٧ - ذِكْرُ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَمَا لَا يَقْطَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلَّي سُتْرَةٌ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأشياء التي تقطع صلاة المصلي، والتي لا تقطعها إذا لم تكن بين يديه سترة.
٧٥٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ قَائِمًا يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ».
قُلْتُ: مَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنَ الأَصْفَرِ، مِنَ الأَحْمَرِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَأَلْتَنِي؟ فَقَالَ: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ، من [١٠]،
تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يزيد) بن زريع، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٢، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري ثقة ثبت فاضل ورع، توفي سنة ١٣٩، من [٥]، تقدم في ٨٨/ ١٠٩.
٤ - (حميد بن هلال) العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، من [٣]، تقدم في ٤/ ٤.
٥ - (عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر ﵁، ثقة، توفي بعد ٧٠ سنة، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة.
روى عن عمه أبي ذر، وعمر، وعثمان، والحكم ورافع ابني عمرو، وحذيفة، وابن عمر، وعائشة. وعنه حميد بن هلال، وأبو العالية البَرَّاء، وأبو عمران الجوني، وسَوَادَة بن عاصم، ومحمد بن واسع، والمشعث بن طريف، وأبو عبد الله الحربي، وأبو نعامة السعدي، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: يكنى أبا النضر، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وذكره البخاري في الأوسط في فصل
من مات ما بين السبعين إلى الثمانين. ونقل الذهبي أن بعضهم قال: ليس بحجة. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون.
٦ - (أبو ذر) جندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأنه مسلسل بالبصريين إلى الصحابي، وأن شيخه أحد مشايخ الستة، وأن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، يونس، عن حميد، عن عبد الله بن الصامت. ورواية حميد، عن عبد الله بن الصامت من رواية الأقران. وفيه رواية الراوي عن عمه، عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي ذر) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذا كان أحدكم قائمًا) ولفظ مسلم:»إذا قام أحدكم يصلي«. والمراد بالقيام هنا الشروع في الصلاة، لا خصوص القيام خلاف الجلوس، فيشمل جميع حالات الصلاة. والله أعلم.
(يصلي) جملة فعلية في محل نصب خبر لـ«كان»بعد الخبر، أو حال (فإِنه) الضمير لأحد، ويحتمل أن يكون ضمير شأن، أي إن
الأمر والشأن (يستره) عما يقطع صلاته (إِذا كان بين يديه مثلُ آخرة الرحل) الظرف خبر«كان»مقدمًا، و«مثل»اسمها مؤخرًا.
و«آخرة الرحل» -بالمد-: الخشبة التي يستند إليها الراكب، من كور البعير. وهي خلاف قادمته. وتقدم أن لها ثماني لغات، وهذه أفصحها، في شرح حديث عائشة ﵂ (٤/ ٧٤٦)، والرَّحْل:-بفتح، فسكون: مَرْكب للبعير، أو الناقة، جمعه: أرْحُلٌ، ورِحَال (فإِن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرَّحّلِ فإِنه) الضمير كسابقه (يقطع صلاته) أي يبطلها، أو يقلل ثوابها، على خلاف بين العلماء في ذلك، سنحققه في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
(المرأة) بالرفع فاعل مؤخر لـ«يقطع»، ومفعوله «صلاته» مقدمًا، أي مرور المرأة.
(والحمار، والكلب الأسود) يعني أن مرور هذه الأشياء قدام المصلي يقطع صلاته، إن لم يكن له سترة، مثل مؤخرة الرحل.
قال عبد الله بن الصامت: (قلت) لأبي ذر ﵁: (ما بال الأسود؟) «ما» استفهامية مبتدأ، و«بال» خبره. و«البال»: الحال، والشأن. أي ما شأن الكلب الأسود يقطع الصلاة؟.
(من الأصفر) متعلق بحال مقدر من «الأسود»، على حذف مضاف، أي حالَ كونه كائنًا من دون الكلب الأصفر. وقوله: (من الأحمر) بدل إضراب من الجار والمجرور قبله. ويحتمل أن يكون
معطوفًا عليه بعاطف مقدر، أي ومن الأحمر.
فقد ذكر العلامة ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى في «مغني اللبيب» جـ ٢ ص ١٧٠: أنه حَكَى أبو زيد: أكلت خبزًا، لحمًا، تمرًا، فقيل: على حذف الواو، وقيل: بدل الإضراب. وحكى أبو الحسن: «أعطه درهمًا، درهمين، ثلاثة». وخُرِّجَ على إضمار «أو» ويحتمل البدل المذكور. اهـ.
(قال) أبو ذر ﵁ (سألت رسول الله -ﷺ-، كما سألتني؟) أي من مخالفة حكم الكلب الأسود لحكم غيره من الكلاب، حيث قطع الصلاة بمروره بين يدي المصلي، ولم يقطع غيره (فقال) -ﷺ-: (الكلب الأسود شيطان) حمله بعضهم على ظاهره، وقال: إن الشيطان يتصور بصور الكلاب السود. وقيل: سمي شيطانًا لأنه أشد ضررًا من غيره. وبهذا علمت الحكمة في كون الكلب يقطع الصلاة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٥٠) و«الكبرى» (٦/ ٨٢٦) عن عمرو بن علي
الفَلاَّس، عن يزيد بن زُريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن شيبان بن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة -وعن أبي بكر ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن يونس ابن عبيد- وعن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة -وعن إسحاق بن إبراهيم، عن وهب بن جرير، عن أبيه- وعن إسحاق، عن المعتمر بن سليمان، عن سَلْم بن أبى الذَّيَّال -وعن يوسف بن حماد المَعْنِيّ، عن زياد بن عبد الله البكَّائي، عن عاصم الأحول- ستتهم عن حميد بن هلال به.
وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. وعن عبد السلام ابن مُطَهَّر، ومحمد بن كثير العبدي، كلاهما عن سليمان بن المغيرة به.
والترمذي فيه عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، كلاهما عن حميد بن هلال بمعناه. وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر به. وفي «الصيد» عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن سليمان بن المغيرة -ببعضه: «سألت عن
الكلب». والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الأشياء التي تقطع الصلاة عند عدم السترة، وهي المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وسيأتي تحقيق أقوال العلماء في معنى القطع في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
ومنها: تأكيد الأمر باتخاذ السترة محافظة على الصلاة.
ومنها: الحث على ابتعاد المصلي عما يخل بالخشوع في حال صلاته.
ومنها: التنفير عن الكلب الأسود؛ لكونه شيطانًا. والله أعلم.
المسألة الخامسة: وردت أحاديث بمعنى حديث أبي ذر ﵁:
فمنها: ما أخرجه مسلم، وأحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار». زاد مسلم في روايته: «ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل».
ومنها: ما أخرجه أحمد، بإسناد صحيح، وابن ماجه عن عبد الله ابن مغفل ﵁ عن النبي -ﷺ-، قال: «يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار».
ومنها: ما أخرجه البزار عن أنس ﵁ بإسناد رجاله ثقات
-كما قال العراقي- ولفظه: «يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة».
ومنها: ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا «يقطع الصلاة الكلب، والمرأة الحائض». وفي رواية ابن ماجه: «والكلب الأسود». ورواه الأكثرون موقوفًا على ابن عباس. وذكر أبو داود أن شعبة رفعه، وأوقفه سعيد -يعني ابن أبي عروبة- وهشام الدستوائي، وهمام بن يحيى على ابن عباس ﵄.
ومنها: ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: أحسبه عن رسول الله -ﷺ-، قال: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته الكلب، والحمار، والخنزير، واليهودي، والمجوسي، والمرأة، ويجزىء عنه إذا مروا بين يديه على قَذْفَة بحجر».
وصرح أبو داود بأن زيادة الخنزير، والمجوسي، والقَذْفَة بالحجر وَهَمٌ من شيخه محمد بن إسماعيل بن أبي سَمِينَةَ، لتفرده بذلك.
لكن في نسبة الوهم إليه نظر؛ لأنه ثقة، ومع ذلك لم يتفرد به، فقد تابعه المُقَدَّمي عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار»، ولفظه: «يقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب، والحمار، واليهودي، والنصراني، والخنزير، يكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك صلاتك».
وتابعه أيضًا علي بن بحر القطان عند البيهقي، ولفظه: «يقطع
الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة الحائض، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير». قال: «ويكفيك إذا كانوا منك على قدر رمية بحجر لم يقطعوا صلاتك». والله أعلم.
ومنها: ما أخرجه أحمد في «مسنده»، بإسناد رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينما نحن مع رسول الله -ﷺ- ببعض أعلى الوادي، يريد أن يصلي قد قام، وقمنا، إذ خرج علينا حمار من شِعْب أبي دُبٍّ؛ شعبِ أبي موسى، فأمسك النبي -ﷺ-، فلم يكبر، وأجرى إليه يعقوبَ بنَ زَمْعَةَ حتى رده«.
ومنها: ما أخرجه أحمد عن عائشة ﵂ بإسناد رجاله ثقات -كما قال العراقي- قالت: قال رسول الله -ﷺ-:«لا يقطع صلاة المسلم شيء، إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، لقد قرنا بدواب السوء». والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في مذاهب العلماء في حكم مرور هذه الأشياء بين يدي المصلي، إذا لم تكن له سترة:
ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين إلى بطلان الصلاة بمرور المرأة، والحمار والكلب الأسود. وممن قال بهذا: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس في رواية عنه. وحكي أيضًا عن أبي ذر، وابن عمر، ﵃. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب. وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار.
وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة: الحسنُ البصري، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل، فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري. وحكى الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود، ويتوقف في الحمار، والمرأة. قال ابن دقيق العيد: وهو أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع: المرأة، والحمار.
وذهب أهل الظاهر أيضًا إلى قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة، إذا كان الكلب، والحمار بين يديه، سواء كان الكلب، والحمار مارًّا، أم غير مارّ، وصغيرًا، أم كبيرًا، حيًّا، أم ميتًا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارة، أم غير مارة، صغيرة، أم كبيرة، إلا أن تكون مضطجعة معترضة.
وذهب إلى أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض: ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. واستدلا بالحديث السابق عند أبي داود، وابن ماجه بلفظ: «يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض».
قال العلامة الشوكاني ﵀: ولا عذر لمن يحمل المطلق على المقيد من ذلك؛ وهم الجمهور. وأما من يعمل بالمطلق، وهم الحنفية، وأهل الظاهر، فلا يلزمهم ذلك.
وقال ابن العربي: إنه لا حجة لمن قيد بالحائض؛ لأن الحديث ضعيف. وقال: وليست حيضة المرأة في يدها، ولا بطنها، ولا
رجلها. قال العراقي: إن أراد بضعفه ضعف رواته، فليس كذلك، فإن جميعهم ثقات. وإن أراد به كون الأكثرين وقفوه على ابن عباس، فقد رفعه شعبة، ورفع الثقة مقدم على وقف من وقفه، وإن كانوا أكثر على القول الصحيح في الأصول، وعلوم الحديث. انتهى.
وروي عن عائشة ﵂ أنها ذهبت إلى أنه يقطعها الكلب، والحمار، والسنور، دون المرأة. ولعل دليلها على ذلك ما روته من اعتراضها بين يدي النبي -ﷺ-. وفيه أن الاعتراض غير المرور، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
قال الشوكاني ﵀: وقد تقدم عنها أنها روت عن النبي -ﷺ-: «أن المرأة تقطع الصلاة» فهي محجوجة بما روت. ويمكن الاستدلال بما أخرجه أحمد، وابن ماجه عن أم سلمة ﵂: «أن النبي -ﷺ- كان يصلي في حجرتها، فمر بين يديه عبد الله، أو عمر، فقال بيده هكذا، فرجع، فمرت ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول الله -ﷺ-، قال:»هن أغلب«.
لكن الحديث لا يصح؛ لأن في سنده قيسًا المدني، وهو مجهول.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنه يقطعها الكلب الأسود فقط. وحكاه ابن المنذر عن عائشة.
ودليل هذا القول أن حديث ابن عباس ﵄ الآتي أخرج الحمار، وحديث أم سلمة ﵂ المذكور، وحديث عائشة
﵂ الآتي أخرجا المرأة، والتقييد بالأسود أخرج ما عداه من الكلاب.
وذهب مالك، والشافعي، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء. قال النووي رحمه الله تعالى: وتأول هؤلاء حديث أبي ذر ﵁ على أن المراد بالقطع نقص الصلاة، لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها. ومنهم من يدعي النسخ بالحديث الآخر: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم». قال: وهذا غير مرضي؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وتأويلها، وعلمنا التاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا تعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرناه، مع أن حديث: «لا يقطع صلاة المرء شيء». ضعيف. والله أعلم. اهـ. شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٢٧.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وروي القول بالنسخ عن الطحاوي، وابن عبد البر، واستدل على تأخير تاريخ حديث ابن عباس ﵄ بأنه في حجة الوداع، وهي في سنة عشر، وفي آخر حياة النبي -ﷺ-، وعلى تأخير حديث عائشة، وحديث أم سلمة، بأن ما حكاه زوجاته عنه يعلم تأخره لكون صلاته بالليل عندهن، ولم يزل على ذلك حتى مات، خصوصًا مع عائشة، مع تكرار قيامه في كل ليلة، فلو حدث شيء مما يخالف ذلك لعلمن به.
قال الشوكاني ﵀: وعلى تسليم صحة هذا الاستدلال على التأخر لا يتم به المطلوب من النسخ. أما أوَّلًا، فقد عرفت أن حديث عائشة، وميمونة خارجان عن محل النزاع. وحديث أم سلمة أخص من المتنازع فيه؛ لأن الذي فيه مرور الصغيرة بين يديه -ﷺ-. وحديث ابن عباس ليس فيه إلا مرور الأتان، فهو أخص من الدعوى.
وأما ثانيًا فالخاص بهذه الأمور لا يصلح لنسخ ما اشتمل عليه زيادة عليها، لما تقرر من وجوب بناء الخاص على العام مطلقًا.
وأما ثالثًا فقد أمكن الجمع بما تقدم.
وأما رابعًا فيمكن الجمع أيضًا بأن يحمل حديث عائشة، وميمونة، وأم سلمة، على صلاة النفل، وهي يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض، على أنه لم ينقل أنه اجتزأ بتلك الصلاة. أو يحمل على أن ذلك وقع في غير حالة الحيض، والحكم بقطع المرأة للصلاة إنما هو إذا كانت حائضًا، كما تقدم. وأيضًا قد عرفت أن وقوع ثوبه -ﷺ- على ميمونة لا يستلزم أنها بين يديه، فضلًا عن أن يستلزم المرور، وكذلك اعتراض عائشة لا يستلزم المرور.
ويحمل حديث ابن عباس ﵄ على أن صلاته -ﷺ- كانت إلى سترة، ومع وجود السترة لا يضر مرور شيء من الأشياء المتقدمة، كما يدل على ذلك قوله في حديث أبي هريرة ﵁: «ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل».
وقوله في حديث أبي ذر ﵁: «ويستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل». ولا يلزم من نفي الجدار نفي سترة أخرى من حربة، أو غيرها، كما ذكره العراقي. ويدل على هذا أن البخاري بوب على هذا الحديث «بابٌ سترةُ الإمام سترة لمن خلفه»، فاقتضى ذلك أنه -ﷺ- كان يصلي إلى سترة، لا يقال: قد ثبت في بعض طرقه عند البزار بإسناد صحيح، بلفظ: «ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه»؛ لأنا نقول: لم ينف السترة مطلقًا، إنما السترة التي تحول بينهم وبينه، كالجدار المرتفع الذي يمنع الرؤية بينهما، وقد صرح بمثل ذلك العراقي.
ولو سلم أن هذا يدل على نفي السترة مطلقًا لأمكن الجمع بوجه آخر، ذكره ابن دقيق العيد، وهو أن قول ابن عباس: «ولم ينكر ذلك عَلَيَّ أحد»، ولم يقل: ولم ينكر النبي -ﷺ- ذلك، يدل على أن المرور كان بين يدي بعض الصف، ولا يلزم من ذلك اطلاع النبي -ﷺ-؛ لجواز أن يكون الصف ممتدًا، ولا يطلع عليه.
لا يقال: إن قوله «أحد» يشمل النبي -ﷺ-؛ لأنه لا معنى للاستدلال بعدم الإنكار من غير النبي -ﷺ- مع حضرته، ولو سلم اطلاعه -ﷺ- على ذلك، كما ورد في بعض روايات الصحيح بلفظ: «فلم ينكر ذلك عليّ»، بالبناء للمجهول، لم يكن ذلك دليلًا على الجواز؛ لأن ترك الإنكار إنما جعل أن الإمام سترة للمؤتمين، ولا قطع مع السترة، لما عرفت، ولو سلم صحة الاستدلال بهذا الحديث على الجواز، وخلوصه
من شوائب هذه الاحتمالات لكان غايته أن الحمار لا يقطع الصلاة، ويبقى ما عداه.
وأما الاستدلال بحديث: «لا يقطع الصلاة شيء»، فلا يتم، لعدم انتهاضه للاحتجاج به، ولو سلم انتهاضه، فهو عام مخصص بهذه الأحاديث. أما عند من يقول: إنه يبنى العام على الخاص مطلقًا فظاهر، وأما عند من يقول: إن العام المتأخر ناسخ، فلا تأخر لعدم العلم بالتاريخ، ومع عدم العلم يبنى العام على الخاص، عند الجمهور. وقد ادعى أبو الحسين الإجماع على ذلك. وأما على القول بالتعارض بين العام والخاص مع جهل التاريخ، كما هو مذهب جمهور الزيدية، والحنفية، والقاضي عبد الجبار، والباقلاني، فلا شك أن الأحاديث الخاصة فيما نحن بصدده أرجح من هذا الحديث العام.
إذا تقرر لك ما أسلفنا عرفت أن الكلب الأسود، والمرأة الحائض يقطعان الصلاة، ولم يعارض الأدلة القاضية بذلك معارض، إلا ذلك العموم على المذهب الثاني، وقد عرفت أنه مرجوح. وكذلك يقطع الصلاة الخنزير، والمجوسي، واليهودي، إن صح الحديث الوارد بذلك، وقد تقدم ما يؤيده، ويبقى النزاع في الحمار، وقد أسلفنا لك ما فيه الكفاية. وأما المرأة غير الحائض، والكلب الذي ليس بأسود، فقد عرفت الكلام فيهما. أفاده في «نيل الأوطار» جـ ٣ ص ٢٦٣ - ٢٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه العلامة الشوكاني
رحمه الله تعالى هو الذي لا يتجه عندي غيره.
والحاصل أن بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار، هو الراجح لصحة دليله، وما ذكروه من المعارض ليس مقنعًا حتى نترك به النص الصريح. وأما الخنزير، والمجوسي، واليهودي فلو صح الحديث قلنا به، وقد تقدم ما يدل على صحته، فينبغي القول به. والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم بعد كتابتي ما تقدم رأيت الحافظ أبا بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى حقق هذا الموضوع في «صحيحه» جـ ٢ ص ٢٢ - ٢٨، وقريب منه ما ذكره تلميذه ابن حبان رحمه الله تعالى في «صحيحه» جـ ٦ ص ١٤١ - ١٥٤، مما يؤيد ما سبق تقريره. فدونك خلاصة ما قاله ابن خزيمة رحمه الله تعالى:
(باب) ذكر البيان أن النبي -ﷺ- إنما أراد بالمرأة التي قرنها إلى الكلب الأسود والحمار، وأعلم أنها تقطع الصلاة الحائضُ دون الطاهر، وهذا من ألفاظ المفسر، كما فسر خبر أبي هريرة، وعبد الله ابن مغفل في ذكر الكلب في خبر أبي ذر، فأجمل ذكر الكلب في خبر أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، فقال: «يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة» وبَيَّنَ في خبر أبي ذر أن الكلب الذي يقطع الصلاة هو الأسود دون غيره، وكذلك بين في خبر ابن عباس أن المرأة الحائض هي التي تقطع الصلاة، دون غيرها. ثم قال:
(باب) ذكر خبر روي في مرور الحمار بين يدي النبي -ﷺ-، قد يحسب بعض أهل العلم أنه خلاف خبر النبي -ﷺ-: «يقطع الصلاة الحمار، والكلب، والمرأة».
ثم أخرج بسنده حديث ابن عباس ﵄ المذكور هنا، ثم قال:
قال أبو بكر: وليس في هذا الخبر أن النبي -ﷺ- رأى الأتان تمرّ، وترتع بين يدي الصفوف، ولا أن النبي -ﷺ- أعلم بذلك، فلم يأمر من مرت الأتان بين يديه بإعادة الصلاة، والخبر ثابت صحيح عن النبي -ﷺ- أن الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار يقطع الصلاة، وما لم يثبت خبر عن النبي -ﷺ- بضد ذلك لم يجز القول والفتيا بخلاف ما ثبت عن النبي -ﷺ-.
وقد روى شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجَزّار، عن صهيب، عن ابن عباس ﵄: «جئت أنا، وغلام من بني هاشم على حمار، أو حمارين، فمررت بين يدي رسول الله -ﷺ-، وهو يصلي، فلم ينصرف، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتي رسول الله -ﷺ-، ففَرَعَ -أو فرق- بينهما، ولم ينصرف».
قال أبو بكر: وليس في هذا الخبر أن الحمار مرّ بين يدي رسول الله -ﷺ-، وإنما قال: فمررت بين يدي رسول الله -ﷺ-، وهذه اللفظة تدلّ أن ابن عباس ﵄ مر بين يدي رسول الله -ﷺ-، وهو يصلي.
إلا أن عبيد الله بن موسى رواه عن شعبة، قال: فمررنا بين يديه، ثم نزلنا، فدخلنا معه في الصلاة.
قال: والحكم لعبيد الله بن موسى على محمد بن جعفر محال، لاسيما في حديث شعبة، ولو خالف محمد بن جعفر عدد مثل عبيد الله في حديث شعبة لكان الحكم لمحمد بن جعفر عليهم.
وقد روى هذا الخبر منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي الصهباء -وهو صهيب- قال: كنا عند ابن عباس، فذكرنا ما يقطع الصلاة، فقالوا: الحمار، والمرأة. فقال ابن عباس: لقد جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب مرتدفين على حمار، ورسول الله -ﷺ- يصلي بالناس في أرض خلاء، فتركنا الحمار بين أيديهم، ثم جئنا حتى دخلنا بين أيديهم، فما بالَى ذلك، ولقد كان رسول الله -ﷺ- يصلي، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما رسول الله -ﷺ-، فنزع إحداهما من الأخرى، فما بالى ذلك.
قال أبو بكر: وهذا الخبر ظاهره كخبر عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن الحمار إنما مر بين يدي أصحاب النبي -ﷺ-، لا بين يدي النبي -ﷺ-، وليس فيه أن النبي -ﷺ- علم بذلك، فإن كان في الخبر أن النبي -ﷺ- علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن تكون سترة النبي -ﷺ- كانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي -ﷺ- قد كان يستتر بالحربة إذا صلى بالمصلى، ولو كانت سترته لا تكون سترة لمن خلفه
لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة، كاستتار النبي -ﷺ- بها، فحمل العنزة للنبي -ﷺ- يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه، كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه.
وقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم أن مجاهدًا أخبره عن ابن عباس، قال: جئت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله -ﷺ- بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه.
قال أبو بكر: وغير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد، على الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله. وهذه اللفظة قد رويت عن ابن عباس خلاف هذا المعنى، ثم أخرج بسنده عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: «ركزت العنزة بين يدي رسول الله -ﷺ- بعرفات، فصلى إليها، والحمار من وراء العنزة».
قال أبو بكر: فهذا الخبر مضاد خبر عبد الكريم (يعني ابن مالك الجزري) عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي -ﷺ- العنزة بين يديه بعرفة، فصلى إليها. وفي خبر عبد الكريم، عن مجاهد، قال: «وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه».
وخبر عبد الكريم، وخبر الحَكَمِ بن أَباَنَ قريب من جهة النقل؛ لأن
عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي -ﷺ- صحاح من جهة النقل، وخبر عبد الكريم، عن مجاهد يدفعه أخبار صحاح من جهة النقل عن النبي -ﷺ-.
وهذا الفعل الذي ذكره عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس قد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قد زجر عن مثل هذا الفعل في خبر سهل بن أبي حَثْمة أن النبي -ﷺ-، قال: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته».
وفي خبر عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: «أن النبي -ﷺ- ركز عنَزَة، فجعل يصلي إليها، يمر من ورائها الكلب، والمرأة، والحمار». وفي خبر الرَّبِيع بن سَبْرَة الجهني، عن النبي -ﷺ-: «استتروا في صلاتكم، ولو بسهم». وفي خبر أبي سعيد الخدري، عن النبي -ﷺ-: «إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترة، وليدن منها».
قال أبو بكر: فهذه الأخبار كلها صحاح، قد أمر النبي -ﷺ- المصلي أن يستتر في صلاته. وزعم عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- صلى إلى غير سترة، وهو في فضاء؛ لأن عرفات لم يكن بها بناء على عهد رسول الله -ﷺ- يستتر به النبي -ﷺ-، وقد زجر -ﷺ- أن يصلى المصلي إلا إلى سترة.
وفي خبر صدقة بن يسار، سمعت ابن عمر ﵄ يقول
قال رسول الله -ﷺ-: «لا تصلوا إلا إلى سترة». وقد زجر -ﷺ- أن يصلي المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما يزجر عنه -ﷺ-.
وفي خبر موسى بن طلحة، عن أبيه، كالدال على أن الحمار إذا مر بين يدي المصلي، ولا سترة بين يديه، ضره مرور الحمار بين يديه.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عمر ابن عبيد الطنافسي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: كنا نصلي، والدواب تمر بين أيدينا، فسألنا النبي -ﷺ-؟ فقال: «مثل آخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، فلا يضره ما مر بين يديه».
حدثنا أبو موسى، حدثنا عبد الرحمن، ثنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-، قال: «ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ثم لا يضره ما مر بين يديه».
قال أبو بكر: ففي قوله -ﷺ-: «مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه» دلالة واضحة، إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ضره مرور الدواب بين يديه.
والدواب التي تضر مرورها بين يديه هي الدواب التي أعلم النبي -ﷺ- أنها تقطع الصلاة، وهو الحمار، والكلب الأسود على ما