للظهر والمغرب.
والحديث أخرجه أحمد جـ ٣ ص ٢٥ من الوجه الذي أخرجه المصنف، وفي ص ٤٩ عن عبد الملك بن عمرو وحجاج كلاهما عن ابن أبي ذئب به، وفي ص ٦٧، عن يزيد وحجاج، كلاهما عن ابن أبي ذئب به، وكلها بلفظ «أقام» وليس فيها «أذن»، وزاد في ص ٦٧، «ثم أقام العشاء فصلاها كذلك» … وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم ٢٢٣١، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ «فأقام لكل صلاة إقامة» … وأخرجه البيهقي جـ ١ ص ٤٠٢، من طريق بشر بن عمر الزهراني، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ «فأقام» وزاد العشاء أيضًا.
قال الجامع: الذي يظهر لي أن المحفوظ من حديث أبي سعيد لفظ الإقامة لا الأذان، فإن كان محفوظًا بلفظ الأذان، كما هو ظاهر عمل المصنف، فالاستدلال به واضح، وإلا فليس في الحديث دليل على ما ترجم له. فتنبه. والله أعلم.
٦٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَغَلَنَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ،
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَالًا، فَأَقَامَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس السابق في الباب الماضي.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان السابق فيه أيضًا.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني السابق فيه أيضًا.
٤ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبو سَعْدٍ المدني، ثقة، من [٣]، تغير قبل موته بأربع سنين، توفي في حدود سنة ١٢٠، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها، تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٥ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري، ثقة، توفي سنة ١١٢ وله ٧٧ سنة، من [٣]، تقدم في
٣٢٦.
٦ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الصحابي ابن
الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم في ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرجوا لهم، إلا عبد الرحمن ابن أبي سعيد فعلق عنه البخاري، وأخرج له الباقون.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فسعيد وعبد الرحمن من طبقة واحدة، ورواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن أبا سعيد الخدري أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه) سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵄ أنه (قال: شغلنا المشركون) شغل
من باب نفع، ولا يقال: أشغله بالألف، إلا على لغة قليلة أو رديئة، والمشركون مرفوع على الفاعلية (يوم الخندق) أي يوم اشتغالهم بحفر الخندق، لأجل تحزب الأعداء عليهم.
وغزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب، كانت في شوال، أو في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة، وسببها أنه لما جلا بنو النضير
خرج نفر من وجوههم إلى مكة، منهم سلام بن مِشْكَم وابن أبي الحُقيقِ وابن أخطب وغيرهم من اليهود، فأتوا قريشًا ودعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ - وعاهدوهم على قتاله، وقالوا: نكون معكم عليه حتى نستأصله، ونَشَّطُوا قريشًا بزعمهم أن دينهم خير من دين محمد - ﷺ -؛ لما أقسم عليهم أبو سفيان، أيُّ الدين خير؟ فاجتمعوا ثم جاءوا غطفان فكلموهم ووعدوهم بنصف تمر خيبر كل عام، فخرجت قريش في أربعة آلاف وعقدت اللواء بدار الندوة وحمله عثمان بن طلحة ومعه ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير يقودهم أبو سفيان، ووافقهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد، وغطفان في فزارة، فأوعبت وهم ألف، يقودهم عيينة بن حِصنْ، وأشجع، وهم أربعمائة، يقودهم مسعود بن رُخَيْلَة، وبنو مرة وهم أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم، فكانوا عشرة آلاف، وهم ثلاث عساكر، وعِنَاجُ الأمرِ- أي مِلاكُهُ لأبي سفيان، فبلغ رسول الله - ﷺ -، فندب المسلمين وشاوروهم، فأشار سلمان بالخندق، ولم يكن شأن العرب، بل من مكائد الفرس، فعسكر بهم رسول الله - ﷺ - إلى سَفْحِ سَلْعٍ، وكانوا ثلاثة آلاف، ثم خندق على المدينة وعمل فيه بيده بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعًا وعشرين. فهزم الله الأحزاب وحده، ونصر
عبده، وأقام النبي - ﷺ - بالخندق أربعة أو خمسة عشر يومًا، ورجع إلى المدينة لسبع بقين من ذي القعدة. انظر تفاصيل القصة في سيرة ابن هشام جـ ٣ ص ١٦٥ - ١٨٣. وشرح ألفية السيرة العراقية ص ١٨١ - ١٨٦.
(عن) أداء (صلاة الظهر) أي والعصر، ففيه حذف الواو مع ما عطفت، بدليل ما بعده (حتى غربت الشمس) وفي رواية لأحمد «حتى ذهب هُوِيٌّ من الليل» (وذلك) أي الشغل المذكور (قبل أن ينزل) بالبناء للفاعل (في القتال) أي في شأن القتال (ما نزل) «ما» اسم موصول في محل الرفع فاعل ينزل، أي من صلاة الخوف. ففي رواية أحمد جـ ٣ ص ٤٩ «وذلكم قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف، ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]».
يعني أن فوت الصلوات إنما كان لعدم مشروعية صلاة الخوف، وفيه أنه بعد نزول آية الخوف لا يجوز تأخيرها، لإمكان أدائها بالكيفية المشروعة (فأنزل الله ﷿ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]) بما أرسله من الريح والجنود، كما قال الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩].
(فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا) أي بعد غروب الشمس، وذهاب وقت المغرب (فأقام لصلاة الظهر) وأشار في هامش الهندية أن في
بعض النسخ «فأذن» ومثله في «الكبرى» ومنه يؤخذ حكم الباب، إذ يدل على أنه أذن، وأقام لكل واحدة من الفوائت (فصلاها كما كان يصليها لوقتها) باللام، وهي بمعنى «في»، وفي بعض النسخ «في وقتها» بفي. ولأحمد «فصلاها وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها».
يعني أنه صلى الظهر بالصفة التي كان يصليها في وقتها المعتاد، من الإتيان بواجباتها ومستحباتها وأدائها جماعة والإسرار بقرائتها، ومن كونه لم يزد عليها شيئًا من سجدتي السهو.
(ثم أقام للعصر) أي بعد الأذان، وفي بعض النسخ «ثم أذن العصر» بدلًا من «أقام للعصر» (فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها) وهذا يدل على أنه قضى الصلوات في وقت العشاء، فيكون معنى قوله: «حتى غربت الشمس» أي حتى جاء الليل، وذلك بعد دخول وقت العشاء، بدليل ما هنا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته جـ ٣ ص ٣٨٧،
أخرجه هنا (٦٦١) وفي الكبرى (١٦٢٥) بهذا السند.
وأخرجه أحمد جـ ٣ ص ٢٥، ٤٩، ٦٧، وأبو داود الطيالسي برقم (٢٢٣١) والبيهقي جـ ١ ص ٤٠٢، ٤٠٣ وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، كما ذكره الحافظ في التلخيص جـ ١ ص ١٩٤، ١٩٥.
الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الأذان والإقامة لكل واحدة من الفوائت إن كان الأذان محفوظًا.
ومنها: مشروعية الترتيب في قضاء ما فات من الصلوات، لأنه - ﷺ - رتبها كما وجبت، وقد تقدم ذكر مذاهب العلماء في ذلك، وترجيح القول بوجوب الترتيب بدليله في كتاب الصلاة، في الباب (٥٥)، فارجع إليه تستفد.
ومنها: أن صفة قضاء الصلاة الفائتة لا يختلف عن الصلاة المؤداة في الوقت، فتصلى كما كانت تصلى في وقتها.
الثالثة: في مذاهب العلماء في الأذان والإقامة للصلاة الفائتة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى، في كتابه الأوسط جـ ٣ ص ٣١:
«ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها»
ثم أخرج بسنده عن الحسن، عن عمران بن حصين رضي الله
عنه، قال: سرنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، أو قال في سرية، فلما كان آخر السحر عرَّسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يَثِبُ فَزِعًا دَهِشًا، فلما استيقظنا أمرنا، فارتحلنا، ثم سِرْنَا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا، فقضَى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالًا، فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره، فأقام، فصلى الغداة.
قال الجامع: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه مطولًا جـ ٥ ص ١٩٢ بشرح النووي.
قال أبو بكر: فقد سَنَّ رسولُ الله - ﷺ - للصلاة الفائتة إذا نام عنها المرء أن يُؤَذَّنَ لهَا ويقام، وقد روي في أذان من قد فاتته الصلاة بعذر خبران، ثم أخرج بسنده حديث أبي عبيدة، عن أبيه الآتي في الباب التالي، وفيه «فأمر بلالًا، فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر … الحديث.
ثم قال: وممن مال إلى القول بهذا الحديث: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي في رجل نسي صلاة فأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة.
ثم أخرج بسنده حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الباب.
ثم قال: وممن قال بهذا الحديث مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وقال الشافعي: إذا جمع بين الصلاتين، وقد ذهب وقت الأولى منهما أقام لكل واحدة منهما بلا أذان، وكذلك كل صلاة صلاها في غير
وقتها كما وصفت.
قال ابن المنذر ﵀: هذا -يعني ما قاله الشافعي- منه غلط، لأن النبي - ﷺ - قد سن للجامع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما جمع بينهما، أم في وقت الآخرة أن يؤذن للأولى من الصلاة ويقيم فيصليها، ثم يقيم للآخرة فيصليها، كذلك فعل بعرفة في حجته حين جمع بين الظهر والعصر، وبمزدلفة لمَّا جمع بين المغرب والعشاء، ثابت ذلك منه، وقد ذكرت إسناده في غير هذا الموضع، فأما حديث أبي عبيدة عن أبيه فغير ثابت؛ لأنه لم يلقه ولم يسمع منه، وقد ثبت حديث عمران بن حصين.
فالسنة لمن فاتته صلوات أن يؤذن للصلاة الأولى منهن، ويقيم، فيصليها، ثم يقيم لما بعدها من الصلوات، لكل صلاة إقامة، والزيادة في الأخبار إذا ثبتت يجب استعمالها، إذ الزيادة في الخبر في معنى حديث تفرد به الراوي، فكما يجب قبول ما ينفرد به الثقة من الإخبار، فكذلك يجب قبول الزيادة منه. والله أعلم. انتهى. الأوسط جـ ٣ ص ٣١ - ٣٤.
قال الجامع عفا الله عنه: ما نقله ابن المنذر عن الشافعي هو مذهبه الجديد، والقديم أنه يؤذن للفائتة، وهو المختار عند كثير من أصحابه. قاله في «الفتح» جـ ٢ ص ٨١.
والحاصل أن ما رجحه الإمام ابن المنذر ﵀ هو الراجح
عندي، لقوة دليله، وخلافه ليس له حجة يعتمد عليها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.