٣٩ - الصَّلاةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
قال الجامع: الظاهر أن المصنف يرى عدم صحة الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتين، فكأنه يقول: إنه لم يثبت في الباب شيء سوى مجرد تركه - ﷺ -، وهو بمفرده لا يكفي دليلًا على النهي، ولذا أعقبه بباب: «إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح» وهذا هو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
٥٨٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ».
رجال الإسناد: سبعة
١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فَرْوَةَ الهاشمي، يعرف بابن الكُرْدِيّ، أبو الحسين البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٧، من [١٠].
روى عن مروان بن معاوية، ومحمد بن جعفر، غُندَر، وغيرهما.
وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال: ثقة، والبزار، والقاسم المطرز. وقال ابن حبان في «الثقات»: مستقيم الحديث.
٢ - (محمد بن جعفر) غندر أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، توفي سنة ١٩٣ أو ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (زيد بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، من [٧].
روى عن أبيه، ونافع. وعنه أخواه: عاصم وعمر، وشعبة.
قال أبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به.
وقال الدارقطني: مُقِلّ فاضل، وهم خمسة إخوة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والمصنف.
٥ - (نافع) العدوي، مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي ﵁، تقدم
في ١٢/ ١٢.
٧ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - بعد خُنَيس بن حُذَافَة سنة ٣، وماتت سنة ٤٥.
قيل: إنها ولدت قبل الْمَبْعَثِ بخمسة أعوام، وتزوجها النبي - ﷺ - سنة ثلاث وقيل: سنة اثنتين. وَرَوَت عن النبي - ﷺ -، وعن أبيها. وروى عنها أخوها عبد الله بن عمر، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وأم مبشر الأنصارية، والمُطِّلب بن أبي وَدَاعَةَ، وحارثة بن وهب، وغيرهم.
قال ابن وهب عن مالك: افتتحت إفريقية عام وفاة حفصة، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت أول ما بويع معاوية سنة ٤١، وقال الواقدي: توفيت سنة ٤٥، وصلى عليها مروان بن الحكم.
وحكى الدولابي أنها توفيت سنة ٢٧.
قال الحافظ: وكأن الذي أوقعه في ذلك أن عبد الله بن سعد غزا في هذه السنة إفريقية، فلما رأى ذلك، ورأى قول مالك: إنها ماتت عام فتح إفريقية لَفَّق من ذلك قولًا خطأ، وإنما كان فتحها سنة ٥٠، على يد معاوية بن حُدَيج ، وذكر ابن سعد أن عمر أوصى إليها لما احْتُضِرَ.
أخرج لها الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها. أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فهو من أفراده، ومسلم والترمذي، وزيد بن محمد، فمن أفراده، ومسلم.
ومنها: أنهم ما بين بصريين، وهم إلى شعبة، ومدنيين، وهم الباقون.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابية، ورواية الراوي عن أخته.
ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حفصة) بنت عمر أم المؤمنين ﵂ (أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إِذا طلع الفجر) من باب «قعد».
(لا يصلي إِلا ركعتين خفيفتين) وهما سنتا الصبح، قال النووي ﵀: قد يستدل به من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح، وما له سبب، ولأصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: هذا، ونقله القاضي عن مالك، والجمهور.
والثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الصبح.
والثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، فإنما فيه الإخبار بأنه كان - ﷺ - لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم
ينه عن غيرهما. اهـ «شرح مسلم» جـ ٦ ص ٢ - ٣. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته.
حديث حفصة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٨٣)، وفي «الكبرى» (١٥٥٩)، عن أحمد بن عبد الله ابن الحكم، عن غندر، عن شعبة، عن زيد بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ﵃.
وفي (١٧٦٠) عن قتيبة، عن ليث، و(١٧٦١) عن محمد ابن منصور، و(١٧٧٩) عن الحسين بن عيسى، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به.
و(١٧٦٧) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد، و(١٧٦٦) عن شعيب بن شعيب بن إسحاق، عن عبد الوهاب بن سعيد، عن شعيب بن إسحاق، كلاهما عن الأوزاعي، و(١٧٦٩) عن إسحاق بن منصور، عن معاذ بن هشام، عن أبيه- كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، به.
و(١٧٦٨) عن هشام بن عمَّار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ونافع، كلاهما عن ابن عمر به، و(١٧٧٠) عن يحيى بن محمد بن السكن، عن محمد بن جهضم، عن إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه به.
و(١٧٧١) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن إسحاق بن الفُرات، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد. و(١٧٧٢) عن عبد الله بن إسحاق، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عُقْبَةَ. و(١٧٧٥) عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن جويرة بن أسماء- ثلاثتهم عن نافع به.
و(١٧٧٣) عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك عن نافع به. و(١٧٧٤) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن
عبيد الله بن عمر عن نافع به. و(١٧٧٨) عن إسحاف بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به.
والألفاظ مختلفة. أفاده الحافظ المزي ﵀ في تحفته جـ ١١ ص ٣٨٣ - ٣٨٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله بن يوسف، عن مالك- وعن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب- وعن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر- ثلاثتهم عن نافع، عن عبيد الله بن عمر به.
وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك، به. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، ويحيى بن يحيى- ثلاثتهم عن ليث، عن نافع به. وعن زهير بن حرب، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد به. وعن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب به. وعن أحمد بن عبد الله بن الحكم، عن غندر- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن
النَّضْر بن شُمَيل- كلاهما عن شعبة، عن زيد بن محمد، عن نافع به. وعن محمد بن عَبَّاد المكي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به.
وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، به. وفي الشمائل عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل ابن عُلَيَّةَ به. وعن قتيبهَ عن مروان بن معاوية، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر، قال: وحدثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النبي - ﷺ -.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رُمْح به. ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن حفصة ﵂. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في كراهة التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنة الصبح:
ذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة، وبه قال سعيد بن المسيب، والعلاء بن زياد، وحميد بن عبد الرحمن، والحنفية، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عمرو، وهو المشهور عن أحمد.
وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول الحسن البصري، والشافعي، وحملا النهي عن الصلاة بعد الصبح المراد منه بعد صلاة الفريضة، واستدلا بما تقدم في حديث عمرو بن عَبَسَة من قول النبي - ﷺ -: «فصل
ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح»، وبه قال
ابن حزم. وهو مذهب المصنف، وهو المذهب الراجح كما سيأتي. والله تعالى أعلم.
وقال مالك: يجوز ذلك لمن فاتته صلاة الليل، لما رواه في الموطأ عن سعيد بن جبير «أن عبد الله بن عباس رقد، ثم استيقظ، ثم قال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم، ثم رجع، فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام عبد الله ابن عباس، فأوتر، ثم صلى الصبح»، ولما رواه أنه بلغه أن عبد الله بن
عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عمر ابن ربيعة قد أوتروا بعد الفجر، وما رواه عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن مسعود قال: ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح، وأنا أوتر، وما رواه عن يحيى بن سيعد، أنه قال: كان عبادة بن الصامت يؤم قومًا، فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته
عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: إني لأوتر، وأنا أسمع الإقامة، أو بعد الفجر، يشك عبد الرحمن أيّ ذلك، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن محمد: يقول: إني لأوتر بعد الفجر.
ففي هذا كله دلالة على أن الوتر تصلى بعد الفجر، وقبل صلاة
الصبح.
وقال الشوكاني: والحديث -يعني حديث «لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين»- يدل على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قال الترمذي: وهو مما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
قال الحافظ في التلخيص: دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه ابن المنذر، وغيره. وقال الحسن البصري: لا بأس به. وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في قيام الليل. اهـ «نيل» جـ ٣ ص ٣٨٠، و«المنهل» جـ ٧ ص ١٧٨ - ١٧٩ بتصرف.
قال الجامع: الراجح القول بعدم الكراهة، وأحاديث النهي كلها ضعيفة، وبعضها مرسل، فلا تعارض حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث. «ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني من حديث أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، وفيه قصة، وقد
تقدم ذكرها، قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قُدَامة بن موسى.
قال الحافظ: وقد اختلف في اسم شيخه، فقيل: أيوب بن حصين، وقيل: محمد بن حصين، وهو مجهول. وروى أبو يعلى، والطبراني من وجهين آخرين عن ابن عمر نحوه. ورواه ابن عدي في ترجمة محمد بن الحارث من روايته عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، والمحمدان ضعيفان، ورواه الطبراني أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر بالحديث دون القصة، وينظر في سنده. ورواه الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سنده الإفريقي. ورواه الطبراني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي سنده رَوَّاد بن الجَرَّاح. ورواه البيهقي من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا، وقال: روي موصولًا عن أبي هريرة، ولا يصح. ورواه موصولًا الطبراني، وابن عدي، وسنده ضعيف، والمرسل أصح. اهـ «التلخيص الحبير» جـ ١ ص ١٩٠، ١٩١.
(قال الجامع عفا الله عنه): الحاصل أن أحاديث النهي كلها ضعيفة، وإن صححها بعض أهل العلم بمجموع طرقها، فلا تصلح لمعارضة حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح، «فصلّ ما بدا لك حتى
تصلي الصبح»، فإنه نص صريح في إباحة الصلاة بعد طلوع الفجر قبل أداء الفرض والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.