٦٤٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ، مِنْ رَطْبٍ، وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيُّ البصري الزَّمِنُ، ثقة، ثبت، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٦٤/ ٨٠.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستُوائي البصري، وسكن اليمن، صدوق رُبَّمَا وَهِمَ، توفي سنة ٢٠٠، من [٩]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتُوَاِئي، أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، وقد رُمِيَ بالقدر، من كبار [٧]، توفي سنة ١٥٤، عن ٧٨ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعَامة بن قتادة السَّدُوسِيُّ، أبو الخطاب
البصري، ثقة، ثبت، رأس الطبقة [٤]، توفي سنة بضع عشرة ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أبو إِسحاق الكوفي) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، عابد، اختلط بآخره [٣]، توفي سنة ١٢٩، وقيل: قبل
ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٦ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عَدِيٍّ الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، توفي سنة ٧٢، أخرج له
الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا على الإخراج لهم، وأنهم بصريون، إلا الصحابي، وأبا إسحاق، فكوفيان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، قتادة، عن أبي إسحاق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن البراء بن عازب) رضي الله تعالى عنهما (أن نبي الله - ﷺ - قال: إِن الله وملائكته) بالنصب، كما هو قراءة الجماعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]. قال القرطبي ﵀: وقرأ ابن عباس ﵄ «وملائكته» بالرفع
عطفًا على موضع اسم «إن».
(يصلون على الصف المقدم) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والصلاة من الله تعالى: ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله ﷿: الرحمة، وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار لهم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ … الآية﴾ [غافر: ٧ - ٩]. انظر تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠٣.
تنبيه:
قال القرطبي ﵀: اختلف العلماء في الضمير في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]: فقالت فرقة: الضمير فيه لله والملائكة، وهذا قولٌ من الله تعالى شرف به ملائكته، فلا يصحبة الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال له رسول الله - ﷺ -: «بئس
الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله». أخرجه في الصحيح. قالوا: لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير، ولله أن يفعل في ذلك ما يشاء.
وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن الله يصلي، وملائكته يصلون، وليس في الآية اجتماع في ضمير، وذلك جائز للبشر فِعْلُهُ، ولم يقل رسول الله: «بئس الخطيب أنت» لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على «ومن يعصهما»، وسكت سكتة. واستدلوا بما رواه أبو داود عن عدي بن حاتم: أن خطيبًا خطب عند النبي - ﷺ -، فقال: من يطع الله ورسوله، ومن يعصهما. فقال: «قم -أو اذهب- بئس الخطيب أنت». إلا أنه يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه، وقال له: «بئس الخطيب» أصلح له بعد ذلك جميع كلامه، فقال: «قل: ومن يعص الله ورسوله». كما في صحيح مسلم، وهو يؤيد القول الأول بأنه لم يقف على «من يعصهما». انظر تفسير القرطبي جـ ١٤ ص ٢٣٢.
وفي الحديث الحث على الصلاة في الصف المقدم، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من كتاب الإمامة، إن شاء الله تعالى.
(والمؤذن يغفر له بمد صوته) تقدم الخلاف في ضبطه، ومعناه في الحديث السابق (ويصدِّقُهُ كل من سمعه من رطب ويابس) أي يشهد له يوم القيامة، أو يصدقه يوم يسمع، ويكتب له أجر تصديقهم
بالحق. قاله السندي.
(وله مثل أجر من صلى معه). قال السندي ﵀: أي إن كان إمامًا، أو مع إمامه إن كان مقتديًا بإمام آخر، لحكم الدلالة،
لكن هذا يقتضي أن يخص بمن حضر بأذانه، والأقرب العموم، تخصيصًا للمؤذن بهذا الفضل، وفضلُ الله أوسعُ. والله أعلم.
انتهى.
تنبيه:
حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي. تحفة جـ ٢ ص ٥٧، أخرجه هنا (٦٤٦)، وفي الكبرى (١٦١٠) بهذا السند. وفوائد الحديث تعلم مما سبق، وسيأتي بعضها في الإمامة، إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلابالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
١٥ - التَّثْوِيبِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التثويب في أذان صلاة الفجر، خاصة.
والتثويب: مصدر ثَوَّبَ، يُثَوِّبُ، وهو العَوْدُ إلى الإعلام بعد الإعلام، ويُطْلَق على الإقامة، كما في حديث «حتى إذا ثُوِّبَ أدبر، حتى إذا فرغ أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه»، وعلى قول المؤذن في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم»، وكُلٌّ من هذين تثويبٌ قديم ثابت من وقته - ﷺ - إلى يومنا هذا. وقد أحدث الناس تثويبًا ثالثًا بين الأذان والإقامة. قاله في فتح الودود.
قال الجامع: المراد بالتثويب هنا، هو قول المؤذن في أذان الفجر، بعد حي على الفلاح مرتين: الصلاة خير من النوم مرتين.
قال ابن منظور: ويقال: ثَوَّبَ الداعي تثويبًا: إذا عاد مرة بعد أخرى، ومنه تثويب المؤذن: إذا نادى بالأذان للناس إلى الصلاة، ثم
نادى بعد التأذين، فقال: الصلاةَ، رحمكم الله، الصلاةَ؛ يدعو إليها عَوْدًا بعد بَدْءٍ.
قال الجامع: هذا التثويب الذي ذكره ابن منظور مما أحدثه الناس، وهو من البدع المنكرة، أنكره ابن عمر ﵄، وغيره، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.