٣٦ - القَولُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: «حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ»
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ما يقوله من سمع المؤذن، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
فالمراد بالقول هنا المقول، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول.
٦٧٧ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى أَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، حَتَّى إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
رجال هذا الإسناد: تسعة
١ - (مُجاهد بن موسى) الخُوَارزْمِي، وهو الخُتَّلِي، أبو علي، نزيل بغداد، ثقة، من [١٠] توفي سنة ٢٤٤، وله ٨٦ سنة، أخرج له
مسلم والأربعة، تقدم في ١٠٢.
٢ - (إبراهيم بن الحسن المقْسَمِى) أبو إسحاق المِصِّيصِي، ثقة، من [١١] تقدم في ٦٤.
٣ - (حجاج) بن محمد الأعور المصيصي نزيل بغداد، ثقة ثبت، من [٩] تقدم في ٢٣.
٤ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل، من [٦] تقدم في ٣٢.
٥ - (عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني، ثقة، من [٦] تقدم في ٩٧.
٦ - (عيسى بن عمر) ويقال: بن عمير، حجازي مقبول، من [٧].
روى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، عن معاوية في القول كما يقول المؤذن، روى عنه عمرو بن يحيى بن عمارة المازني، قال الدارقطني في الجرح والتعديل: مدني معروف، يعتبر به. وقال الذهبي: لا يعرف. انتهى. تت. انفرد به المصنف.
٧ - (عبد الله بن علقمة بن وقاص) الليثي، مقبول، من [٦]
أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، والنسائي.
٨ - (علقمة بن وقاص) الليثي المدني، ثقة ثبت، من [٢]، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل: ولد في عهد النبي - ﷺ -، تقدم في ٧٥.
٩ - (معاوية) بن أبي سفيان - ﵄ -، تقدم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانيات المصنف، وأن للمصنف فيه شيخين: مجاهد، أخرج له مسلم والأربعة، وإبراهيم أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه في «التفسير»، وفيه عيسى بن عمر من أفراده، وليس له إلا هذا الحديث. وفيه عبد الله بن علقمة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، والمصنف، والباقون اتفقوا عليهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن علقمة بن وقاص) الليثي، أنه (قال: إِني عند معاوية) اسم «إن» ياء المتكلم، وخبرها الظرف (إِذ أذن مؤذنه) أي مؤذن معاوية - ﵁ - (فقال معاوية، كما قال المؤذن، حتى إِذا قال) أي المؤذن (حي على الصلاة، قال) أي معاوية (لا حول، ولا قوة إِلا بالله) قال النووي في شرح مسلم: يجوز فيه خمسة أوجه
لأهل العربية مشهورة:
أحدها: «لا حول ولا قوة» بفتحهما بلا تنوين.
الثاني: فتح الأول، ونصب الثاني منونًا.
الثالث: رفعهما منونين.
والرابع: فتح الأول، ورفع الثاني منونًا.
والخامس: عكسه.
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه الأوجه أشار ابن مالك -﵀-، حيث قال:
وَرَكِّبْ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا كَلَا … حَوْلَ وَلا قُوَّةَ والثَّانِ اجْعَلا
مَرْفُوعًا أو مَنْصُوبًا أو مُرَكَّباَ … وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلَا لا تنْصِباَ
قال أبو الهيثم: الحول: الحركة، أي لا حركة، ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى، وكذا قال ثعلب، وآخرون. وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحُكِيَ هذا عن ابن مسعود، وحَكَى الجوهري لغةً غريبة ضعيفة أنه يقال: لا حَيل ولا قوة إلا بالله، بالياء. قال: والحول، والحيل بمعنى. انتهى.
وفي قوله: لغة غريبة ضعيفة نظر، اللهم إلا إذا أراد في هذا التركيب خاصة، وإلا فقد أثبت أهل اللغة الحَوْلَ، والحَيْلَ بالواو،
والياء سواء.
قال المجد في «ق»: والحَوْلُ، والحَيْل، والحِوَل، كعنب، والحَوْلة، والْحِيلَةُ، والتحوِيلُ، والْمَحَالَة، والمَحَال، والاحتيال، والتحول، والتحيل: الْحِذْق، وجَوْدة النظر، والقدرة على التصرف. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فثبت بهذا أن الحَيْل بالياء لغة، مثل الحول بالواو، وليست ضعيفة. والله أعلم.
فائدة:
يقال في التعبير عن قولهم: لا حول، ولا قوة إلا بالله: الحوقلة. هكذا قال الأزهري، والأكثرون. وقال الجوهري: الحولقة.
فعلى الأول، وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى.
وعلى الثاني: الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى، لئلا يفصل بين الحروف، ومثل الحولقة الحيعلة في حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على كذا، والبسملة في «بسم الله» والحمدلة في «الحمد لله» والهيللة في «لا إله إلا الله»، والسبحلة في «سبحان الله». انتهى. انظر «شرح مسلم» جـ ٤ ص ٨٧.
وقال المطرزي في كتاب اليواقيت وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها، وهي بسمل الرجل إذا قال: بسم الله،
وسبحل: إذا قال سبحان الله، وحوقل: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل: إذا قال: حي على الصلاة، ويجيء على القياس: حيصل: إذا قال: حي على الصلاة، ولم يُذْكَر، وحمدل: إذا قال: الحمد لله، وهيلل: إذا قال: لا إله إلا الله، وجعفل: إذا قال: جُعِلْتُ فدَاءك. زاد الثعالبي: الطيقلة: إذا قال: أطال الله بقاءك، والدمعزة: إذا قال: أدام الله عزك.
وقال عياض: قوله: الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على حي على الصلاة، وحي على الفلاح كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في «حي على الفلاح» الحيفلة بالفاء، وهذا لم ينقل، وإنما الحيعلة من قولهم: حي على كذا، فكيف، وهو باب مسموع، لا يقاس عليه، وانظر قوله: جعفل في جعلتُ فداءك، لو كان على قياس الحيعلة لقال: جعلف، إذ اللام مقدمة على الفاء، وكذا الطيلقة تكون اللام على القياس قبل القاف. والله أعلم. ذكره العيني في «عمدة القاري» جـ ٥ ص ١٢١.
(فلما قال) أي المؤذن (حي على الفلاح، قال) أي معاوية (لا حول ولا قوة إِلا بالله، وقال بعد ذلك) أي بعد قوله: لا حول ولا
قوة إلا بالله في الحيعلتين (ما قال المؤذن) أي مثل الذي قاله المؤذن، من التكبير، والتهليل، وفي رواية ابن خزيمة، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، «فقال: الله أكبر، الله أكبر، لا
إله إلا الله، فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. (ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول مثل ذلك) ولفظ الكبرى«يقول ذلك». والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث معاوية - ﵁ - هذا من رواية علقمة بن وقاص عنه صحيح، فقد وجد متابع لعبد الله بن علقمة في الرواية عن أبيه، وهو أخوه عمرو بن علقمة، كما يأتي في رواية أحمد، والدارمي، وابن خزيمة، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا (٦٧٧)، وفي الكبرى (١٦٤٠) عن مجاهد بن موسى، إبراهيم بن الحسن المِقْسَمِيّ، كلاهما عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عمرو بن يحيى، عن عيسى بن عُمَرَ، عن عبد الله بن علقمة، عن أبيه علقمة بن وقاص، عنه. وفي عمل اليوم والليلة (٣٥٣) عن مجاهد بن موسى وحده به.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه معه من غير أصحاب الأصول:
أخرجه أحمد في «المسند» جـ ٤ ص ٩١، قال عبد الله بن أحمد:
وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده، قال: حدثنا محمد بن بكر البرساني، قال: أنبأنا ابن جريج، قال: حدثنا عمرو بن يحيى، أن عيسى بن عمر أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، وفي
(٤/ ٩٨)، قال: حدثنا يحيى، عن محمد بن عمرو، قال: حدثني أبي -وأخرجه الدارمي- رقم (١٢٠٦) قال أخبرني سعيد ابن عامر، قال حدثنا محمد بن عمرو -عن أبيه- وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (٤١٦) قال: حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثني أبي، كلاهما عن علقمة بن وقاص، فذكر الحديث.
المسألة الثالثة: في هذا الحديث أن من سمع الأذان يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب قوم إلى أنه يقول ما يقوله المؤذن كلمة بكلمة إلى آخر النداء، وحجتهم حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - المتقدم (٦٧٣) «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن».
وذهب آخرون إلى أنه يقول كما يقول المؤذن، إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وحجتهم حديث معاوية ﵁ هذا.
وذهب آخرون إلى أنه يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد خاصة، وإن شاء قال: وأنا أشهد بما تشهد به، ونحو هذا، واحتجوا بحديث سعد بن أبي وقاص الآتي (٦٧٩) «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله. . . الحديث». أفاده في الاستذكار جـ ٢
ص ٨٤ - ٨٥.
وقال العلامة أبو بكر ابن المنذر -﵀- بعد ذكر الخلاف: وقد يجوز أن يقول قائل: هذا من الاختلاف المباح، إن شاء قال كما يقول المؤذن، وإن شاء قال كما في خبر معاوية بن أبي سفيان، أيَّ ذلك قال فهو مصيب. انتهى. الأوسط جـ ٣ ص ٣٥.
وقال الشوكاني -﵀-: وحَكَى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فَلِمَ لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة. انتهى. نيل جـ ٢ ص ١٢٢.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال: يتابع المؤذن إلا في الحيعلتين، فيُحَوْقِلُ فيهما، لأن حديث أبي سعيد «فقولوا مثل ما يقول المؤذن» وكذا حديث أم حبيبة - ﵂ - «أنه - ﷺ - كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت» مُفسَّر بحديث معاوية المذكور في الباب، وبحديث عمر - ﵁ - عند مسلم وأبي داود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا
قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة».
فهذان الحديثان يُبَيِّنَان ما أُجْمِلَ في حديث أبي سعيد، وأم حبيبة - ﵄ - من قوله:«فقولوا مثل ما يقول»وقولها«كان يقول: كما يقول المؤذن» أي غير الحيعلتين.
وأما ما ذكره الشوكاني من قول بعضهم بالجمع بينهما فغير صحيح، إذ يؤدي ذلك إلى ترك العمل بحديث عمر، ومعاوية - ﵄ -.
والحاصل أن الأولى أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، جمعًا بين الأحاديث، فتبصر. والله أعلم.
تنبيه:
أخرج البخاري حديث معاوية - ﵁ - المذكور في هذا الباب مختصرًا، وأخرج مسلم حديث عمر - ﵁ - المذكور آنفًا.
قال الحافظ -﵀-: وإنما لم يخرجه -أي حديث عمر- البخاريُّ لاختلاف وقع في وصله وإرساله، كما أشار إليه الدارقطني، ولم يخرج مسلم حديث معاوية؛ لأن الزيادة المقصودة منه -يعني الحوقلة- ليست على شرط الصحيح للمبهم الذي فيها -أي لقول يحيى بن أبي
كثير: وحدثني بعض إخواننا أنه لما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال الحافظ: لكن إذا انضم أحد الحديثين إلى الآخر قوي جدًا. وفي الباب أيضًا عن الحارث بن نوفل الهاشمي، وأبي رافع، وهما في الطبراني، وغيره، وعن أنس في البزار، وغيره، والله أعلم. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١١١ - ١١٢.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.