HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٦٩٠

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ فِي السِّكَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْتُ: وَكَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ عَامًا وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ فَصَلِّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص227
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٨ ص٤٤٣
٣ - ذِكْرُ أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلًا؟ أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه قول أبي ذر - ﵁ - للنبي - ﷺ -: «أي مسجد وضع أولًا؟». فأيُّ -بضم الهمزة، وتشديد الياء- اسم استفهام، مرفوع على الابتداء، وخبره جملة «وضع» وهو بالبناء للمفعول، و«أولًا» منصوب على الظرفية متعلق بوضع، وفي نسخة «أوَّلُ» بالبناء على الضم، لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، كقبلُ، وبعدُ، قال ابن مالك -﵀- في خلاصته: واضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا إِنْ عَدِمْتَ مَا … لَه أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْل كَغَيْر بَعْذ حَسْبُ أوَّلُ … وَدُون وَالْجِهَاتُ أيْضًا وَعَلُ وَأعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نكِّرَا … قَبْلًا وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكرًا والله تعالى أعلم. ٦٩٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ فِي السِّكَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: وَكَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ، فَصَلِّ». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، ثم البغدادي، ثم المروزي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٤، من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (علي بن مُسْهِر) الكوفي، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعد ما أضَرَّ، من [٨] تقدم في ٥٢/ ٦٦. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة حافظ مدلس، من [٥] تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (إِبراهيم) بن يزيد بن شَرِيك التَّيْمِي، أبو أسماء الكوفي العابد، ثقة يرسل ويدلس، من [٥] تقدم في ١٢١/ ١٧٠. ٥ - (يزيد بن شريك) بن طارق التيمي الكوفي، ثقة، يقال: أدرك الجاهلية، توفي في خلافة عبد الملك، من [٢]. روى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي مسعود، وحذيفة، وأبي معمر. وعنه ابنه إبراهيم، وإبراهيم النخعي، وجَوَّاب التيمي، والحَكَم بن عتيبة، وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عَرِيفَ قومه، وله أحاديث. وقال أبو موسى المديني في الذيل: يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج له الجماعة. ٦ - (أبو ذر) جُنْدَب بن جُنَادة على الأصح، وقيل: غيره، الصحابي المشهور - ﵁ -، تقدم في ١٤١/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود، وابن ماجه، وكلهم كوفيون، إلا شيخه فمروزي، نزل بغداد، ثم مرو، وأبا ذر، فقد نزل المدائن، ومات بالرَّبذَة، موضع قريب من المدينة. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعيين، بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه. ومنها: رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن إِبراهيم) بن يزيد التيمي، أنه (قال: كنت أقرأ على أبي القرآن) وفي رواية لمسلم، وابن خزيمة، من طريق أخرى عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي «كنت أنا وأبي نجلس في الطريق، فيعرض علي القرآن، وأعرض عليه، فقرأ السجدة، فسجد، فقلت: تسجد في الطريق؟ قال: نعم، سمعت أبا ذر»، فذكره. قاله في «الفتح». (في السِّكَّة) متعلق بأقرأ، وهي -بكسر السين، وتشديد الكاف-: الزُّقَاقُ، والسكة أيضًا: الطريق المُصْطفَّة من النخل. أفاده في المصباح. وفي اللسان، وقيل: إنما سميت الأزِقَّة سِككًا لاصطفاف الدُّور فيها، كطرائق النخل. انتهى. ووقع في رواية مسلم «السُّدَّة» بالدال بدل السكة، قال النووي -﵀-: هي بضم السين، وتشديد الدال، هكذا هو في صحيح مسلم، ووقع في كتاب النسائي «في السكة»، وفي رواية غيره «في بعض السكك»، وهذا مطابق لقوله: يا أبت في الطريق، وهو مقارب لرواية مسلم؛ لأن السدة واحدة السُّدِّ، وهي المواضع التي تُطِلُّ حول المسجد، وليست منه، ومنه قيل لإسماعيل: السُّدِّي؛ لأنه كان يبيع في سُدَّة الجامع، وليس للسدة حكم المسجد، إذا كانت خارجة عنه. انتهى. «شرح مسلم» جـ ٥ ص ٣. (فإِذا قرأت السجدة) أي آيتها (سجد) قال القاضي عياض: واختلف العلماء في المعلم، والمتعلم إذا قرآ السجدة، فقيل: عليهما السجود لأول مرة، وقيل: لا سجود. انتهى. وسيأتي تحقيق البحث في موضعه، إن شاء الله تعالى. (فقلت: يا أبت) بكسر التاء، وهو الأكثر، وفتحها، قال في الخلاصة: وَفِي النِّدَا أبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ … وَاكْسِرْ أوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ وحكي ضمها، وهو قليل، وقد ذكر النحاة في نداء الأبوين تسع لغات، وقيل: عشر، انظر تفاصيلها في شروح الخلاصة، وغيرها. (أتسجد في الطريق؟) وهو محمول على أن سجوده على طاهر. قاله النووي. (فقال: إِني سمعت أبا ذر) - ﵁ - (يقول: سألت رسول الله - ﷺ -، أيّ مسجد وضع أولًا) وفي نسخة «أوَّلُ» وهي رواية البخاري، وتقدم توجيههما في أول الباب. ولفظ الكبرى «سألت رسول الله - ﷺ - عن أول مسجد وضع في الأرض». (قال) - ﷺ -: (المسجد الحرام) بالرفع مبتدأ حذف خبره، لدلالة السؤال عليه، أي المسجد الحرام: وضع أوّلًا، أو نائب فاعل لفعل محذوف، أي وُضِعَ المسجد الحرام أوّلًا. (قلت: ثم أي) بالتنوين، وتركه، كما تقدم في حديث ابن مسعود - ﵁ - «أي العمل أحب إلى الله تعالى» رقم (٦١٠). قال في الفتح: وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة، لا مطلق البيوت، وقد ورد ذلك صريحًا عن علي - ﵁ -، أخرجه إسحاق بن راهويه، وابن أبي حاتم، وغيرهما بإسناد صحيح عنه، قبله قال: «كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله». انتهى. فتح جـ ٢ ص ٤٧٠. (قال المسجد الأقصى) يعني بيت المقدس، قيل له: الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة. وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث. والمقدس المطهر عن ذلك. قاله في الفتح. (قلت: كم بينهما) أي كم مدة بين بنائهما. (قال: أربعون عامًا) قال في الفتح: قال ابن الجوزي: فيه إشكال؛ لأن إبراهيم بني الكعبة، وسليمان بني بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. انتهى. ومستنده في أن سليمان ﵇ هو الذي بني المسجد الأقصِى، ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا بإسناد صحيح «أن سليمان لما بني بيت المقدس سأل الله تعالى خلالًا ثلاثًا»، الحديث. وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة «أن داود ﵇ ابتدأ ببناء بيت المقدس، ثم أوحى الله إليه: إني لأقضي بناءه على يد سليمان»، وفي الحديث قصة. قال: وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء، ووضع أساس المسجد، وليس إبراهيم أول من بني الكعبة، ولا سليمان أول من بني بيت المقدس، فقد روينا: أن أول من بني الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بني إبراهيم الكعبة بنص القرآن. وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم، وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما. قال الحافظ: وقد مشى ابن حبان في صحيحه على ظاهر هذا الحديث، فقال: في هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة، ولو كان كما قال، لكان بينهما أربعين سنة، وهذا عين المحال، لطول الزمان -بالاتفاق- بين بناء إبراهيم ﵇ البيت، وبين موسى ﵇. ثم إن نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة. وقد تعقب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. وقال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان، ثم داود وسليمان فزادا فيه ووسعاه، فأضيف إليهما بناؤه، قال: وقد ينسب هذا المسجد إلى إيلياء، فيحتمل أن يكون هو بانيه، أو غيره، ولست أحقق لِم أضيف إليه. قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أولًا موجه، وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم ﵇، وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن نوح ﵇، وقيل: يعقوب ﵇، فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدًا، كما وقع في الكعبة، وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب، أصلًا وتأسيسًا، ومن داود تجديدًا لذلك، وابتداء بناء، فلم يكمل على يده، حتى أكمله سليمان ﵇. لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. وقد وجدت ما كشهد له، ويؤيد قول من قال: إن آدم هو الذي أسس كلًا من المسجدين، فذكر ابن هشام في كتاب «التيجان» أن آدم لما بني الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه، فبناه، ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور، وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «لما كان زمن الطوفان رفع البيت، وكان الأنبياء يحجونه، ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله لإبراهيم، وأعلمه مكانه». وروى البيهقي في «الدلائل» من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «بعث الله جبريل إلى آدم، فأمره ببناء البيت، فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس». وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء «أن آدم أول من بني البيت، وقيل: بنته الملائكة قبله». وعن وهب بن منبه «أول من بناه شيث بن آدم»، والأول أثبت. وروى ابن أبي حاتم من طريق معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم لما هبط، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال الله له: يا آدم إني قد أهبطت بيتًا يطاف به، كما يطاف حول عرشي، فانطلق إليه، فخرج آدم إلى مكة، وكان قد هبط بالهند، ومد له في خطوه، فأتى البيت، فطاف به. وقيل: إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس، فاتخذ فيه مسجدًا، وصلى فيه، ليكون قبلة لبعض ذريته. وأما ظن الخطابي: أن إيلياء اسم رجل، ففيه نظر، بل هو اسم البلد، فأضيف إليه المسجد، كما يقال: مسجد المدينة، ومسجد مكة. وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان: إيلياء مدينة المقدس، فيه ثلاث لغات: مد آخره، وقصره، وحذف الياء الأولى. قال الفرزدق [من الطويل]: لَوَى ابنُ أبي الرّقْراقِ عَيْنَيْهِ بَعْدَما … دَنَا مِنْ أعَالِي إِيلِيَاءَ وَغَوَّرَا وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع، بأن يقال: إنها سميت باسم بانيها، كغيرها، والله أعلم. انتهى ما في «الفتح» جـ ٦ ص ٤٧٠ - ٤٧١ بزيادة من ص ٤٦٣. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدم من الأجوبة أنه لا تنافي بين هذا الحديث، وقصة بناء إبراهيم للكعبة، وسليمان لبيت المقدس، لإمكان الجمع بأن بناءهما كان تجديدًا، لا تأسيسًا، فمدة أربعين عامًا كانت بين بناء المسجدين حين أسسا، ثم جدد إبراهيم الكعبة، وسليمان المقدس بمدة متطاولة. والله أعلم. (والأرض لك مسجد) مبتدأ وخبر، والجار والمجرور متعلق بحال المحذوف، أي حال كونها لك، أو متعلق بمسجد؛ لأن فيه رائحة الفعل، واللام في الأرض للاستغراق، لما في جامع سفيان بن عيينة، عن الأعمش «فإن الأرض كلها مسجد» يعني أنها صالحة للصلاة فيها، لكن هذا العموم يخص بأدلة أخرى كالنهي عن الصلاة في المقبرة، وفي رواية مسلم «ثم الأرض لك مسجد». والمراد أنها كلها مسجد ما دامت على الحالة الأصلية التي خلقت عليها، وأما إذا تنجست فلا، وإنما ذكر ذلك لبيان أنه لا يؤخر الصلاة، لإدراك فضل هذين المسجدين. (فحيثما أدركتك الصلاة، فصل) أي في أي موضع أدركك وقت الصلاة، فصل هناك، ولا تؤخر. وفيه إشارة إلى المحافظة على الصلاة في أول وقتها، ويتضمن ذلك الندب إلى معرفة الأوقات. ورواية البخاري «ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصلهْ، فإن الفضل فيه». قال الحافظ -﵀-: قوله: فصله بهاء ساكنة، وهي هاء السكت، وللكشميهني بحذفها. وقوله: «فإن الفضل فيه»: أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها. وفي الحديث إشارة إلى أن المكان الأفضل للعبادة إذا لم يحصل، لا يترك المأمور به لفواته، بل يفعل المأمور في المفضول؛ لأنه - ﷺ - كأنه فهم عن أبي ذر من تخصيصه السؤال عن أول مسجد وضع أنه يريد تخصيص صلاته فيه، فنبه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت، لا يتوقف على المكان الأفضل. وقال الطيبي: يعني سألت أبا ذر عن أماكن بنيت مساجد، واختصت العبادة بها، وأيها أقدم زمانًا، فأخبرتك بوضع المسجدين، وتقدمهما على سائر المساجد، ثم أخبرتك بما أنعم الله عليَّ، وعلى أمتي من رفع الجُناح، وتسوية الأرض في أداء العبادة فيها. انتهى . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٣/ ٦٩٠)، و«الكبرى» (٣/ ٧٦٩)، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عنه. و«الكبرى» في «التفسير» (١١٠٦٩) عن بشر بن خالد، عن غندر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش به. والله أعلم. المسألة الثالثه: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه. فأخرجه البخاري في «أحاديث الأنبياء» (١١/ ١) عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، و(٤١/ ٣) عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه. ومسلم في «الصلاة» (٥٣/ ١) عن أبي كامل، عن عبد الواحد، و(٥٣/ ١) عن أبي بكر، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، و(٥٣/ ١) عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر أربعتهم عن الأعمش، به. وابن ماجه فيه (٢٧) عن علي بن محمد، عن أبي معاوية، به. و(٢٧) عن علي بن ميمون الرقي، عن محمد بن عبيد، عن الأعمش نحوه. وأخرجه الحميدي (١٣٤)، وأحمد (٥/ ١٥٠، ٥/ ١٥٦، ٥/ ١٥٧، ٥/ ١٦٠، ١٦٦)، وابن خزيمة رقم (٧٨٧، ١٢٩٠). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان أول محل وضع في الأرض لعبادة الله ﷿. ومنها: بيان فضل المسجد الحرام، حيث إنه أول موضع وضع للعبادة، ثم يليه البيت المقدس. ومنها: بيان المدة التي بين بناء المسجدين، وهو أربعون عامًا، وهذا بالنسبة للوضع الأوَّلِيِّ، فلا ينافي ما ثبت من كون الخليل ﵊ بني الكعبَة، وسليمان، أو أبوه داود عليهما الصلاة والسلام بنى بيت المقدس؛ لأن هذا ثانوي، ثم إنه لم يصح تحديد ما بين بناءيهما من المدة. ومنها: كون الأرض كلها مسجدًا تصح الصلاة فيها، إلا ما استثني بالنصوص الأخرى، كما تقدم. ومنها: أن الأفضل لمن أدركته الصلاة أن يبادر إلى أدائها حيث دخل وقتها، ولا يؤخرها، وإن كان يرجو أنه يَصِلُ إلى أحد هذين المسجدين في آخر وقتها، ففضل أول الوقت مقدم على ذلك. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (١)

١. راجع «المرعاة» جـ ٢، ص ٤٦٩.