HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩١٣

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَدَعَاهُ قَالَ: فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: فَذَهَبَ لِيَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْلَكَ، قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّذِي أُوتِيتُ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص302
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٢ ص ١٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١١ ص٥٥٧
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه مما يكون من القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، كما قال الله تعالى في قصة يوسف ﵇ لما سجد له أبواه، وإخوته، قال: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا. اهـ كلام ابن تيمية ﵀ باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: المعنى المناسب هنا هو التفسير، وقد تقدم الكلام بأطول من هذا في أوائل هذا الشرح، فراجعه تزدد علمًا. وبالله تعالى التوفيق. ٩١٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَدَعَاهُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟» قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ»، قَالَ: فَذَهَبَ لِيَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَكَ. قَالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّذِي أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرَيّ البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيْمِيُّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (خُبيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري، أبو الحارث المدني، ثقة، مات سنة ١٣٢، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ٦٤٠. ٥ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٠/ ٨٦٧. ٦ - (أبو سعيد بن الْمُعَلَّى) الأنصاري المدني، له صحبة، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلَّى، ويقال: الحارث بن أوس بن المعلى، ويقال: الحارث بن نُفَيع بن المعلى بن لَوْذان بن حارثة بن عدي ابن زيد بن ثعلبة بن عدي بن مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة ابن مالك بن عَضْب بن جُشَم بن الخَزْرجَ. روى عن النبي - ﷺ -. وعنه حفص بن عاصم، وعبيد بن حنين. قال أبو حسان الزيادي: توفي سنة ٧٣، وهو ابن ٦٤، وقال غيره: توفي سنة ٩٤، بتقديم التاء على السين. وقال ابن حبان: اسمه رافع بن المعلى. وقال ابن عبد البر: من قال فيه: رافع بن المعلى، فقد وهم؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر، وأصح ما قيل فيه: الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة ٧٤، وهو ابن ٨٤ سنة. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه فممن انفرد هو به، والصحابي، فما أخرج له مسلم، والترمذي. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، خبيب، عن حفص. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، وكلها من صيغ الاتصال، على الراجح في العنعنة من غير المدلس. ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، ليس له عندهم إلا هذا الحديث، وآخر عند المصنف، تقدم في -٣٩/ ٧٣٢ - مختصرًا، وقد ساقه مطولًا في تفسير سورة البقرة من «الكبرى» جـ ٦ ص ٢٩١ عن محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن عُبيد بن حُنين، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنا نَغْدُو للسوق على عهد رسول الله - ﷺ -، فنمر على المسجد، فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله - ﷺ - قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] حتى فرغ من الآية، قلت لصاحبي: تعالَ نركعْ ركعتين قبل أن ينزل رسول الله - ﷺ -، فنكون أول من صلى، فتوارينا، فصلينا، ثم نزل رسول الله - ﷺ -، فصلى للناس الظهر يومئذ. قال الجامع عفا الله عنه: الحديث ضعيف، لضعف مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، وقد تقدم الكلام عليه في ٣٩/ ٧٣٢. والله تعالى أعلم. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين، وذكر هذين الحديثين . والله تعالى أعلم. تنبيهان: يتعلقان بإسناد هذا الحديث، ذكرهما الحافظ ﵀ في الفتح: أحدهما: نسب الغزالي، والفخر الرازي، وتبعهما البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وَهَمٌ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى. ثانيهما: روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ، عن خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن المعلى، عن أبي بن كعب، والذي في الصحيح أصح، والواقدي شديد الضعف إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وشيخه مجهول. قال: وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث، فإن مالكًا أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذكر أبَيّ بن كعب، فقال: «عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر: أن النبي - ﷺ - نادى أبيّ بن كعب …»، ومن الرواة عن مالك من قال: عن أبي سعيد، عن أبي بن كعب: أن النبي - ﷺ - ناداه … وكذلك أخرجه الحاكم. ووَهِمَ ابنُ الأثير جيث ظن أن أبا سعيد، شيخ العلاء، هو أبو سعيد ابن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك تابعي مكي من موالي قريش. وقد اختلف فيه على العلاء، أخرجه الترمذي من طريق الدراوردي، والنسائي من طريق روح بن القاسم، وأحمد من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة، كلهم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: «خرج النبي - ﷺ - على أبي بن كعب …» فذكر الحديث. وأخرجه الترمذي، وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر، والحاكم من طريق شعبة، كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال: عن أبي هريرة ﵁ . ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة. وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - نادى أبيّ بن كعب، وهو بما يقوّي ما رجحه الترمذي. ورجح البيهقي بأن القصة وقعت لأبيّ بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى ذلك ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أنه قرأ على رسول الله - ﷺ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت»، فدل على أنه ليس لأبي هريرة في رواية شعبة ذكر، فتنبه. والله أعلم. لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما، كما سيتبين قريبًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف يسير . والله تعالى ولي التوفيق، وهو الستعان، وعليه التكلان. شرح الحديث (عن أبي سعيد بن المعلَّى) ﵁، تقدم الخلاف في اسمه قريبًا، والأصح أنه الحارث بن نُفَيعْ، كما تقدم قريبًا (أن النبي - ﷺ - مر به)، وللبخاري: قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله - ﷺ - …» (وهو يصلي) جملة حالجة من الضمير في «به» (فدعاه، قال) أبو سعيد (فصليت، ثم أتيته) وفي رواية البخاري: «فدعاني رسول الله - ﷺ -، فلم أجبه»، زاد في رواية: «فلم آته حتى صليت، ثم أتيته» (فقال) - ﷺ - (ما منعك أن تجيبني؟) «ما» استفهامية، أي أيُّ شيء منعك من إجابتي حين دعوتك؟. (قال) أبو سعيد (كنت أصلي) يعني أن الذي منعني عن إجابتك هي الصلاة. فبين له النبي - ﷺ - كون الصلاة لا تمنع من الإجابة، فـ (قال: ألم يقل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وفي حديث أبي هريرة: «أوليس تجد فيما أوحى الله إلي أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية؟، فقلت: بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله». تنبيه: نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا، وهو قوله: «ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾» قبل قول أبي سعيد: «كنت أصلي»، قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب، قال: وتأول القاضيان: عبد الوهاب، وأبو الوليد أن إجابة النبي - ﷺ - في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي - ﷺ -. قال الحافظ: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم بعد قولهم بوجوب الإجابة، هل تبطل الصلاة، أولا؟. انتهى فتح . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة: الإجابة. قال أبو عبيدة: معنى «استجيبوا»: أجيبوا، ولكن عُرْف الكلام أن يتعدى «استجاب» بلام، ويتعدى «أجاب» دون لام، قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ وقد يتعدى «استجاب» بغير لام، كقوله [من الطويل]: وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلى النِّدَا … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تقول: أجابه، وأجاب عن سؤاله، والمصدر الإجابة، والاسم الْجَابَة، كالطاقة، والطاعة، تقول: أساء سَمْعًا، فأساء جَابَةً. وقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الضمير للرسول - ﷺ -، وذكر الله للتنبيه على أن دعاءه دعاء الله تعالى، واستجابته استجابته له تعالى. قال السندي: لا يلزم من وجوب استجابته في الصلاة بقاء الصلاة، وإنما لازمه رفع إثم الفساد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى فساد الصلاة بإجابته - ﷺ - لا دليل عليه، فالراجح أنها لا تبطل، لعدم بيانه - ﷺ - ذلك مع كون المقام يقتضي ذلك. فتبصر. والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ وأصل «يحييكم» يُحْيِيُكُمْ، حذفت الضمة من الياء لثقلها، ولا يجوز الإدغام. والمعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى «إلى»، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم، ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم، فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد، والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة؛ وما تضمنه القرآن من أوامر، ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية. وقيل: المراد بقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر لأن العدو إذا لم يُغْزَ غزا؛ وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية؛ قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. قال القرطبي ﵀: والصحيح على العموم كما قال الجمهور. انتهى . (ألا) هي أداة حثّ وتحضيض (أعلمك أعظم سورة) وفي رواية شعبة في فضائل القرآن من «الكبرى» جـ ٥ ص ١١: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن»، وفي حديث أبي هريرة جـ ٦ ص ٣٥١: «أتحب أن أعلمك سورة، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها». قال في «الفتح»: قال ابن التين: معناه أن ثوابها أعظم من غيرها. واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد منع ذلك الأشعري، وجماعة؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل، وأسماء الله، وصفاته، وكلامه لا نقص فيها. وأجابوا عن ذلك بأن معنى التفاضل أن ثواب بعضه أعظم من ثواب بعض، فالتفضيل إنما هو من حيث المعاني، لا من حيث الصفة، ويؤيد التفضيل قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْها﴾ أي في المنفعة، والرفق، والرفعة. وفي هذا تعقب على من قال: فيه تقديم وتأخير، والتقدير «نأت منها بخير». وهو كما قيل في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] لكن قوله في آية الباب: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ يرجح الاحتمال الأول، فهو المعتمد. والله أعلم. انتهى . (قبل أن أخرج من المسجد) أي النبوي (قال: فذهب ليخرج) وللبخاري: «ثم أخذ بيدي». زاد في حديث أبي هريرة: «يحدثني، وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث» (قلت: يا رسول الله قولك) بالنصب مفعول لفعل محذوف، أي اذكر قولَك، أو أنتَظرُ قولَك، ويحتمل الرفع خبرًا لمحذوف، أي قولك مطلوبي، ويحتمَل العكس، أي المطلوب قولُك. وفي رواية البخاري من طريق شعبة: «فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن». وفي رواية أبي هريرة: «قلت: يا رسول الله ما السورة التي قد وعدتني؟ قال: كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم القرآن». (قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني الذي أوتيته) «الحمد لله» إلخ، مبتدأ محكي لقصد لفظه، و«هي» ضمير فصل، و«السبع» خبر المبتدأ، و«المثاني»، صفته، و«الذي» صفة بعد الصفة. و«المثاني»: جمع مَثْنًى بمعنى مُرَدَّد، ومُكَرَّر، ويجوز أن يكون «مثنى» مَفْعَل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، أي كرة بعد كرة، ونحو قولهم: لبيك، وسعديك. أي أنه جُمِعَ لمعنى التكرير والإعادة، كما ثني لذلك، لكن استعمال الْمُثَنَّى في هذا المعنى أكثر، لأنه أول مراتب التكرار. قاله الألوسي في تفسيره . وسميت بـ «المثاني» من التثنية، بمعنى التكرار، لأنها تثنى في كل ركعة، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى. ويأتي بيان اختلاف العلماء في المرادب «المثاني» في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. (والقرآن العظيم) وعند البخاري في تفسيره سورة الأنفال من رواية معاذ بن معاذ: «هي الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته». وفي حديث أبي هريرة: فقال: «إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته». قال الخطابي ﵀: يعني بـ«العظيم» عظَمَ المثوبة على قراءتها، وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء، والدعاء، والسؤال. والواو فيه ليست للعطف الموجب للفصل بين الشيئين، وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وقال الكرماني ﵀: المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفين، فمعنى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] أي ما يقال له: السبع المثاني، والقرآن العظيم، وما يوصف بهما. انتهى . وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هي الفاتحة. وهو الراجح من الأقوال في معنى هذه الآية، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ﵁ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٦/ ٩١٣ - وفي «الكبرى» -٢٦/ ٩٨٥ - وفي «التفسير» منه جـ ٦ ص ٢٨٣ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث الْهُجَيمي، عن شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عنه. وفي «فضائل القرآن» -من «الكبرى» - جـ ٥ ص ١١ عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر، كلاهما عن شعبة، به. وفي «التفسير» منه جـ ٦ ص ٣٧٥ - عن محمد ابن بشار، عن يحيى القطان، عن شعبة، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال عن مسدد، وفي فضائل القرآن عن علي بن عبد الله، كلاهما عن يحيى القطان - وفي تفسير سورة الحجر عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة - وعن بندار، عن غندر- وتعليقًا، قال معاذ -يعني ابن معاذ- أربعتهم عن شعبة، به. وأبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، به. وابن ماجه، في ثواب التسابيح من كتاب الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر به، بقصة فضل الفاتحة. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، وأن المراد له الفاتحة، وهذا هو الراجح، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: ما قاله بعضهم: فيه دليل على أن «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست آية من القرآن، كذا قال، وعكس غيره؛ لأنه أراد السورة، ويؤيده أنه لو أراد بـ«الحمد لله رب العالمين» الآية لم يقل هي السبع المثاني، لأن الواحدة لا يقال لها: سبع، فدل على أنه أراد بها السورة، و«الحمد لله رب العالمين» من أسمائها، وفيه قوة لتأويل الشافعي ﵀ في حديث أنس، قال: كانوا يفتتحون الصلاة بـ «الحمد لله رب العالمين». قال الشافعي ﵀: أراد السورة، وتعقب بأن هذه السورة تسمى سورة «الحمد لله»، ولا تسمى «الحمد لله رب العالمين»، وهذا التعقيب مردود بهذا الحديث، فإنه نص صريح في كونها تسمى بـ «الحمد لله رب العالمين» أيضًا. ومنها: أن الأمر يقتضي الفور، لأنه - ﷺ - عاتب هذا الصحابي على تأخير إجابته. ومنها: أن فيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها، قال الخطابي: فيه أن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع مقتضاه، وأن الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلًا على الخاص؛ لأن الشارع حرّم الكلام في الصلاة على العموم، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي - ﷺ - في الصلاة. ومنها: أن إجابة علي دعاء النبي - ﷺ - لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية، وغيرهم. قال في الفتح: وفيه بحث، لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا، أو غير مصل، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة، أو لا يخرج، فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى هذا جنح بعض الشافعية. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: ما أسمج هذا القول! فهل من المعقول أن يُعَنِّفَ النبيُّ - ﷺ - الصحابيَّ الذي اعتذر إليه كونه في الصلاة، إذ هي لا يصلح فيها شيء من الكلام، ثم لا يقول له: أجب دعوتي، ثم أعد صلاتك، لبطلانها، ولا يشير أدنى إشارة، مع كون هذا الصحابي شديد الحرص على أن لا تبطل صلاته؟، إن هذا لشيء عجيب!. فالقول الصحيح الذي لا غبار عليه هو القول الأول، فلا تبطل الصلاة بإجابته - ﷺ -. والله تعالى أعلم بالصواب. قال: وهل يختص هذا الحكم بالنداء، أو يشمل ما هو أعم، حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث. وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالعموم هو الراجح، كما أشار إليه ابن حبان رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في المراد بـ «السبع المثاني»: قال العلامة أبو عبد الله القرطبي ﵀: اختلف العلماء في «السبع المثاني»: فقيل: الفاتحة. قاله علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن، وغيرهم، وروي عن النبي - ﷺ - من وجوه ثابتة، من حديث أبي بن كعب، وأبي سعيد بن المعلى، وأخرج الترمذي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني». قال: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نص. وقال الشاعر [من الرجز]: نَشَدتُكُمْ بِمُنْزِلِ الْقُرْآنِ … أُم الْكِتَابِ السَّبعِ مِنْ مَثَانِي وقال ابن عباس ﵁: هي السبع الطُّوَل: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معًا، إذ ليس بينهما التسمية. وسيأتي للمصنف -٢٦/ ٩١٦ - عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: السبع الطُّوَل، وسميت مثاني، لأن العِبَرَ، والأحكام، والحدود ثنيت فيها. وأنكر قوم هذا، وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من الطول شيء إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، ثم أنزله منها منجمًا، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمدًا - ﷺ -، وإن لم ينزل عليه بعدُ. وممن قال: إنها السبع الطول: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد. وقال جرير [من الوافر]: جَزَى الله الْفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي … مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ وَالْمَثَانِي وقيل: المثاني القرآن كله، قال الله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾. وهذا قاله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثاني؛ لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه. وقالت صفية بنت عبد المطلب، ترثي رسول الله - ﷺ -[من الطويل]: فَقَدْ كَانَ نُورًا سَاطِعًا يُهْتَدَى بِهِ … يُخَصُّ بِتَنْزِلِ الْمَثَانِي اْلْمُعَظَّمِ أي القرآن. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن، من الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعديد نِعَم، وأنباء قرون. قاله زياد بن أبي مريم. قال القرطبي ﵀: والصحيح الأول؛ لأنه نص، وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا إذا ورد عن النبي - ﷺ -، وثبت عنه نص في شيء، لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده. انتهى بتصرف يسير . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه العلامة القرطبي رحمه الله تعالى، هو الراجح عندي.
مصادر المؤلف (١٣)

١. الرسالة الحموية ص ٣٧.

٢. قد سبقت ترجمة أبي سعيد المعلي برقم ٣٩/ ٧٣٢، وأعدته هنا سهوًا، لكن لما قابلت بين الترجمتين وجدت في الثانية زيادات وفوائد، فأبقيتهما على حالهما محافظة على الفائدة. سبحان من لا يضل، ولا ينسى.

٣. «تك» جـ ٣٣ ص ٣٤٨ - ٣٥٠. «ت» جـ ١٢ ص ١٠٧ - ١٠٨.

٤. «الاستيعاب» جـ ٤ ص ١٦٧٠.

٥. هكذا في «الفتح»، ولعل فيه تحريفًا، والأصل: «لكن ما قال: عن أبي هريرة» كما يدل عليه ما في مستدرك الحاكم جـ ١ ص ٥٥٨، ونصه:

٦. فتح جـ ٩ ص ٦، كتاب التفسير.

٧. المصدر المذكور جـ ٩ ص ٦ - ٧

٨. الجامع لأحكام القرآن جـ ٧ ص ٣٨٩ - ٣٩٠.

٩. فتح جـ ٩ ص ٧.

١٠. روح المعاني جـ ١٤ ص ٧٨ - ٧٩.

١١. راجع عمدة القاري جـ ١٤ ص ٤١٨. وللعيني اعتراض على كلام الخطابي تركته؛ لعدم جدواه، إذ حاصله يرجع إلى نفس ما قاله الخطابي، فلو أمعن النظر لما اعترض عليه. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق.

١٢. فتح جـ ٩ ص ٧ - ٨.

١٣. الجامع لأحكام القرآن جـ ١٠ ص ٥٤ - ٥٥.