٥٠ - كَيْفَ الْجَمْعُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل: كيف الجمع بين الصلاتين؟
والجواب واضح من قوله: فلما أتى المزدلفة صلى الغرب، ثم نزعوا رحالهم، ثم صلى العشاء. والله تعالى أعلم.
٦٠٩ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَرْدَفَهُ مِنْ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَتَى الشِّعْبَ نَزَلَ، فَبَالَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ، قَالَ: فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَلَمَّا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ نَزَعُوا رِحَالَهُمْ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم، أبو عَمَّار المروزي، ثقة توفي سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي، تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي ثقة ثبت حجة إمام، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (إِبراهيم بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني مولى آل الزبير، أخو موسى، ثقة، من [٦].
قال ابن المديني: له عشرة أحاديث، وقال أحمد ويحيى والنسائي: ثقة. ونقل الغلابي عن ابن معين أنه قال: إبراهيم أحب إلي من موسى. وقال الدارقطني: ثقة ليس فيه شيء. وقال مصعب بن عبد الله: كانت له هيبة وعلم. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: يكتب حديثه، وقال ابن سعد:
ثقة قليل الحديث.
وقال أبو داود: وإبراهيم، وموسى، ومحمد: بنو عقبة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٤ - (محمد بن أبي حرملة) القرشي المدني، مولى عبد الرحمن ابن أبي سفيان بن حويطب وقد ينسب إليه، ثقة، توفي سنة بضع و١٣٠، من [٦]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٥٧٨.
٥ - (كريب) بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، أبو رِشْدِين المدني مولى ابن عباس، ثقة، توفي سنة ٩٨، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦١/ ٢٥٣.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١.
٧ - (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحِيل الكَلْبي الأمير، أبو محمد، وأبو زيد، الصحابي المشهور ﵁، مات سنة ٥٤ بالمدينة، عن ٧٥ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٦/ ١٢٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منيها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن كريبًا ليس في الكتب الستة من يسمى باسمه غيره، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أسامة بن زيد) ﵄، حِبُّ رسول الله - ﷺ - وابن حِبِّهِ (وكان النبي - ﷺ - أردفه من عرفة) أي حمله على ظهر راحلته، وفيه جواز ركوب الاثنين على دابة إذا كانت تطيق ذلك، وجملة: وكان … الخ معترضة، أنه قال: (فلما أتى) أي النبي - ﷺ -
(الشِّعْب) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والمراد به الشعب المعهود للحجاج، قاله العيني.
(نزل) أي عن راحلته (فبال، ولم يقل أهراق الماء) أي لم يقل أسامة: أهراق الماء موضع «بال»، بل صرح بذكر البول وأراد بهذا أنه حفظ اللفظ المسموع، وراعاه في التبليغ، وأنهم ما كانوا يتحاشون عن لفظ البول بلفظ كنايته، وهو أهْرَاق الماء.
وأهراق، أصله: أراق، يقال: أراقه، يُرِيقُه، فهو مُرِيق، والمفعول مُرَاق، فأبدلت الهمزة هاء، فقيل: هَرَاقَه، والأصل هَرْيَقَهُ، وزان دَحْرَجَه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تفتح الدال من يُدَحْرِجُه، وتفتح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيق، ومُهَرَاق، والأمر: هرق ماءك والأصل هَرْيِقْ، وزان دَحْرِج».
وقد يجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهْرَاقَهُ، يُهْرِيقُه، ساكن الهاء تشبيها له بأسْطَاع يُسْطيع، كأن الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًا. أفاده في المصباح.
قال الجامع: ما هنا مما جمع فيه بين الهاء والهمزة.
(قال) أسامة (فصببت عليه من إِداوة) بالكسر: المطهرة، وجمعها: أدَاوَى بالفتح. وفيه جواز الاستعانة على الوضوء في صب الماء.
(فتوضأ وضوءًا خفيفًا) يحتمل أن يكون خفيفًا من حيث الكمّ، أي لم يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، أو من حيث الكيف أي لا يبالغ في دلك الأعضاء.
قيل: إنما خففه لأنه لم يرد الصلاة به، وإنما توضأ ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره، فإنه كان في عامة أحواله على طهر. وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله، لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة. وقال غيره: إنما فعله لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه - ﷺ - كان لا يبقى بغير طهارة.
قال الجامع: فيه نظر، إذ لا دليل على أنه كان لا يبقى على غير طهارة. والله أعلم.
وقال الخطابي: إنما ترك إسباغه ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، ويجوز فيه لأنه لم يُرِدْ أن يصلي به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. ذكره العيني في «عمدته» جـ ٢ ص ٢٦٠.
قال أسامة: (فقلت لى: الصلاة) بالنصب على الإغراء، أو على الحذف، والتقدير: أتريد الصلاة؟ قال الحافظ: ويؤيده قوله في رواية تأتي: فقلت: أتصلي يا رسول الله، ويجوز الرفع على تقدير: حانت الصلاة أو: حضرت.
(فقال) - ﷺ - (الصلاة أمامك) برفع الصلاة على الابتداء، والخبر «أمامك»، وهو بفتح الهمزة، أي قدامك، ثم إنه يحتمل نصبه على الظرفية، فيتعلق بمحذوف خبر عن المبتدإ، ويحتمل الرفع على أنه خبر،
لأنه من الظروف التي تقبل التصرف، كما قال ابن مالك:
وَمَا يُرَى ظَرْفًا وَغَيْرَ ظَرْفِ … فَذَاكَ ذُو تَصَرّفٍ فِي الْعُرْفِ
انظر «حاشية الصبان على الأشموني» جـ ٢ ص ١٣١.
قال الخطابي ﵀: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة، وهي أمامه، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس، لبيان فعل النبي - ﷺ -.
وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ مزدلفة، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه - ﷺ - بفعله، وبَيَّنه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان لما أخرها عن وقتها
المؤقت لها في سائر الأيام.
وقال الكرماني ﵀: ليس فيه دليل على أنه لا يجوز، إذ فعلُهُ المجرد لا يدل إلا على الندب، وملازمة الشرطية في قوله: لما أخرها ممنوعة، لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير، إذ الأصل عدم الجواز.
قال البدر العيني ﵀: قلت: لا نسلم نفي الدليل على عدم الجواز، لأن فعله قارنه قوله، فدل على عدم الجواز، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالمًا بالسنة، ولم يكن يعلم ذلك، لأنه ﵊ أول ما سنها في حجة الوداع، والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فقِرَانُ فعله بقوله دليلٌ على عدمِ الجواز، ووجوبِ تأخيرها إلى غير وقتها المَعهود. والله أعلم. اهـ. كلام العيني في «عمدته» جـ ٢ ص ٢٦٠.
قال الجامع: ما قاله العيني ردًّا لكلام الكرماني تحقيق حقيق بالقبول. قال أبو محمد بن حزم: وأما قولنا: لا تجزئ صلاة المغرب تلك الليلة إلا بمزدلفة، ولابدّ، وبعد غروب الشفق، ولابد، فَلِمَا رَوَينا من طريق البخاري … فذكر حديث الباب، ثم قال: فإذا قد قصد ﵇ ترك صلاة المغرب، وأخبر بأن المصلَّي من أمام، وأن الصلاة من أمام، فالمُصَلَّى هو موضع الصلاة، فقد أخبر بأن موضع الصلاة ووقت الصلاة من أمام، فصح يقينًا أن ما قبل ذلك الوقت، وما قبل ذلك المكان ليس مُصَلّى، ولا الصلاة فيه صلاة. اهـ. المحلى جـ ٧ ص ١٢٩.
قال الجامع: هذا تحقيق نفيس، والحاصل أن الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة المغرب لا تجزئ إلا في المزدلفة وقت العشاء. والله تعالى أعلم.
قال العيني ﵀: فإن قلت: «الصلاة أمامك» قضية حملية، فكيف يصح هذا الحمل؟ لأن الصلاة ليست بأمام. قلت: المضاف فيه محذوف، تقديره وقتُ الصلاة أمامك، إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، وقيل: معناه: «المُصَلَّى أمامك»، أي مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المَحَلّ، وهو أعم من أن يكون مكانًا أو زمانًا. اهـ.
(فلما أتى المزدلفة صلى المغرب) أي بعد وضوئه بالإسباغ، وبعد
الأذان والإقامة، ففي رواية البخاري: «فلما جاء المزدلفة نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب … (ثم نزعوا رحالهم) أي أنزلوا الرِّحَال عن ظهور جِمَالهم، والرِّحال جمع رَحْل، كسَهْم وسِهَام، ويجمع على أرْحُل، كَفَلْس وأفْلُس، والرحلُ: كل شيء يُعَدُّ للرَّحِيل من وِعَاءٍ للمتاع، ومَرْكَبٍ للبعير، وحِلْسٍ وَرَسَنٍ. كما قاله الفيومي. وفي رواية البخاري:»ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله«وإنما فعلوا ذلك لئلا يحصل منها التشويش بقيامها.
وفيه جواز الفصل بين الصلاتين بقليل مثل إناخة الجمال، ونحوه.
(ثم صلى العشاء) أي بعد الإقامة، ففي رواية البخاري:«ثم أقيمت العشاء، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما»، وفيه أنه لا يشرع الفصل بين الصلاتين، بالتطوع. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أسامة ﵁ هذا متفق عليه بنحوه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: هذا الحديث من رواية ابن عباس عن أسامة ﵃ من أفراد المصنف ﵀. أخرجه هنا (٦٠٩)، وفي«الكبرى»(١٥٧٩) عن الحسين بن الحريث، عن ابن عيينة، عن إبراهيم، ومحمد بن أبي حَرْمَلَة، وفي
الكبرى عن إبراهيم وحده، كلاهما عن كريب، عن ابن عباس عنه.
وقال الحافظ أبو الحجاج الْمِزِّيُّ -﵀-: والصحيح عن أسامة. اهـ.«تحفة الأشراف» جـ ١ ص ٤٨ يعني أن الصحيح كونه من رواية كريب عن أسامة، لا عن ابن عباس عنه. ولعله لمخالفة ابن عيينة لغيره، فقد رواه عبدُ الله بنُ المبارك، وزهيرُ بن معاوية عند مسلم، والثوريُّ، وحمادُ بن زيد عند المصنف، كلهم عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن أسامة، وفي بعض الطرق تصريحه بأنه سأل أسامة ﵁.
قال الجامع: لكن الجمع ممكن بأنه سمعه عن ابن عباس عنه، ثم سأل بعدُ أسامةَ، فأخبره به، فإن ابن عيينة ثقة ثبت حافظ فمخالفته لهم لا تضره، لما ذكرنا. فتنبه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرج معه:
قد ذكرنا آنفًا أنه من رواية كريب عن ابن عباس عن أسامة من أفراد المصنف، وأما من رواية كريب عن أسامة نفسه، فقد أخرجه البخاري في «الطهارة» عن القعنبي- وفي الحج عن عبد الله بن يوسف- كلاهما عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن أسامة ﵁. وفي «الطهارة» عن محمد بن سَلام، عن يزيد بن هارون - وفي «الحج» عن مسدد، عن حماد بن زيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن موسى به.
وأخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن محمد بن رُمْح، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد به. وعن أبي
بكر، وأبي كريب، كلاهما عن ابن المبارك، وعن إسحاق، عن يحيى ابن آدم، عن زهير، كلاهما عن إبراهيم بن عقبة، وعن إسحاق، عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عقبة- كلاهما عن كريب به.
وأخرجه أبو داود في «الحج» عن القعنبي به.
وأخرجه المصنف فيه عن محمود بن غَيْلان، عن وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن عقبة به. وفي «الكبرى» عن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون به. وعن قتيبة، عن مالك به. وعن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن إبراهيم به . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: جواز الإرداف على الدابة إذا أطاقت ذلك.
ومنها: جواز الاستعانة في الوضوء في صب الماء.
ومنها: مشروعية التخفيف في الوضوء.
ومنها: استحباب الوضوء للدوام على الطهارة، وإن لم يصل به صلاة، إذ هي عبادة تَرَتَّب عليها تكفير الذنوب، فقول من قال بكراهة الوضوء إثر الوضوء ما لم يؤدّ بالأول صلاة فلا وجه له، وقد تقدم تحقيق هذا في كتاب الطهارة، في باب «ثواب من توضأ كما أمِر» ١٠٨/ ١٤٧ فارجع إليه تزدد علمًا.
ومنها: أن صلاة المغرب في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة لا تُجْزِئُ، على القول الراجح، لقوله: «الصلاةُ أمامُك».
ومنها: أن الفصل بين الصلاتين بتنزيل الرحل ونحوه لا يضر في الجمع.
ومنها: أنه لا يشرع الفصل بينهما بأداء سنة المغرب، لقوله: «ولم يُصَلِّ بينهما» كما في الرواية التي أشرنا إليها سابقًا.
وأما تفصيل المذاهب في حكم الصلاة في الطريق، وفي جواز الفصل بينهما بالنافلة، وفي حكم الأذان والإقامة لكل منهما، وغير ذلك فسيأتي مستوفًى في محله إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.