HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٨٩

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا، أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٨٦

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٤٦٥
٤٤ - الْوَقْتُ الذِّي يَجْمَعُ فِيهِ الْمُقِيمُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الوقت الذي يشرع للمقيم أن يجمع فيه بين الصلاتين في الحضر. والظاهر أن المصنف يرى أن الجمع للمقيم جمع صوري بدليل أنه أورد حديث ابن عباس هذا، وفيه قوله: «أخر الظهر، وعجل العصر» الخ لكن هذا مدرج من ظن جابر بن زيد، كما يأتي تحقيقه، فالصواب أن الجمع جمع حقيقي، والله أعلم. ٥٨٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا؛ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة حجة ثبت، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي الأثرم أبو محمد المكي، ثقة، من من [٤]، تقدم في ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء الأزدي اليُحْمديُّ ثم الجَوْفي -بفتح فسكون- البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من [٣]. قال عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا من كتاب الله. وقال تميم ابن حُدَير، عن الرَّباب: سألت ابن عباس عن شيء؟ فقال: تسألوني، وفيكم جابر بن زيد. وقال داود بن أبي هند، عن عَزْرَةَ: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك، يعني الإباضية، قال: أبرأ إلى الله من ذلك. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. قال البخاري، وغيره: مات سنة ٩٣، وقال ابن سعد: سنة ١٠٣، وقال الهيثم بن عدي: سنة ١٠٤، وقال العجلي: تابعي ثقة. وفي «تاريخ البخاري» عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابر إنك من فقهاء أهل البصرة. وقال ابن حبان في «الثقات»: كان فقيهًا، ودُفِنَ هو، وأنس بن مالك في جمعة واحدة، وكان أعلم الناس بكتاب الله. وفي كتاب الزهد لأحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق. وقال إياس بن معاوية: أدركت الناس، وما لهم مفت غير جابر. وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد. وفي الضعفاء للساجي عن يحيى بن معين: كان جابر إباضيًا، وعكرمة صُفْريًا . وأغرب الأصيلي، فقال: هو رجل من أهل البصرة، انفرد عن ابن عباس بحديث: «من لم يجد إزارًا، فليلبس السراويل»، ولا يعرف هذا الحديث بالمدينة. أخرج له الجماعة اهـ تت جـ ٢ ص ٣٨ - ٣٩. ٥ - (ابن عباس) عبد الله ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا على التخريج لهم، وأنهم ما بين بَغْلاني وهو: قتيبة، ومكيين: سفيان، وعمرو، وبصريين: جابر، وابن عباس، وفيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو عن جابر، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: صليت مع النبي - ﷺ - بالمدينة ثمانيًا جميعًا) أي ثماني ركعات؛ أربع ركعات للظهر، وأربع ركعات للعصر (و) صليت (سبعًا جميعًا) أي سبع ركعات؛ ثلاثا للمغرب، وأربعًا للعشاء. (أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء) ظاهر سياق الصنف رحمه الله تعالى يوهم أن جملة «أخر الظهر» الخ من كلام ابن عباس ﵄، وليس كذلك، بل هو مدرج من كلام جابر بن زيد، كما بينته رواية الشيخين ممت طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، فذكر هذا الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه . وأخرج البخاري من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار بعد ذكر الحديث أن أيوب قال لجابر: لعله في ليلة مطيرة؟ قال عسى. فتبين بهذا أن الظن من جابر، لا من ابن عباس. وأما الذي ثبت عن ابن عباس ﵄ لما سئل عن سبب الجمع فهو قوله: «لئلا يكون على أمته حرج»، كما يأتي برقم ٦٠٢ إن شاء الله تعالى. فليس في هذا الحديث ما يدل على أن الجمع جمع صوري، كما يرشد إليه ظاهر صنيع المصنف، حيث ترجم بقوله: «الوقت الذي يجمع فيه المقيم»، لأن قوله: أخر الظهر إلخ من ظن أبي الشعثاء، وما جزم به ابن عباس ﵄وهو عدم حصول الحرج على الأمة- أولى من ظنه، فيكون الجمع جمعًا حقيقيًا، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المسائل. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه، دون المدرج من قول جابر بن زيد. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٩) عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عنه. وفي (٥٩٠)، والكبرى (١٥٦٥) عن أبي عاصم خشيش بن أصرم، عن حبان بن هلال، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عنه. وفي (٦٠١)، و«الكبرى» (٥٧٣) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عنه. و(٦٠٢)، و«الكبرى» (١٥٧٤) عن محمد بن عبد العزيز أبي رِزْمَةَ، عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عنه. و(٦٠٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار به. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن أبي النعمان، عن حماد- وعن آدم، عن شعبة- وفي «صلاة الليل» عن علي بن عبد الله، عن سفيان- ثلاثتهم عن عمرو بن دينار عنه. وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد به. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب، ومسدد، وعمرو بن عون، ثلاثتهم عن حماد به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في جواز الجمع في الحضر: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما، فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع بينهما وإن لم يكن مطر، إذا كان طينًا وظلمة. وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يريان الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في حال المطر عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلون المغرب، ويصلون العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعِيبُ ذلك. وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز. وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في حال المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا في حال المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين: المغرب والعشاءِ في الليلة المطيرة فقال: أهل المدينة يجمعون بينهما، ولم يزلَ مَنْ قَبْلَنَا يصلون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن يجمع بينهما في حال الطين والظلمة. وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن علة، قال: لأن الإخبار قد ثبتت عن رسول الله - ﷺ - أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأدي إلينا ذلك، كما أدي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا سئل لِمَ فَعَلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أحدًا من أمته. ثم قد روينا مع ذلك عن ابن عباس في العلة التي توهمها بعض الناس. ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته» . وأخرج بسنده أيضًا عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، وفلا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته» . قال أبو بكر: فإن تكلم متكلم في حديث حبيب، وقال: لا يصح، يعني المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قولُهُ: لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول الله - ﷺ - لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته، دل على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس- مع حضوره- بشك مالك . فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر، قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما للمطر، والريح، والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل، وأحق الناس بأن يَقْبَلَ ما قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن عباس لَمَّا ذَكَرَ «أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ»، فقال ابن عباس: وأحْسِبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةً بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل شك ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن النبي - ﷺ - أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف. اهـ كلام ابن المنذر ﵀ بتغيير يسير. «الأوسط» جـ ٢ ص ٤٣٠ - ٤٣٤. قال الجامع: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيق حقيق بالقبول، لموافقته لظواهر النقول من غير تكلف، ولا مُيُول، والله أعلم. وقال في «الفتح» عند شرح قول أيوب لأبي الشعثاء: «لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى» ما نصه: واحتمال المطر قال به أيضًا مالك عقيب إخراجه لهذا الحديث عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، وقال بدل قوله بالمدينة: «من غير خوف، ولا سفر»، قال مالك: لعله كان في مطر، لكن رواه مسلم، وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، بلفظ: «من غير خوف، ولا مطر»، فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف، أو السفر، أو المطر. وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقَوَّاه النووي، قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لو كان جمعه - ﷺ - بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه - ﷺ - جمع بأصحابه. وقد صرح ابن عباس في روايته بذلك. قال الجامع: أي حيث قال، كما في رواية المصنف هنا: «صليت مع النبي - ﷺ - بالمدينة» … فإنه نص على أنه - ﷺ - صلى بأصحابه. قال النووي: ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم مثلًا، فبان أن وقت العصر دخل، فصلاها، قال: وهو باطل، لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. اهـ. وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، والمختار عنده خلافه، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء فعلى هذا فالاحتمال قائم. قال: ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري، بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها. قال: وهو احتمال ضعيف، أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. اهـ. قال الحافظ: وهذا الذي ضعفه: استحسنه القرطبي، ورجحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء: ابن الماجشون، والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء، وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فذكر الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. قال الحافظ: قلت: لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستقر عليه، فقد تقدم كلامه لأيوب، وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليسر فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة، لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى. والله أعلم. قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ هنا من أولوية الجمع الصوري فيه نظر، ويناقضه ما يأتي له قريبًا إن شاء الله تعالى. قال: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به: ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته. وللنسائي من طريق عمرو بن هَرِم عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر، ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء، ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي - ﷺ -، وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه. وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع، وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا أخرجه الطبراني، ولفظه «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك؟ فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي» . وقال الشوكاني: وقد ضعف -يعني هذا الحديث- بأن فيه ابن عبد القدوس، وهو مندفع، لأنه لم يتكلم فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء، وتشيعه. والأول غير قادح باعتبار ما نحن فيه، إذ لم يروه عن ضعيف، بل رواه عن الأعمش. والثاني ليس بقدح معتد به ما لم يجاوز الحد المعتبر، ولم ينقل عنه ذلك. على أنه قد قال البخاري: إنه صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس به. اهـ «نيل» جـ ٤ ص ١٣٦. وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج. اهـ «فتح» جـ ٢ ص ٣٠ - ٣١. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا مما يدل على تقويته الحمل على الجمع الحقيقي، هو الصواب، لا ما تقدم من جعله الحمل على الجمع الصوري أولى، لكونه تكلفًا لا داعي له، لمخالفته لظاهِرِ ما صح من النص. والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة قول من قال بجواز الجمع الحقيقي في الحضر أحيانًا إذا احتيج إليه، دفعًا للحرج. لما قدمنا. وأما ما أطال به الشوكاني في نيله مُرَجِّحًا قول من قول: إنه جمع صوري، فمما لا يلتفت إليه. لأنه لم يأت بدليل مقنع يرد به حجة المجوزين. فمن الغريب أنه ذكر من جملة الأدلة، ظن أبي الشعثاء في كونه أخر الظهر وعجل العصر الخ، مع أنه كان ينبغي له تقديم يقين ابن عباس في قوله: أراد أن لا يحرج أمته، وقد أجاب ابن عباس بهذا الجواب لَمَّا سئل عن سبب الجمع في السفر كما في «صحيح مسلم» جـ ٥ ص ٢١٦، فليس فرق في نفي الحرج بين المسألتين، فكما حمل في السفر على الجمع الحقيقي، فليحمل عليه هنا. فتبصر. ومن جملة ما ذكره من المؤيدات حديث ابن مسعود الذي أخرجه مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، قال: «ما رأيت رسول الله - ﷺ -
مصادر المؤلف (٨)

١. هكذا ضبطه في الخلاصة ص ٣٢٠.

٢. الصُّفْرية من الخوارج نسبة إلى زياد بن الأصفر. اهـ «لب اللباب» جـ ٢ ص ٧٣.

٣. صحيح البخاري جـ ٢ ص ٧٢ - ٧٣، صحيح مسلم جـ ٥ ص ٢١٦ - ٢١٧ بشرح النووي.

٤. مسلم جـ ٥ ص ٢١٦ - ٢١٧ بشرح النووي.

٥. مسلم جـ ٥ ص ٢١٥.

٦. هكذا نسخة «الأوسط» «عن السبب» ولعله سقط منه شيء يصح به المعنى، كما يدل عليه السياق، والأصل «لما سئل عن السبب» فيتأمل.

٧. يعني قول مالك بعد روايتها «في غير سفر ولا خوف»: أرى ذلك كان في مطر.

٨. حديث الطبراني المذكور فكره الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» جـ ٢ ص ١٦١. وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، و«الكبير»، وفيه عبد الله بن عبد القدوس ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق، إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء. قلت: وقد روى هذا عن الأعمش، وهو ثقة. اهـ.