HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٣٣

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ وَأَحْيَانًا، يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صُورَةِ الْفَتَى، فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص309
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ١٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص٨٩
٣٧ - جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقرْآن أي هذا باب جامعٌ لما جاء عن رسول الله - ﷺ - فيما يتعلق بالقرآن، من كيفية نزوله، ومن تسهيل الله تعالى على الأمة حيث أنزله على سبعة أحرف، حتى لا تقع في حرج شديد، لو أنزله على حرف واحد، ومن نهيه - ﷺ - عن الاختلاف فيه، وعن التساهل عن مراجعته حتى ينساه الشخص، وفي حثه على تعاهده لئلا يتفلت عنه. وغير ذلك. ٩٣٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟، قَالَ: «فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صُورَةِ الْفَتَى، فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت فقيه، من [١٠] مات سنة ٢٣٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت فقيه حجة [٨]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوَّام الأسدي، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] مات سنة ١٤٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣]، مات سنة ٩٤، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها. أنه من خماسيات المصنف ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ومنها: أن شيخه مروزي، ثم نيسابوري، وسفيان كوفي، ثم مكي، والباقون مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، ورواية الراوي عن خالته. ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة، وهم المجموعون في قول بعضهم [من الطويل]: ألَا إِنَّ مَن لَا يَقْتَدِي بأئِمَّةٍ … فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنِ الْحَق خَارِجَهْ فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ ومنها: أنه فيه عائشةَ ﵂ من المكثرين السبعة، روت -٢٢١٠ - أحاديث. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبارَ، والإنباءَ، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح في «عن» من غير المدلس. قال القاضي عياض ﵀: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول: وقال لنا فلان، وذكر فلان، وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا المذهب ابن الحاجب، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين، منهم الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان، وقيل: إنه قول معظم الحجازيين، والكوفيين. وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلا مقيدًا، مثل حدثنا فلان قراءةً عليه، وأخبرنا قراءةً عليه، وهو مذهب ابن المبارك، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن يحيى التميمي، والمشهور عن النسائي، وصححه الآمدي، والغزالي، وهو مذهب المتكلمين. وقال آخرون بالمنع في حدثنا، والجواز في أخبرنا، وهو مذهب الشافعي، وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، ونقل عن أكثر المحدثين، منهم ابن جريج، والأوزاعي، والنسائي، وابن وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والأحسن أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة. واختلف في المعنعن فقال بعضهم: هو مرسل، والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه. قال النووي: ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن، وهو الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا -يعني مع براءتهم من التدليس-، ونقل -أي مسلم- عن بعض أهل عصره أنه قال: لا يحمل على الاتصال حتى يثبتا أنهما التقيا في عموهما مرة فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما، وقال: هذا قول ساقط، واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي. قال النووي: والذي رده هو الختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن، البخاري وغيره، وقد زاد جماعة عليه، فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكًا بينًا، وأبو المظفر السمعاني طولَ الصحبة بينهما. انتهى . (قال الجامع عفا الله عنه): عندي أن مذهب مسلم أقوى، لقوة أدلِته، كما بينها في مقدمة صحيحه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قالت: سأل الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أخو أبي جهل شقيقه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدرًا كافرًا، فانهزم، وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وأعطاه النبي - ﷺ - يوم حنين مائة من الإبل، قتل باليرموك سنة -١٥ -، وكان شريفًا في قومه، وله اثنان وثلاثون ولدًا، منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أحد الفقهاء السبعة على قول، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا، وإلا الحارث بن هشام الجُهَنِيّ، روى عنه المصريون. ذكره ابن عبد البر . قال الحافظ ﵀: قوله: (سأل) هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة. فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك، وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف، فأخرجوه في مسند عائشة. ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعدُ، فيكون من مرسل الصحابة، وهو محكوم بوصله عند الجمهور، وقد جاء ما يؤيد الثاني، ففي «مسند أحمد»، و«معجم البغوي»، وغيرهما، من طريق عامر بن صالح الزبيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام، قال: سألت … وعامر فيه ضعف، لكن وجدت له متابعًا عند ابن منده، والمشهور الأول. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . (رسول الله - ﷺ -) بالنصب مفعولًا به لـ«سأل»، (كيف يأتيك الوحي) مقول لقول مقدر، أي قائلًا: «كيف يأتيك الوحي». وفي رواية البخاري. «فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي». ثم إنه يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله. قاله في الفتح. وقال السندي ﵀: ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه، لا عن كيفية الملك الحامل له، ويدل عليه أول الجواب، لكن آخر الجواب يميل إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل، فيقال: يلزم من كون الملك في صورة الإنسان كون الوحي في صوت مفهومٍ متبينٍ أولَ الوَهْلَة، فبالنظر إلى هذا اللازم صار بيانًا لكيفية الوحي، فلذلك قوبل بصلصلة الجرس، ويحتمل أن يكون السؤال عن كيفية الحامل، أي كيف يأتيك حامل الوحي. انتهى . و«كيف» اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل، في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين، وتستعمل شرطية، نحو: كيف تصنعْ أصنعْ، واستفهامية، نحو كيف زيدٌ، ولغير ذلك، وهي هنا للاستفهام. و«الوحي»: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام، وأوحيت، وَوَحَى وَحْيًا، وأوحَى أيضًا، أي كتب، قال العَجَّاجَ [من الرجز]: حَتَّى نَحَاهُمْ جَدُّنَا وَالنَّاحِي … لِقَدَرٍ كَانَ وَحَاه الْوَاحِي والوَحْيُ المكتوبُ، والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوه، فقالوا: وُحِيٌّ، مثل حَلْيٍ، وحُلِيٍّ. قال لَبِيد [من الكامل]: فَمَدَافعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا … خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الْوُحِيَّ سِلَامُهَا أراد ما يُكتَب في الحجارة، ويُنقَش عليها. وأوحىَ إليه: بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وفيه ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها، فمعنى هذا أمَرَها، ووَحَى في هذا المعنى؛ قال العَجّاج [من الرجز]: وَحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ … وَشَدَّهَا بِالرَّاسيَاتِ الثُّبَّتِ ووَحَى إليه، وأوحى: كلَّمه بكلام يخفيه من غيره، ووحَى إليه، وأوحَى: أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وقال أبو الهَيْثَم: وأما اللغة الفاشية في القرآن فبالألف، وأما في غير القرآن فوحيت إلى فلان مشهورة. انتهى ملخصًا من لسان العرب . هذا من حيث اللعْة، وأما شرعًا، فهو الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي، ويراد به اسم المفعول منه، أي الْمُوحَى، وهو كلام الله المنزل على النبي - ﷺ - . وله أقسام، وصور، فأما أقسامه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعلى ثلاثة أضرب: (أحدها): سماع كلام الله تعالى، كسماع موسى ﵊. (والثاني): وحي رسالة بواسطة الملك. (والثالث): وحي تَلَقٍّ بالقلب، كقوله - ﷺ -: «إن روح القدس نفث في رُوعي. . .»، أي في نفسي. وأما الوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو الإلهام، كالوحي إلى النحل. وأما صوره فسبعة، على ما ذكره السهيلي ﵀: (الأولى): المنام، كما جاء في حديث عائشة ﵂ المشهور. (الثانية): أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، كما في هذا الحديث، (الثالثة): أن ينفث في رُوعه الكلام، كما مر آنفًا. (الرابعة): أن يتمثل له الملك رجلًا، كما في هذا الحديث أيضًا. (الخامسة): أن يتراءى له جبريل في صورته التي خُلقَ عليها. (السادسة): أن يكلمه الله من وراء حجاب. (السابعة): وحي إسرافيل ﵇، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن الشعبي: أن رسول الله - ﷺ - نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرِنَ بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين؛ قرن لنبوته جبريل ﵇، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة: عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة، فمات، وهو ابن ثلاث وَستين سنة. وأنكر بعضهم كونه وكل به غير جبريل ﵇. اهـ ملخصًا من عمدة القاري . (قال) وفي الرواية التالية: «فقال رسول الله - ﷺ -»: (في مثل صلصلة الجرس) متعلق بمحذوف، أي يأتيني في مثل صلصلة الجرس. وفي الرواية التالية: «أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس». وفي رواية البخاري: «مثل صلصلة الجرس». أي يأتيني في صوت متدارك، لا يدرك في أول الوَهْلَة، كصوت الجرس، أي يجيء في صورة وهيئة لها مثل هذا الصوت، فنبه بالصوت الغير المعهود على أنه يجيء في هيئة غير معهودة، فلذا قابله لقوله في «صورة الفتى»، وعلى الوجهين فصلصلة الجرس مثال لصوت الوحي. قاله السندي رحمه الله تعالى . و«الصلصلة» -بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة- في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك، لا يدرك في أول وهلة. قاله في الفتح. وقال العلامة العيني ﵀: «الصلصلة» -بفتح الصادين المهملتين-: الصوت الذي لا يفهم أوّلَ وَهْلَة. ويقال: هي صوت كل شيء مصوّت، كصلصلة السلسلة. وفي «العباب»: صلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف. وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه، ولا يتبينه أولَ ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعدُ. وقال أبو علي الهجري في أماليه: «الصلصلة» للحديد، والنحاس، والصفر، ويابس الطين، وما أشبه ذلك صوته. وفي «المحكم»: صَلَّ يَصِلُّ صَلِيلًا، وصَلْصَلَ، وتصَلْصَل صَلْصَلَةً، وتَصَلْصُلًا: صوّت. وقال القاضي: الصلصلة: صوت الحديد فيما له طنين. وقيل: معنى الحديث هو قوةُ صوت حَفِيفِ أجنحة الملائكة، لتشغله عن غير ذلك، وتؤيده الرواية الأخرىَ: «كأنه سلسلة على صفوان»، أي حفيف الأجنحة . انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى . و«الجرس» -بفتح الجيم، والراء-: الجُلْجُل الذي ما يعلق في رؤوس الدواب، واشتقاقه من الجَرْسِ -بإسكان الراء- وهو الحِسّ. وقال الكرماني: الجَرَس: شبه ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله قطعة نُحاس معلق منكوسًا على البعير، فإذا تحركت النحاسة، فأصابت السطل، فتحصل صلصلة، والعامة تقول: جرص بالصاد، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم، إلا الصمج، وهو القِندِيل، وأما الجص فَمُعَرّب. وقال ابن دريد: اشتقاقه من الجَرْس، أي الصوت والحس. وقال ابن سيَده: الجَرْس أي ما بالفتح، والجِرْس أي بالكسر، والجَرَسُ أي بفَتحتين: الحركة والصوت من كل ذي صوت. وقيل: الْجَرْس بالفتح إذا أفرد، فإذا قالوا: ما سمعتُ له حِسّا ولا جِرْسًا كسروا، فأتبعوا اللفظ باللفظ. اهـ . قال في «الفتح»: [فإن قيل]: المحمود لا يُشَبَّهُ بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه الوحي، وهو محمود، والمشبه به صوت الجرس، وهو مذموم، لصحة النهي عنه، والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟ [والجواب]: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفةٍ مَّا، فالمقصود هنا ليان الجنس، فذكر ما ألِفَ السامعون سماعَهُ تقريبًا لأفهامهم. والحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة، وجهة طَنِين، فمن حيث وقع التشبيه به، ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه، وعلَل بكونه مزمار الشيطان. ويحتمل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور، وفيه نظر. قيل: والصلصة المذكورة صوت الملك بالوحي. قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك، يسمعه، ولا يتبينه أولَ ما يسمعه حتى يفهمه بعدُ. وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحيُ، فلا يبقى فيه مكان لغيره، ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا متداركة وقع التشبيه به، دون غيره من الآلات. انتهى ما في الفتح . (فيفصم عني) قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ﵀: أي ينفرج عني، ويذهب. كما يُفصَمُ الخلخالُ إذا فتحته لتخرجه عن الرجل، وكل عُقدة حللتها، فقد فصمتها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وانفصام العروة أن تُنفَكَّ عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب أن تفكّ الخَلْخال، ولا تُبينَ كسره، فإذا كسرته، فقد قصمته -بالقاف- قال ذو الرمة [من البسيط]: كأنَّهُ دُمْلُجٌ مِن فِضةٍ نَبَهٌ … فِي مَلْعَبٍ من جَوَارِي الْحَي مَفْصُومُ وقال الحافظ ﵀: قوله «فيفصِمُ عني» أي يُقلعُ، ويتجلى ما يَغشَاني، وأصل الفصم: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقيل الفصم بالفاء: القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فذُكِرَ بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة. أفاده في الفتح . وقال العلامة العيني رحمه الله تعالى: فيه ثلاث روايات: [الأولى]: وهي أفصحها لفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الصاد المهملة. قال الخطابي: معناه، يقلع، ويتجلى ما يغشاني منه، قال: وأصل الفصم: القطع، ومنه ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: إنه الصدع بلا إبانة، وبالقاف قطعٌ بإبانة، فمعنى الحديث أن الملك فارقه ليعود. [الثانية]. بضم أوله، وفتح ثالثه، على صيغه المجهول من المضارع الثلاثي. [الثالثة]: بضم أوله، وكسر ثالثه، من أفصم المطرُ: إذا أقلع، وهي لغة قليلة. وقال العلامة ابن منظور ﵀: الفَصْمُ: الكسر من غير بَيْنُونَة، فَصَمَه يَفْصمُهُ فَصمًا -من باب ضرب-: كسره من غير أن يَبِينَ، وتَفَصَّمَ مثله. قال: وأما القَصْمُ بالقاف، فأن ينكسر الشيءُ، فَيبيَنَ. وانفَصَمَ المطرُ: انقطع، وأقلع، وأفصمَ المطرُ، وأفْصىَ: إذا أقلع، وانكشف، وأفصمتْ عنه الحُمَّى. انتهى . (وقد وَعيتُ عنه ما قال) بفتح العين، أي حفظت، وفهمت. قال ابن منظور ﵀: الوَعْيُ حفظ القلب الشيءَ، يقال: وَعَى الشيءَ، والحديثَ يَعِيه وَعْيًا، من باب وَعَدَ، وأوعاه: حَفِظَه، وفَهِمَهُ، وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أوعى من فلان، أي أحفظ، وأفهم. وقَال الجوهري ﵀: أوعَيتُ الزادَ والمتاعَ: إذا جعلته في الوعاء، قال عَبِيدُ بنُ الأبْرَصِ [من البسيط]: الْخَيْرُ يَبْقَى وإِنْ طَالَ الزَّمَان بِهِ … وَالشَّرُّ أخبثُ مَا أوْعَيْتُ مِنْ زَادِ انتهى كلام ابن منظور بتصرف، واختصار . والجملة في محل نصب على الحال من فاعل «يفصم». و«ما» في قوله: «ما قال»: مصدرية حرفية، أو اسم موصول، والعائد مقدر، أي والحال أني قد حفظت عن ذلك الملك قوله، أو القول الذي قاله. وفيه إسناد الوحي إلى قول اللك، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمن قال من الكفار: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] لأنهم كانوا ينكرون الوحي، وينكرون مجيء الملك به. قاله في الفتح. (وهو أشده عليّ) أي إن هدْا النوع من الوحي، أشد أنواع الوحي علي. قال الحافظ ﵀: ويفهم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذه الصفة أشدها، وهو واضح، لأن الفهم من كلام مثلِ الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود. والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع، وهو البشرية، وهو النوع الثاني، والأول أشد بلا شك. قال: وقال شيخنا شيخ الإسلام البُلْقيني. سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به، كما سيأتي في حديت ابن عباس: «وكان يعالج من التنزيل شدة». قال: وقال بعضهم: وإنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه، فيكون أوعى لما سمع اهـ. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد، أو تهديد. وهذا فيه نظر. والظاهر أنه لا يختص بالقرآن، كما سيأتي بيانه في حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجمة المتضمخ بالطيب في الحج، فإن فيه أنه رآه - ﷺ - حال نزول الوحي عليه، وإنه ليغط. وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزُّلْفَى والدرجات. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . (وأحيانًا) جمع حين، يطلق على كثير الوقت وقليله، والراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قالَ: أوقاتًا يأتيني، وانتصابه على الظرفية، وعامله «يأتيني» موخرًا عنه. وفي رواية للبخاري في «بدء الخلق»: «كل ذلك يأتي الملك»، أي كل ذلك حالتان، فذكرهما. وروى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي - ﷺ - كان يقول: «كان الوحي يأتيني على نحوين. يأتيني به جبريل، فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل، فذاك ينفلت مني، ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتلفت مني». قال الحافظ ﵀. وهذا مرسل مع ثقة رجاله، فإن صح فهو محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] كما سيأتي، فإن الملك قد تمثل رجلًا في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دحية، وفي صورة أعرابي، وغير ذلك، وكلها في الصحاح. [وأوردَ على ما اقتضاه الحديث]-وهو أن الوحي منحصر في الحالتين- حالات أخرى: إما من صفة الوحي، كمجيئه كدَوِي النحل، والنَّفْثِ في الرُّوع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإما من حامل الوحي، كمجيئه في صورته التي خلق عليها، له ستمائة جناح، ورويته على كرسي بين السماء والأرض، وقد سد الأفق. (والجواب) منع الحصر في الحالتين المتقدم ذكرهما، وحملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنه بَيَّنَ بها صفة الوحي، لا صفة حامله. وأما فنون الوحي، فدويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدوي بالنسة إلى الحاضرين -كما في حديث عمر- يُسمَع عنده كدوي النحل، والصلصلة بالنسبة إلى النبي - ﷺ -، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو - ﷺ - بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه. وأما النَّفْث في الرُّوع، فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في رُوعه. وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه، لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذا التكليم ليلة الإسراء. وأما الرؤيا الصالحة، فقال ابن بطال: لا تَرِدُ، لأن السؤال وقع عما ينفرد له عن الناس، لأن الرؤيا قد يَشرَكُهُ فيها غيره اهـ. والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزءًا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيًا، وليس كذلك. ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة، أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له - ﷺ - في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين، لا غير. قاله الكرماني. قال الحافظ: وفيه نظر. وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا -فذكرها- وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر. وحديثُ: «إن روح القدس نفتْ في رُوعي». أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . (يأتيني في صورة الفتى) «الصُّورة». التِّمْثال، وجمعها صُوَر،
مصادر المؤلف (١٩)

١. عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ١ ص ٣٩.

٢. عمدة القاري جـ ١ ص ٤٩.

٣. فتح جـ ١ ص ٢٨.

٤. شرح السندي جـ ٢ ص ١٤٦.

٥. لسان العرب جـ ٦ ص ٤٧٨٧ - ٤٧٨٨.

٦. فتح الباري جـ ١ ص ١٥.

٧. عمدة القاري جـ ١ ص ٤٠.

٨. شرح السندي جـ ٢ ص ١٤٦.

٩. حفيف الأجنحة -بالحاء الهملة: صوتها.

١٠. المصدر المذكور جـ ١ ص ٤٠ - ٤١.

١١. انظر «عمدة القاري» جـ ١ ص ٤١. ولسان العرب جـ ١ ص ٥٩٧ - ٥٩٨.

١٢. جـ ١ ص ٣٠.

١٣. النَّبَهُ بفتحتين: كل شيء سقط عن الإنسان فنسيه « اهـ لسان العرب جـ ٥ ص ٣٤٢٤.

١٤. التمهيد ٢٢ ص ١١٤ - ١١٥، الاستذكار جـ ٨ ص ٦٧ - ٦٨.

١٥. جـ ١ ص ٣١.

١٦. لسان العرب جـ ٥ ص ٣٤٢٤.

١٧. لسان جـ ٦ ص ٤٨٧٦ - ٤٨٧٧.

١٨. فتح جـ ١ ص ٣٠ - ٣١.

١٩. فتح جـ ١ ص ٢٩ - ٣٠.