء، وأكثر ما يستعمل للنساء، وقال ابن فارس: هي ملْحَفَة يؤتزر بها، والأول أشهر، وقيل: المِرْط كساء من صوف مربع سَدَاهُ شعر. قاله في الزهر، وتقدم مستوفى أيضًا.
(فيرجعن) إلى بيوتهن.
(ما يعرفهن أحد من الغلس) أي لأجل الغلس، لا لأجل التلفع، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤٦)، وفي «الكبرى» (١٥٢٧/ ١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وابن ماجه، فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلهم عن ابن عيينة به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
وبقية مباحث الحديث تقدمت في الحديث السابق. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، إليه أنيب.