HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٧٢

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى سَلِيمُ بْنُ عَامِرٍ وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو طَلْحَةَ نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ قَالُوا: سَمِعْنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى؟ أَوْ: هَلْ مِنْ سَاعَةٍ يُبْتَغَى ذِكْرُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ ﷿ مِنَ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ ﷿ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ سَاعَةُ صَلَاةِ الْكُفَّارِ، فَدَعِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وَيَذْهَبَ شُعَاعُهَا، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَعْتَدِلَ الشَّمْسُ اعْتِدَالَ الرُّمْحِ بِنِصْفِ النَّهَارِ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَتُسْجَرُ، فَدَعِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَفِيءَ الْفَيْءُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَهِيَ صَلَاةُ الْكُفَّارِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص191
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ١ ص ٢٧٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٣٤٦
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم، فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، وفي «صفة إبليس» عن محمد، عن عبدة، وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه- ومحمد بن بشر- كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ . قال الجامع: قد تقدم ما يتعلق بالحديث من المسائل في الأحاديث السابقة، فارجع إليها تزدد علمًا. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى: سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ: نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ، قَالُوا: سَمِعْنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنَ ولفظ مسلم مقطع. الأُخْرَى، أَوْ هَلْ مِنْ سَاعَةٍ يُبْتَغَى ذِكْرُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ ﷿ مِنَ الْعَبْدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ ﷿ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ سَاعَةُ صَلَاةِ الْكُفَّارِ، فَدَعِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وَيَذْهَبَ شُعَاعُهَا، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَعْتَدِلَ الشَّمْسُ اعْتِدَالَ الرُّمْحِ بِنِصْفِ النَّهَارِ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَتُسْجَرُ، فَدَعِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَفِيءَ الْفَيْءُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَهِيَ صَلَاةُ الْكُفَّارِ». رجال الإسناد: تسعة ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (آدم بن أبي إِياس) عبدِ الرحمنِ العسقلانيُّ، خُرَاسَاني الأصل، أبو الحسن، نشأ ببغداد، ثقة عابد، توفي سنة ٢٢١، من [٩]، أخرج له البخاري وأبو داود في«الناسخ»، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٣ - (الليث بن سعد) أبو الحارث الفهمي المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، توفي سنة ١٧٥ في شعبان، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٤ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٥٨، وقيل: بعد ١٧٠، من [٧]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢. ٥ - (أبو يحيى: سُلَيم بن عامر) الكَلاعي، ويقال الخَبَائري -بخاء معجمة، وموحدة- الحمصي، ثقة، غَلِطَ من قال إنه أدرك النبي - ﷺ -، توفي سنة ١٣٠، من [٣]، أخرج لهَ البخاري في «الأدب المفرد» ومسلم، والأربعة، من [٣]، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٦ - (ضَمْرَة بن حَبِيب) بن صُهَيب الزُّبَيديُّ -بضم الزاي- أبو عُتْبَةَ الحِمْصِيُّ، ثقة، توفي سنة ١٣٠، من [٤]، أخَرج له الأربعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٧ - (أبو طلحة: نُعَيم بن زياد) الأنْمَارِي- بفتح أوله وسكون النون- الشامي، ثقة يرسل، من [٣]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٨ - (أبو أمامة الباهلي) صُدَيُّ بن عَجْلان، صحابي مشهور، سكن الشام، ومات بها سنة ٨٦، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٩ - (عمرو بن عَبَسَةَ) -بموحدة، ومهملتين مفتوحات- بن عامر ابن خالد السلمي، أبو نَجِيحٍ، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. وبالله تعالى التوفيق. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، غير معاوية، فصدوق له أوهام. ومنها: أن شيخه ممن انفرد هو به. ومنها: أنهم شاميون إلا شيخه، فنسائي، والليث، فمصري. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (يقول) عمرو بن عَبَسَة ﵁ (قلت: يا رسول الله هل من) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، قال ابن مالك في «خلاصته»: وَزِيدَ في نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ … نَكِرَةً كمَا لِبَاغٍ مَنْ مَفَرّ (ساعة) مبتدأ، سوغ الابتداء به مع كونه نكرَة وَقوعه بعِد الاستفهام، مرفوع بضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد (أقرب) خبر المبتدإ (من الأخرى؟) متعلق «بأقرب»، يعني هل تكون ساعة أقرب للإجابة من ساعة أخرى؟، ويحتمل أن يكون المعنى: هل ساعة يكون الله فيها أقرب إلى عبده من الساعة الأخرى؟ (أو) للشك من الراوي (هل من ساعة يبتغى) بالبناء، للمفعول، أي يطلب (ذكرها؟) بالرفع نائب فاعل «يبتغى» يعني يطلب ذكر تلك الساعة لكون التقرب إلى الله فيها أفضل، ويحتمل أن يكون الكلام من الحذف والإيصال، أي ذكر الله فيها، أي يطلب ذكر الله تعالى فيها. والله أعلم. وعند أبي داود «قلت: يا رسول الله أيُّ الليل أسمع»؟ الحديث. (قال) رسول الله - ﷺ - (نعم) أي تكون بعض الساعات أقرب من الأخرى. (إِن أقرب ما يكون الرب ﷿) قربًا يليق بجلاله ﷾، وفيه إثبات صفة القرب لله على ما يليق به ﷾ (من العبد) متعلق بأقرب. (جوف الليل الآخر) فقوله: «أقرب» اسم «إن»، وهو مضاف إلى «ما يكون إلخ»، و«ما» مصدرية، صلتها الجملة بعدها، ويكون تامة، فلا تحتاج إلى خبر، والتقدير: أقرب أكوان الرب ﷿، وإنما قدرناه بأكوان لأن «أقرب» أفعل تفضيل، وهو بعض ما يضاف إليه، فلابد من تعدده، انظر إعراب قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائمًا» في حاشية العلامة يس على شرح قطر الندى للفاكهي جـ ١ ص ٢٥٦. و«من العبد» متعلق «بأقرب»، و«جوف الليل» خبر «إن»، على حذف مضاف، أي قرب جوف الليل، يعني أن الساعة التي يكون الله فيها أقرب من عبده جوف الليل. و«الآخر» بالرفع صفة «جوف» وذلك أن الليل له نصفان، ولكل نصف جوف، فيكون القرب في جوف النصف الثاني، وهو الثلث الأخير من الليل. والله أعلم. وقال الخطابي ﵀: قوله «جوف الليل الآخر» يريد به ثلث الليل الآخر، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل. اهـ معالم جـ ٢ ص ٨١. (فإِن استطعت أن تكون ممن يذكر الله ﷿) بالصلاة، وإنما قدرنا هذا لدلالة قوله: «فإن الصلاة محضورة» الخ، وعند أبي داود: «فَصَلِّ ما شئت، فإن الصلاة» الخ. (في تلك الساعة) أي ساعة جوف الليل الآخر (فكن) خبر «كن» محذوف، يدل عليه ما سبق، أي منهم. (فإن الصلاة) الفاء للتعليل، أي لأن الصلاة (محضورة مشهودة) قال النووي: أي تحضرها الملائكة، وتشهدها، فهي أقرب إلى القبول، وحصول الرحمة. وقال القاري: أي يحضرها الملائكة ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن صلاها، ويؤيده أن في رواية أبي داود: «مشهودة مكتوبة». وقال الطيبي: أي يحضرها أهل الطاعة من سكان السماء والأرض. وعلى المعنيين «فمحضورة» تفسير «مشهودة» وتأكيد لها. ويمكن أن يحمل «مشهودة» على المعنى الأول، و«محضورة» على المعنى الثاني، أو الأولى بمعنى الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرك، والتأسيس أولى من التأكيد. انتهى كلام القاري اهـ «مرعاة» جـ ٣ ص ٤٥٨. (إِلى طلوع الشمس) غاية للصلاة، أي صلِّ إلى طلوع الشمس، وهذا بظاهره يدل على إباحة الصلاة النافلة بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتيه، ولكن يعارضه ما في رواية لأحمد في مسنده جـ ٤ ص ٣٨٥ - من طريق شهر بن حَوْشَب، عن عمرو بن عَبَسَةَ ففيه: «قلت: أيُّ الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مكتوبة مشهوفى حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر، فلا صلاة إلا الركعتين حتى تصلي الفجر …» الحديث. فإنه صريح في كراهة التطوع بعد طلوع الفجر بغير ركعتي الفجر، قال في «المنهل»: فلعله وقع اختصار في حديث المصنف. اهـ. جـ ٧ ص ١٧٣. (قال الجامع): لكن يجاب بأن هذه الرواية في سندها شهر بن حوشب كثير الأوهام، فتكون روايته منكرة لمخالفته لأبي أمامة الباهلي، الحافظ الثبت، وقد تابعه غيره. والله أعلم. (فإِنها تطلع بين قرني الشيطان) الفاء للتعليل، والجملة تعليلية مقدمة على محلولها، وهو قوله: «فدع الصلاة» إلخ، ولأبي داود: «ثم أقْصِرْ حتى تطلع الشمس، فترتفع قِيس رُمْح، أو رُمْحَين، فإنها تطلع بين قرني شيطان …» الحديث. والمراد بقرني الشيطان: جانبا رأسه، وذلك لأنه يدني رأسه من الشمس حين طلوعها، فيكون الساجد من الكفار للشمس كالساجد له، فنُهِيَ عن الصلاة في تلك الساعة لئلا يكون المصلي مشابهًا للكفار المطيعين الساجدين له. وقد تقدم اختلاف العلماء في معنى قرني الشيطان مستوفى في شرح حديث الصُّنَابِحِيّ (٥٥٩) فارجع إليه تزدد علمًا. (وهي) أي تلك الساعة، وهي ساعة طلوع الشمس (ساعة صلاة الكفار) حيث يسجدون للشمس فيها. (فدع الصلاة) أي اترك أداء الصلاة وقت طلوعها، وانتظر (حتى ترتفع قيد رمح) أي قدرَ رُمح، وقيد رمح- بالكسر، وقَادَ رمح- بالفتح: قدره، ومثله الْقِيبُ، والقَاب، والقِيس، والقَاس، كما في «المصباح». (ويذهب شعاعها) قال في «ق»: وشُعَاعُ الشمس، وشُعُّهَا -بضمها- الذي تراه كأنه الحبَالُ مُقْبِلَةً عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضوئها، أو الذيَ تراه مَمتدًا كالرماح بُعَيدَ الطلوع، وما أشبهه، الواحدة بهاء، جمعه: أشِعَّةٌ، وشُعُعٌ،-بضمتين- وشِعَاعٌ- بالكسر. اهـ. قال النووي ﵀. وفيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس الطلوع، بل لابد من الارتفاع. اهـ «شرح مسلم» جـ ٦ ص ١١٦. (ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار) وانتصاب «اعتدال» على أنه مفعول مطلق لتعدل، يعني حتى تستوي الشمس في وسط السماء، كاعتدال الرمح المنصوب في الأرض المستوية، وهو كناية عن وقت الاستواء. وفي رواية مسلم: «حتى يستقل الظل بالرمح»، أي حتى يرتفع الظل مع الرمح، أو في الرمح، ولم يبق على الأرض منه شيء من الاستقلال بمعنى الارتفاع. قال ابن الملك: يعني لم يبق ظل الرمح، وهذا بمكة، والمدينة، وحواليهما في أطول يوم في السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظل على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول وقت الظهر يقع الظل على الأرض. وقيل: من القِلَّةِ، يقال: استقله: إذا رآه قليلًا؛ أي حتى يَقِلَّ الظلُّ الكائن بالرمح، أدنى غاية القلة، وهو المسمى بظل الزوال. قال القاري: وروي «حتى يستقل الرمحُ بالظل»، أي يرفع الرمح ظله، فالباء للتعدية. وعلى الروايتين هو مجاز عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض، وذلك يكون في وقت الاستواء، وتخصيص الرمح بالذكر، لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت رَكَزُوا رِمَاحهم في الأرض، ثم نظروا إلى ظلها. وقال النووي: قوله: «حتى يستقل الظل بالرمح»، أي يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلًا إلى المغرب، ولا إلى المشرق، وهو حالة الاستواء. وقال التوربشتي: كذا في نسخ «المصابيح»، وفيه تحريف، وصوابه حتى يَسْتَقِلَّ الرمحُ بالظل، ووافقه صاحب النهاية حيث قال: حتى يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض، أدْنَى غايةِ القلَّةِ والنقص، فقوله: «يستقل» من القلة، لا من الإقلال، والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع، والاستبداد. قال الطيبي: كيف ترد نسخ المصابيح مع موافقتها بعض نسخ مسلم، وكتاب الحميدي، على أن لها محامل: منها: أن معناه أن يرتفع الظل معه، ولا يقع منه شيء على الأرض من قولهم: استقلت السماء: ارتفعت. ومنها أن يقدر المضاف؛ أي يعلم قلة الظل بواسطة ظل الرمح. ومنها: أن يكون من باب عرضت الناقة على الحوض، وطينت بالفَدَن السياعا ، قال صاحب «المفتاح»: لا يشجع على القلب إلا كمال البلاغة مع ما فيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزلة الظل في القلة، والظل بمنزلة الرمح. انتهى. ووقع في رواية لأحمد: «حتى يستقل الرمح بالظل»، وفي أخرى: «حتى يقوم الظل قيام الرمح»، وفي رواية أبي داود: «حتى يعدل الرمح ظله»، وفي رواية لأحمد، وعند ابن ماجه أيضًا «حتى يقوم العمود على ظله»، قال السندي: العمود: خشبة يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في القلة بحيث لا يظهر إلا تحت العمود، قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. قاله في «المرعاة» جـ ٣ ص ٤٥٩. (فإِنها ساعة) تعليل مقدم على المعلل، وهو قوله «فَدَعِ الصلاةَ» الخ. (تفتح أبواب جهنم) قال النووي ﵀: واختلف أهل فَلَمَّا أَنْ جَرَى سِمَنٌ عَلَيْهَا … كَمَا بَطَّنْتَ بِالْفَدَن السِّياعا والسَّيَاعُ، والسِّيَاعُ: الطين، وقيل: الطين بالتَّبْن الذي يطين به. والفَدَنُ: القصر، أي كما بطنت بالسياع الفدن. أفاده في لسان العرب. العربية، هل جهنم اسم عربي، أم عجمي؟ فقيل: عربي، مشتق من الجهومة، وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم: بئر جهام، أي عميقة، فعلى هذا لم تصرف للعلمية والتأنيث، وقال الأكثرون: هي عجمية مُعَرَّبة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. اهـ شرح مسلم جـ ٦ ص ١١٧. (وتسجر) بالتخفيف والتشديد مجهولًا، أي يوقد عليها إيقادًا بليغًا، من سجر التنور- بالتخفيف والتشديد: ملأه وَقُودًا، وأحْمَاهُ. قال ابن الملك: أي تملأ نيران جهنم، وتوقد، ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها. وقال الخطابي في «المعالم» جـ ١ ص ٢٧٦: ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني الشيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق للمخبر بها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها. انتهى. (فدع الصلاة حتى يفيء الفيء) أي حتى يرجع الظل إلى جهة المشرق، يقال: فاء الظل يَفِيء، فَيْئًا، رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق. قاله في المصباح. والفيء مختص بما بعد الزوال، وأما الظل، فيقع على ما قبل الزوال، وما بعده. قاله النووي. وقال القاري: والفيء ما نسخ الشمسَ، وذلك بالعشي، والظل ما نسخته، وذلك بالغَدْوة. (ثم الصلاة محضورة مشهودة) أي فينبغي لك الاستكثار منها (حتى تغيب الشمس) أي فاترك الصلاة عندئذ (فإِنها تغيب بين قرني شيطان) تعليل للأمر بالترك المقدر. (وهي صلاة الكفار) وفي «الكبرى» «وهي ساعة صلاة الكفار»، ولمسلم: «فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»، يعني أن تلك الساعة ساعة يسجد فيها الكفار للشمس، فلا ينبغي التشبه بهم. والله تعالى أعلم. تنبيه: في هذه الرواية اختصار، حيث إنه لم يذكر ما بعد العصر، وقد ذكره في الرواية الآتية (٥٨٤) من طريق عبد الرحمن البَيْلَماني، عن عمرو بن عَبَسَة، ففيه: «ثم صَلِّ ما بدا لك حتى تصلي العصر، ثم انته حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان». والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عمرو بن عبسة ﵁ أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٧٢) وفي «الكبرى» (١٥٤٤) بالسند المذكور هنا، وفي (٥٨٤)، عن الحسن بن إسماعيل، وأيوب بن محمد، وفي «الكبرى» (١٥٦٠) عن أيوب وحده، كلاهما عن حجاج عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البَيْلَماني، عن عمرو بن عَبَسَة، ﵁. وأخرجه في «الطهارة» (١٤٧) بقصة الوضوء عن عمرو بن منصور، عن آدم بن أبي إياس، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه. أخرجه مسلم وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في «الصلاة» بطوله عن أحمد ابن جعفر المَعُقرِيّ، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عَمَّار، عن شداد أبي عمار، ويحيى بن أبي كثير، كلاهما عن أبي أمامة، عن عمرو ابن عبسة ﵁. وأخرجه ابن ماجه في «الطهارة» بقصة الوضوء عن أبي بكر بن أبي شيبة وبندار كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء به. وفي الصلاة مختصرًا عن أبي بكر، وبندار، ومحمد بن الوليد، ثلاثتهم عن غندر، عن شعبة به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: أنه ينبغي للمسلم أن يسأل عن أفضل الأوقات والأماكن ليتقرب فيها إلى ربه، ويكثر من طاعته. ومنها: فضل جوف الليل الآخر، واستحباب ذكر الله تعالى فيه بالصلاة. ومنها: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. ومنها: تسلط الشيطان في ذلك الوقت للإغواء. ومنها: النهي من مشابهة الكفار في عبادتهم. ومنها: النهي عن الصلاة وقت الاستواء، لأنه وقت فتح أبواب جهنم، وتسجيرها. ومنها: النهي عن الصلاة وقت الغروب للعلة المتقدمة في الطلوع. وقد تقدم اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في هذه الأوقات، وترجيح الراجح من أقوالهم بدليله، في الحديث (٥٥٩)، وما بعده مستوفى فارجع إليه تزدد علمًا، وبالله سبحانه التوقيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٣)

١. ولفظ البخاري: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها»، وقال: حدثني ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا عن الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب».

٢. وعبارة اللسان بطنت بالباء.

٣. أي في قول القُطَامِي (من الوافر):