٦٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعَهُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ، وَيَابِسٍ».
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري، أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨ هـ، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في
٤٢/ ٤٧.
٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود في القدر والترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة، ثبت، توفي سنة ١٨٢، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥.
٤ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي البصري، ثقة، ثبت، حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٥ - (موسى بن أبي عثمان) الكوفي، مقبول، من [٦].
وفي (تت) موسى بن أبي عثمان التَّبَّانُ المدني، وقيل: الكوفي، مولى المغيرة. رَوَى عن أبيه، وأبي يحيى المكي، والأعرج، وسعيد
ابن جبير، وإبراهيم النخعي، وأم ظبيان. وعنه أبو الزناد، ومالك ابن مِغْوَل، وشعبة، والثوري. قال سفيان: كان مؤدبًا، ونعم الشيخ
كان، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ: فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التّبَّان، روى عن أبيه، وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي، روى عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، وعن النخعي، وسعيد. وعنه شعبة، والثوري، وغيرهما، ولم يذكر في التبان شيئًا، وقال في الآخر عن أبيه: شيخ. انتهى.
علق له البخاري، وأخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٦ - (أبو يحيى) المكي، يقال: اسمه سمعان الأسلمي، مقبول، من [٤].
وفي (تت) أبو يحيى المكي، روى عن أبي هريرة حديث «المؤذنُ يغفر له مَدَى صوته»، وعنه موسى بن أبي عثمان. ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم أنه سمعان الأسلمي.
قال ابن عبد البر: أبو يحيى المكي اسمه سمعان سمع من أبي هريرة، روى عنه بعض المدنيين في الأذان. وقال ابن القطان: لا
يعرف أصلًا، وقد ذكره ابن الجارود، فلم يزد على ما أخذ من هذا
الإسناد، ولم يسمه، وقال المنذري، والثوري: إنه مجهول. أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٧ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وفيه أن شيخه إسماعيل من أفراده، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (سمعه) أي سمع الحديث الآتي (من فم رسول الله - ﷺ -) يعني أنه أخذه مشافهة، لا بواسطة.
(يقول) جملة حالية في محل نصب من «رسول الله»، وإن كان مضافًا إليه، لكون المضاف جزءًا للمضاف إليه، كما قال ابن مالك:
وَلا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ … إِلا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
أوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أضِيفَا … أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفَا
(المؤذن) مبتدأ، خبره جملة قوله: (يغفر له بمَدِّ صَوْتِه) -بفتح الميم، وتشديد الدال المهملة، والباء سببية- أي يغفر له بسبب مد
صوته. أو بمعنى «مع»، أي يغفر له مع مد صوته.
وفي نسخة السندي «بمَدَى صوته»، ونص عبارته: قوله: «بمَدَى صَوْته» وفي نسخة «بمَدِّ صوته»، قيل: معناه بقدر صوته وحَدِّهِ، فإن بلغ الغاية من الصوت بلغ الغاية من المغفرة، وإن كان صوته دون ذلك، فمغفرته على قدره، أو المعنى: لو كان له ذنوب، تملأ ما بين محله الذي يؤذن فيه إلى ما ينتهي إليه صوته لغفر له. وقيل: يغفر له من الذنوب ما فعله في زمانٍ مُقَدَّرٍ بهذه المسافة. انتهت عبارته.
وفي «الزهر»: قال أبو البقاء: الجَيِّدُ عند أهل اللغة «مَدَى صوته» وهو ظرف مكان.
قال الجامع: قوله: «ظرف مكان» هذا على رواية أبي داود، فإن روايته «يغفر له مَدَى صوته»، وأما على رواية المصنف فهو مجرور بالباء، وليس منصوبًا على الظرفية. إلا إذا وجدت نسخة موافقة لرواية أبي داود. فتنبه.
وأما «مَدُّ صوته» فله وجه، وهو يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون تقديره مسافة صوته.
والثاني: أن يكون المصدر بمعنى المكان، أي ممتد صوته، وفي المعنى على هذا وجهان: أحدهما: معناه لو كانت ذنوبه، تملأ هذا المكان لغفرت له، وهو نظير قوله - ﷺ - إخبارًا عن الله تعالى «لو جئتني
بِقُرابِ الأرض خَطايَا»، أي بمِلْئِهَا من الذنوب. والثاني: يغفر له من الذنوب ما فعله في زمان مقدر بهذه المسافة. انتهى.
وفي المنهل: قوله: «المؤذن يغفر له مدى صوته» أي غاية صوته ومنتهاه، وهو منصوب على الظرفية، أي أن المؤذن يستكمل
مغفرة الله تعالى إذا بذل جهده في رفع الصوت بالأذان، وقيل: إن الكلام على وجه التمثيل والتشبيه، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه صوت المؤذن لو قدر، وكان ما بين أقصاه، وبين مقامه الذي فيه، ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله تعالى له.
وقيل: معناه يغفر لأجله ذنوب كل من سمع صوته، فحضر الصلاة المسببة عن ندائه. وقيل: معناه تغفر ذنوبه التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: معناه: يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنًا، أو مقيمًا إلى حيث يبلغ صوته. انتهى ما في المنهل جـ ٤ ص ١٧٣.
قال الجامع: أوضح المعاني، وأقربها من هذه المعاني التي ذكرها في المنهل أوَّلُها.
(ويشهد له كل رطب، ويابس) أي كل نَامٍ، وجَمَادٍ، مما يبلغه صوته، وهذا بمعنى حديث أبي سعيد الخدري الماضي «جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له»، وتقدم البحث هناك أن الصواب في تلك الشهادة أنها بلسان المقال.
وقال في المنهل في شرح هذا الحديث: والصحيح أن للجمادات والنباتات والحيوانات علمًا وإدراكًا وتسبيحًا، كما يُعلَمُ من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة، ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقرة، وغيرهما. انتهى.
زاد في رواية أبي داود في هذا الحديث «وشاهد الصلاة تكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما». والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٤٥)، وفي الكبرى (١٦٠٩) عن إسماعيل بن مسعود، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن
شعبة عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى المكي، عن أبي هريرة ﵁. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في «الصلاة» عن
حفص بن عمر، عن شعبة به، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة به.
قال في «النكت الظراف»: أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد عن أبي الوليد، عن شعبة، وصرح فيه بسماع أبي يحيى من أبي هريرة ﵁. انتهى جـ ١١ ص ٩٤. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو الترغيب في رفع الصوت بالأذان، بحيث لا يتضرر به، لكونه سببًا للمغفرة، وشهادة كل شيء
له، ولأن فيه الأمر بحضور الصلوات، فكلما كان أدعى للإسماع كان أولى، لما يترتب عليه من زيادة الخير.
وقد روى البيهقي بسنده عن أبي محذورة ﵁، قال: «لما قدم عمر ﵁ مكة أذنت، فقال لي: يا أبا محذورة أما خفت أن ينشق مُرَيْطَاؤُكَ». «السنن الكبرى» جـ ١ ص ٣٩٧ والمريطاء: بضم الميم، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية: عرقان في مراقِّ البطن، يعتمد عليهما الصائح، قاله في «اللسان».
ومنها: ثبوت المغفرة للمؤذن بمد صوته.
ومنها: رِفْعَةُ شأن المؤذن يوم القيامة، حيث شهد له كل رطب ويابس، ممن سمع صوته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.