٨ - اْجْتِزَاءُ الْمَرْءِ بِأَذَانِ غَيْرِهِ فِي الحَضَرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على اكتفاء الشخص بأذان غيره في الحضر.
وليس المراد تخصيص هذا الحكم بالحضر فقط، بل لكونه بين حكم السفر في الباب الماضي، فأراد إفراد حكم الحضر بباب خاص به. والله أعلم.
٦٣٥ - أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَحِيمًا رَفِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَاهُ مِنْ أَهْلِنَا؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْليِكُمْ، فَأَقِيمُوا عِنْدَهُمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم، طوسي الأصل، يلقب دَلُويَهْ، وكان يغضب منها، وَلَقَّبَهُ أحمدُ: شعبةَ الصغير، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٨٦ سنة، من [١٠]، تقدم في ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ، توفي سنة ١٩٣ عن ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة فقيه، توفي سنة ١٣١ عن ٦٥ سنة، من [٥]، تقدم في ٣٢/ ٤٨.
والباقيان تقدما في السند السابق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء.
ومنها: أنهم اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخه فلم يخرج له مسلم وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أيوب عن أبي قلابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مالك بن الحويرث) ﵁، أنه (قال: أتينا رسول الله - ﷺ -) وعند البخاري في الصلاة: «أتيت النبي - ﷺ - في نفر من قومي». قال في الفتح: هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وكان قدوم وقد بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة أن واثلة الليثي قدم على رسول الله - ﷺ - وهو يتجهز لتبوك. انتهى. جـ ٢ ص ١٣١.
(ونحن شببة) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. والشببة بفتحات: جمع شاب (متقاربون) أي في العلم، ففي رواية لأبي داود من طريق مسلمة بن محمد، عن خالد الحذاء «وكنا يومئذ متقاربين في العلم» (فأقمنا عنده عشرين ليلة) أي بأيامها، ففي رواية للبخاري «فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة» (وكان رسول الله - ﷺ - رفيقًا) من الرفق، بفاء، فقاف، ورواية مسلم «رقيقًا»، بقافين، من الرقة، ورواية البخاري بالوجهين (فظن أنا قد اشتقنا إِلى أهلنا) بالإفراد (فسألنا عمن تركناه من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: ارجعوا إِلى أهليكم) جمع أهل، والأهل من النوادر؛ حيث يجمع مكسرًا نحو الأهالي، ومصححًا بالواو والنون؛ نحو الأهلين، وبالألف والتاء؛ نحو الأهلات، ذكره العيني في عمدته
(فأقيموا عندهم، وعلموهم، ومروهم) من عطف الخاص على العام (إِذا حضرت الصلاة) هكذا نسخ النسائي بدون واو، وعند
غيره: «وإذا حضرت الصلاة»، بعاطف، وجواب إذا: الجملة بعده، أي إذا حان وقت الصلاة (فليؤذن لكم أحدكم) هذه الرواية تبين معنى الرواية السابقة «فأذنا، وأقيما»، أي ليؤذن واحد منكما، كما تقدم الكلام عليه محققًا.
وهذا محل استدلال المصنف في الترجمة، حيث إن النبي - ﷺ - أمر أحدهما بالتأذين، فيفيد اجتزاء الآخر بأذانه.
(ثم ليؤمكم أكبركم) أي سِنًا، وليس المراد أكبرهما قدرًا ومنزلة، لما مر قريبًا من قوله: «وكنا يومئذ متقاربين في العلم» -بالموحدة - أي يوم قال لنا النبي - ﷺ - «ليؤمكما أكبركما».
ولأبي داود من رواية إسماعيل ابن علية، قال: قال خالد -يعني الحذَّاء- قلت لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما متقاربان، يعني أين القرآن الذي أمر النبي - ﷺ - صاحبه أن يتقدم على غيره في الصلاة؟ وإنما سأل عن ذلك لأن ظاهر هذا الحديث يعارض حديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» فإنه صريح في تقديم الأقرأ، وهذا صريح في تقديم الأكبر سنًا، فأجابه بأنهما كانا متقاربين في القرآن، فبقي الفضل