HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٢٣

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص271
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٢ ص ٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٠ ص٣١٦
٣٥ - مَا عَلَى الإِمَامِ مِنَ التَّخْفِيفِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الذي يجب على الإمام من تخفيف الصلاة، لئلا يشق على المأمومين، فقوله: «من التخفيف» بيان لـ«ما». وظاهر تعبير المصنف بـ«على» التي تقتضي الوجوب، يدل على أن المصنف يرى وجوب التخفيف، وهو المذهب الراجح، وإن قال الجمهور بالاستحباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل إن شاء الله تعالى. ٨٢٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الثبت الحجة المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٣٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني، ثقة ثبت عالم، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أن أبا الزناد لقب لعبد الله، لقب به لذكائه، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله عه (عن النبي -ﷺ-) أنه قال: (إِذا صلى أحدكم بالناس) أي إمامًا لهم. وللبخاري: «للناس» باللام، وهي بمعنى الماء. ثم إن عدم ذكر المفعول يدل على تناول الأمر الفرائض والنوافل التي يشرع لها الجماعة، كالعيد، والتراويح، ونحوهما؛ لأن حذف المفعول يدل على العموم، بدليل صحة الاستثناء، فإنه معيار العموم، نعم يستتنى من ذلك صلاة الكسوف، لمشروعية تطويل القراءة فيها، فلا يسن النقص عن المشروع في ذلك، وكأنه لندورها، والاهتمام بشأنها للأمر العارض. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى (فليخفف)، أي القراءة والأذكار، بحيث لا يخل بأركان الصلاة، وسننها، وآدابها؛ لأن رسول الله -ﷺ- قد نهى عن نقرة الغراب، ولقوله للمسيء صلاته: «لم تصل» (فإِن فيهم) الفاء تعليلية، أي لأن في الناس المؤتمين به (السقيم) أي المريض (والضعيف) جِبِلَّةً، أو لقرب مرض. قاله السندي. قال الحافظ ولي الدين ﵀. إن قلت: ما فائدة عطف الضعيف على السقيم، وهو بمعناه؟ قلت: ليس بمعناه، فقد ذكر الجوهري، وغيره أن الضعف خلاف القوة، وأن السقم المرض، فدلّ على أن الضعف أعم من السقم، قد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة، لا من سقم عرض له. انتهى . (والكبير) أي في السن، وفي رواية البخاري: «فإن فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير». قال الحافظ: المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض. وزاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: «والصغير، والكبير». وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: «والحامل، والمرضع». وله من حديث عدي بن حاتم: «والعابر السبيل». وقوله في حديث أبي مسعود: «وذا الحاجة». هي أشمل الأوصاف المذكورة. انتهى «فتح» . (فإِذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء) ولمسلم: «فليصل كيف شاء». أي مخففًا، أو مطولًا. وفي مسند السرّاج: «إذا صلى وحده، فليطول إن شاء». وهل هذا الأمر للاستحباب، أو للإباحة، والترخيص؟ يترجح الأول، لكونه أمرًا في عبادة، ويترجح الثاني لتعلقه بمشيئة المصلي، ولو كان للاستحباب لم يعلقه بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون للوجوب، كالسابق . قال الجامع: هكذا ذكر الاحتمالين ولي الدين ﵀ بدون ترجيح لأحدهما. والظاهر الاحتمال الثاني. والله أعلم. ثم إن الإطالة المذكورة مشروطة بأن لا تؤدي إلى خروج الوقت، وإلا فلا. وجوز بعضهم الإطالة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض الشافعية، قال في «الفتح»: وفيه نظر؛ لأنه يعارضه عموم قوله -ﷺ- في حديث أبي قتادة ﵁: «إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى». أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى. واستدلّ بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى «فتح» . وسيأتي تمام البحث في هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٣٥/ ٨٢٣، وفي «الكبرى» ٣٥/ ٨٧٩ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ومسلم فيه عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحِزَامي. وأبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. والترمذي فيه عن قتيبة، عن المغيرة كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج، عنه. و«الموطأ» رقم ١٠٣، أحمد جـ ٢ ص ٤٨٦. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب على الإمام من تخفيف الصلاة. ومنها: بيان سماحة الشريعة، وسهولة الدين، حيث أمر النبي -ﷺ- بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، فأوجب على الأئمة أن يخففوا إذا صلوا جماعة، بحيث لا تحصل مشقة على المريض، والكبير، والصغير، وذوي الحاجات. ومنها: أن الإنسان إذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء، ما لم يخش خروج الوقت، وإلا فلا يجوز له التطويل، وإن قال به بعضهم مستدلاًّ بظاهر هذا الحديث، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. ومنها: أنه يستفاد منه تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، خلافًا لمن خص التطويل بغيرهما. وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في هذا الحديث أمر الأئمة بتخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه»: وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف، والكبير، والمريض. انتهى. قال في «طرح التثريب»: وهو يقتضي خلافًا في ذلك بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافًا. وقال ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه. وقال أيضًّا: لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أم قومًا على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يجزىء، وساق الكلام على ذلك، وكأن الترمذي توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في «مصنفه» في التبويب: «التخفيف في الصلاة»، «من كان يخففها»، وليس ذلك صريحًا في وجود خلاف، ولم يبوب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثم قائل به لبوب عليه، وذكره. وقد روى ابن أبي شيبة في الباب المذكور عن ثابت البناني، قال: صليت مع أنس العتمة، فتجوز ما شاء الله. وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: كان أبي إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟ فقال: إنا أئمة يقتدى بنا. وعن أبي رجاء، وهو العطاري، قال: رأيت الزبير بن العوام، صلى صلاة خفيفة، فقلت: أنتم أصحاب رسول الله -ﷺ- أخف الناس صلاة، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلًا، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود. وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة صلى صلاة تجوز فيها، فقلت له: هكذا كانت صلاة النبي -ﷺ-؟ قال: نعم، وأجوز. وعن عمرو بن ميمون: لا طُعِنَ عمرُ، وماج الناس، تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. وعن إبراهيم النخعي أنه كان يخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود. وعن أبي مجلز، قال: كانوا يتمون، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة. وعن عمرو بن ميمون، قال. ما رأيت الصلاة في موضع أخف منها فيما بين هاتين الحائطين -يعني مسجد الكوفة الأعظم-. وعن النعمان بن قيس، قال: كُنَّ النساء إذا مررن على عَبِيدَة، وهو يصلي، قلن: خففوا، فإنها صلاة عبيدة، يعني من خفتها، رواها كلها ابن أبي شيبة. وحكى ابن حزم في «المحلى» عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلًا أخذ شاة عَزُوزًا لم يفرغ من لبنها حتى أصلي الصلوات الخمس، أتِمُّ ركوعها، وسجودها. والعزوز -بالعين المهملة، والزاي المعجمة المكررة-: الضيقة الإحليلين. وعن علقمة: لو أُمِرَ بذبح شاة، فأُخذ في سلخها، لصليت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفرغ منها. ويحتمل أن ابن أبي شيبة إنما بوب على تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من كان يؤثر تخفيفها، ولو مع هذه الحالة، فنقله الترمذي إلى أئمة العامة، وأولئك لا خلاف فيهم، كما تقدم . والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: هذا الأمر بالتخفيف صرح أصحابنا - (الشافعية) - وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب، تمسكًا بظاهر الأمر. قال ابن حزم الظاهري: يجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة، لا يدري كيف طاقتهم. وقال ابن عبد البر المالكي: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة، يلزمهم التخفيف، لأمر رسول الله -ﷺ- إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل. وكذا قال ابن بطال دي شرح البخاري: فيه دليل على أن أئمة الجماعة، يلزمهم التخفيف، لأمر رسول الله -ﷺ- بذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الراجع عندي قولُ من قال بالوجوب، عملًا بظاهر الأمر، إذ ليس له صار عن الوجوب، والله تعالى أعلم. المسألة السابعة: المراد بتخفيف الصلاة -كما قال أهل العلم- أن يكون بحيث لا يخلّ بسننها، ومقاصدها. وفي «الصحيحين» عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات، وبوّب النسائي، على حديث ابن عمر ﵄: [الرخصة في التطويل] . ويحتمل أن هذا ليس تطويلًا، وإنما هو بيان للتخفيف المأمور به. وقال ابن حزم ﵀ لما ذكر قوله -ﷺ- في حديث عثمان بن أبي العاص: «واقتد بأضعفهم». هذا حد التخفيف، وهو أن ينظر ما يحتمل أضعف مَنْ خلفه، وأمسهم حاجة في الوقوف، والركوع، والسجود، فليصل على حسب ذلك. انتهى . قال الحافظ ولي الدين ﵀: وهو عندي حسن. وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ في «شرح العمدة»: حديث الباب يدل على التخفيف في صلاة الإمام والحكم فيها مذكور مع علته، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول، وفيه بعد ذلك بحثان: (أحدهما): أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم، فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف، وحيث لا يشق، أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل، وعن هذا قال الفقهاء: إذا علم عن المأمومين أنهم يؤثرون التطويل، كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل، فإن ذلك -وإن شق عليهم- فقد آثروه، ودخلوا عليه. (الثاني) أن التطويل، والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلًا بالنسبة إلى عادة قوم، وقد يكون خفيفًا بالنسبة إلى عادة آخرين. وقد قال بعض الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع، والسجود، والمروي عن رسول الله -ﷺ- من ذلك مع أمره بالتخفيف، فكأن ذلك؛ لأن عادة الصحابة -لأجل شدة رغبتهم في الخير- تقتضي أن لا يكون ذلك طويلًا، هذا إذا كان فعل النبي -ﷺ- عامًا في صلواته، أو أكثرها، وإن كان خاصًا ببعضها، فيحتمل أن يكون؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل، وهو متردد بين أن لا يكون تطويلًا بسبب ما يقتضيه حال الصحابة، وبين أن يكون تطويلًا، لكن بسبب إيثار المأمومين، وظاهر الحديث المروي لا يقتضي الخصوص ببعض صلاته -ﷺ-. انتهى. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -كما نقله عنه الصنعاني في عدّته : إذا أمرهم بالتخفيف، وأمرهم أن يصلوا كصلاته في قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» عُلم بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أمَرَ به، يوضح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى تخفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى تطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة يُرجع إليه، وليس من الأفعال المعروفة التي يرجع فيها إلى العرف، كالحرز، والقبض، وإحياء الموات، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها وصفاتها وهيآتها، كما يُرجع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس، وعوائدهم في مسمى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة، ومقاديرها اختلافًا بينًا لا ينضبط. ولهذا لَمَّا فهِمَ بعضُ من نكس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خففت، وأخرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمر فيها مَرّ السهم، ولا يزيد على «الله أكبر» في الركوع والسجود بسرعة، فيكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث. ويحكى عن بعض هؤلاء أنه رأى غلامًا له يطمئن في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كله تلاعب بالصلاة، وتعطيل لها، وخداع من الشيطان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى هو الراجح عندي، وإن اعترض عليه الصنعاني، وطول الكلام في الرد عليه في كتابه «العدة حاشية العمدة» . وحاصله أن ما ثبت عنه -ﷺ- من كيفية الصلاة، هو الذي أمر به، وقد كان يخفف أحيانًا، ويطول أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين. فقد ثبت أنه -ﷺ- خفف صلاته تارة، فقرأ في صلاة العشاء بـ«التين والزيتون» وجاء في هذا أنه كان في سفر. وقد روي عنه أنه قرأ بها في المغرب، ولم يذكر السفر، وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقرأ بقصار المفصل، ولا يعارضه حديث زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصل، لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في الصحيح أنه قرأ فيها بـ«والليل إذا يغشى»، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلى الصبح بـ «الزلزلة» في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا بـ«المعوذتين»، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار. وثبت عنه أنه طول تارة، فقرأ في المغرب بـ«المرسلات»، وبـ«الطور»، وبطولى الطوليين، وظاهره أثه أتمها. وقول القاضي عياض: إن المراد ببعضها -خلاف الظاهر، وكان يطول بالصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستين إلى مائة، وصلاها بـ«المؤمنون» حتى إذا وصل ذكر موسى وهارون، فأخذته سَعْلَة، فركع، وقرأ فيها بـ«ق»، وقرأ فيها بـ«الطور». وعن أبي سعيد أنهم قدّروا قراءته -ﷺ- في صلاة الظهر في الأوليين من الظهر بقدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾: «السجدة»، وفي الأخريين بقدر النصف من ذلك، وجاء أنه كان يقرأ في الظهر والعصر بـ«السماء ذات البروج»، و«السماء والطارق». وصلى تارة الظهر بـ«سورة لقمان»، و«الذاريات»، وقرأ فيها بـ«سبح اسم ربك الأعلى»، و«الغاشية». والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وكذا ثبت عنه أنه كان سجوده وركوعه على حسب قراءته، فإذا خفف خفف، وإذا طول طول. فعلى الإمام أن يقتدي به في ذلك؛ لأنه صح عنه قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان -ﷺ- يراعي ذلك، فقد قال: «إني لأقوم في الصلاة، فأسمع بكاء الصبي، فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه». فإن خفي على الإمام حالهم فليخفف احتياطًا. والله تعالى أعلم. المسألة الثامنة: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم، والضعيف، والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحد من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورضوا بالتطويل طوّل، لانتفاء العلة، قال ولي الدين ﵀: وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم. وقال ابن عبد البر ﵀: قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: «فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء»؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث للظاهر القوة، ومن يُعرَفُ منه الحرصُ على طول الصلاة حادثٌ من شغل، وعارضٌ من حاجة وآفةٌ، من حدث بول أو غيره. انتهى. وتبعه على ذلك ابن بطال، فذكر مثل هذا الكلام. قال الحافظ ولي الدين: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون، ورضوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة ﵁ يرد على ما ذكراه، فإنه -ﷺ- قال: «إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز، كراهية أن أشق على أمه». فإرادته -ﷺ- أولًا التطويل يدلّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه. والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا الذي قاله الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم. المسألة التاسعة: قال الإمام ابن حزم ﵀: حد التطويل: ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدل على ذلك بأن رسول الله -ﷺ- صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس. وقال ﵊: «وقت الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء الَاخرة إلى نصف الليل». قال: فصح يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلي باقيها في وقت الأخرى، أو في وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلًا. وقد صح عن النبي -ﷺ- أن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، فصح أن له إذا دخل في الصلاة في وقتها أن يطول ما شاء، إلا تطويلًا منع النص منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه . قال ولي الدين ﵀: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حد التطويل المباح: إنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوزنا له أن يخرج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدة، وقد قال ﵊: «الوقت ما بين هذين». وأما استدلاله على ذلك بأنه ﵊ صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، فقد تقرر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: «صلى الظهر» أي ابتدأها. وقوله: «صلى العصر» أي فرغ منها، وفعل يصلح للابتداء والشروع ، فحملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت. وعلى تقدير أن لا نؤله، ويجعل بين الصلاتين اشتراك في الوقت كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصة، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم. وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يعضده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول بالقياس، فكيف عند من ينكره؟ والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله ﵊: «إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى» وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول الأخرى، لا فراغه، ولا تضيقه، وما ذكره ابن حزم مبني على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهذا مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولِهَا، ووسطها، وآخرها. وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يحرم تأخير الصلاة إلى حدّ يخرج بعضها عن الوقت، وهو موافق لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شرع في الصلاة، وقد بقي عن الوقت ما يسع جميعها، فمد هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في «تعليقه»، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يكره ذلك؟ فيه وجهان: أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النووي في «شرح المهذب»: إنه خلاف الأولى.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «طرح التثريب في شرح التقريب» جـ ٢ ص ٣٥٠.

٢. «طرح» جـ ٢ ص ٣٥١.

٣. جـ ٢ ص ٤٣٣.

٤. جـ ٢ ص ٣٥١.

٥. جـ ٢ ص ٤٣٣.

٦. راجع «طرح التثريب في شرح التقريب» جـ ٢ ص ٣٤٦ - ٣٤٨.

٧. المصدر السابق جـ ١ ص ٣٤٨.

٨. وهو الباب الآتي بعد هذا الباب ٣٦/ ٨٢٦.

٩. «المحلى» جـ ٤ ص ٩٩.

١٠. جـ ٢ ص ٢٥٩ - ٢٦٠.

١١. جـ ٢ ص ٢٦١ - ٢٦٤.

١٢. «المحلّى» باختصار جـ ٤ ص ٩٩ - ١٠١.

١٣. هكذا نسخة «الطرح»، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة: وفعلُ الصلاة يصلح للابتداء والفراغ، فحمل في كل موضع على اللائق به. فليحرر.