HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٣٦

أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ ابْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فَقَرَأَ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، قُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: كَذَبْتَ، مَا هَكَذَا أَقْرَأَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ تَكُنْ أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اقْرَأْ يَا هِشَامُ. فَقَرَأَ كَمَا كَانَ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص310
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ١٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص١٣٧
قَالَ لَهُ اقْرَأْ وَهْوَ فِي الْمِرَارِ … يُجِيبُ نُطْقًا مَا أنَا بِقَارِي فَغطَّهُ ثَلَاثَةً حَتَّى بَلَغْ … الْجُهْدَ فَاشْتَدَّ لِذَاكَ وَانْصَبَغْ أقْرَأهُ جِبْريلُ أوَّلَ الْعَلَقْ … قَرَأهُ كَمَالَهُ بِهَا نَطَقْ وَكَوْن ذَا الأوَّلُ فَهْوَ الأشْهَرُ … وَقِيلَ بَل يَا أيّهَا الْمُدَّثِّرُ وَقِيلَ بَلْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ … وَالأوَّلُ الأقْرَبُ لِلصَّوَابِ جَاءَ إِلَى خَدِيجَةَ الأمِينهْ … يَشْكُو لَهَا مَا قَدْ رَآهُ حِينَهُ فَثَبَّتَتْهُ إِنَّهَا مُوَفَّقَهْ … أوَّلَ مَا قَدْ آمَنَتْ مُصَدِّقَهْ ثُمَّ أتَتْ بِهِ تَؤُمُّ وَرَقَهْ … قَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأى فَصَدَّقَهْ فَهْوَ الَّذِي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيَا … وَكَانَ بَرًّا صادِقَا مُصَافِيَا وَالصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ … رَأى لَهُ تَضَحْضُحًا فِي الْجَنَّهْ انتهى كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى. والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ٩٣٦ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ، فَقَرَأَ فِيهَا حُرُوفًا، لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - أَقْرَأَنِيهَا، قُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قُلْتُ: كَذَبْتَ، مَا هَكَذَا أَقْرَأَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ فِيهَا حُرُوفًا، لَمْ تَكُنْ أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اقْرَأْ يَا هِشَامُ». فَقَرَأَ كَمَا كَانَ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ». فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ». رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (نصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي البصري، ثقة ثبت طلب للقضاء، فامتنع -١٠ - مات سنة ٢٥٠ - أو بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٣٨٦. ٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقة -٨ - مات سنة ١٨٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٣٨٦. ٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار -٧ - مات سنة ١٥٤ عن ٥٨ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر، الإمام الحجة الثبت الفقيه المدني، رأس -٤ - مات سنة ١٢٥ -، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه -٣ - مات سنة ٩٤ -، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٦ - (ابن مخرمه) هو المسور بن مَخْرَمَةَ بن نوفل بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهْرَة بن كلاب القرشي، أبو عبد الرحمن الزهري، له ولأبيه صحبة، وأمه الشِّفَاء بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، توفي رسول الله - ﷺ -، وهو ابن ثمان سنين. روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه، وخاله عبد الرحمن بن عوف، وأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن عوف، وعثمان، وعلي، ومعاوية، والمغيرة، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجماعة. وعنه ابنته أم بكر، ومروان بن الحكم، وعوف بن الطفيل رضيع عائشة، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، وعبد الله ابن حنين، وعبد الله بن أبي مليكة، وعلي بن الحسين، وعروة بن الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم. قال عمرو بن علي: ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، فقُدِمَ به المدينةَ في عقب ذي الحجة سنة ثمان، ومات في ربيع الآخر سنة -٦٤ - أصابه المنجنيق، وهو يصلي في الحجرة، فمكث خمسة أيام، ثم مات، وهو ابن ثلاث وستين، وفيها أرخه الواقدي، وقيل: قتل مع ابن الزبير سنة ٧٣، والأول أصح. قال الزبيري: كان ممن يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل والدين. ووقع في صحيح مسلم من حديثه في خِطْبَة عليّ لابنة أبي جهل، قال المسور: سمعت النبي - ﷺ -، وأنا محتلَم، يخطب الناس. فذكر الحديث. قال الحافظ: وهو مشكل المأخذ، لأن المؤرخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة، وقصة خِطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو ست سنين، أو سبع سنين، فكيف يسمى محتلمًا، فيحتمل أنه أراد الاحتلام اللغوي، وهو العقل، والله تعالى أعلم. ومن الشذوذ ما حكي في رجال «الموطأ» لابن الحذاء أنه قيل: إن المسور عاش -١١٥ - سنة. قال الحافظ ﵀: ولعل قائل ذلك انتقل ذهنه إلى مخرمة والد المسور، فإن مخرمة قيل: إنه عمر طويلًا أهـ. روى له الجماعة . ٧ - (عمر بن الخطاب ﵁) تقدم ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنهم ممن اتفق الستة على التخريج لهم. ومنها: أن شيخه، وشيخ شيخه بصريان، ومعمر بصري، ثم يمني والباقون مدنيون. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، وتابعي، عن تابعي. ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وتقدم غير مرة. ومنها: أن عمر ﵁ روى من الحديث -٥٣٩ - اتفق الشيخان على -١٠ - وانفرد البخاري بـ ٩ - ومسلم بـ ١٠ - وأن مخرمة روى -٢٢ - حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث. ومنها. أن فيه الإخبارَ، والإنباءَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، وكلها تدل على الاتصال غالبا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عروة) بن الزبير (عن) المسوِر (ابن مَخْرَمة) هكذا اقتصر عبدُ الأعلى، عن معمر، عن الزهري على ذكر المسور بن مخرمة، وفي الرواية الآتية -٩٣٧ - من طريق مالك، عن الزهري: الاقتصار على عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريِّ، وفي -٩٣٨ - من طريق يونس، عن الزهري، وهي رواية عقيل، وشعيب، وابن أخي الزهري، كلهم عن الزهري. «أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاريَّ أخبراه، أنهما سمعا عمر بن الخطاب، يقول: … (أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم بن حِزَام) بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي. وأمه زينب بنت العوّام، أخت الزبير بن العوّام، ويقال: أمه مليكة بنت مالك بن سعد، من بني الحارث بن فِهْر، ويقال. من بني فراس بن غنم، وكان هو وأبوه من مسلمة الفتح، ذكره ابن سعد في«الكبير»في الطبقة الرابعة فيمن أسلم يوم فتح مكة، قال: وكان رجلًا صَليبًا مَهِيبًا ، وذكره في«الصغير»في الطبقة الخامسة فيمن أسلم بعد فتح مكة. روى عن النبي - ﷺ -. وعنه جبير بن نفير، وعروة بن الزبير، وقتادة السلمي، والد عبد الرحمن بن قتادة. قال الزهري: كان يأمر بالمعروف في رجال معه. وقال ابن وهب، عن مالك: كان هشام كالسائح، ما يتخذ أهلًا، ولا ولدًا. وكان عمر بن الخطاب إذا سمع بشيء من الباطل يُراد أن يفعل، أو ذكر له، يقول: لا يُفعَل هذا ما لقيت أنا، وهشام بن حكيم. قال مالك: ودخل هشام بن حكيم على العامل بالشام في الشيء يريد الوالي أن يعمل به، قال: فيتوَعَّده، ويقول له: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بهذا، فيقوم إليه العامل، فيتشبث به. قال: وسمعت مالكًا يقول في هشام بن حكيم، والذين معه بالشام يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، قال: وكانوا يمشون في الأرض بالإصلاح، والنصيحة، يحتسبون. وقال ابن البَرْقِيّ: أمه بنت عامر بن ضبيعة، من بني محارب بن فهر، وكان بالشام، يأمر بالمعروف، وَلَدَ ثمانية: عمر، وعبد الملك، وأمة الملك، وسعيد، وخالد، والمغيرة، وفُلَيح، وزينب. له حديثان. وقال مصعب الزبيري: كان له فضل، ومات قبل أبيه. وقال أبو نعيم الأصبهاني: استشهد بأجنادين. قال الحافظ ﵀: وهو غلط من أبي نعيم، فإن الذي قتل بأجنادين هشام بن العاص، أخو عمرو، وأما هشام بن حكيم هذا فقد صح أنه كان بحمص، وعياض بن غنم والٍ عليها، وذلك بعد أجنادين بمدة طويلة، وأيضًا فسماع عروة منه في الصحيح، وعروة إنما ولد بعد أجنادين«انتهى . وقال في الفتح: وليس له في البخاري رواية، وأخرج له مسلم حديثًا واحدًا مرفوعًا من رواية عروة عنه، وهذا يدلّ على أنه تأخر إلى خلافة عثمان، وعلي، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر، أو عمر. انتهى . روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي ، حديثًا واحدًا، أخرجوه من طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، من ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير، أن هشام بن حكيم وجد رجلًا على حمص، يُشَمِّس ناسًا من النبط في أداء الجزية، قال هشام: يا هذا إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» . (يقرأ سورة الفرقان) قال الحافظ ﵀: كذا للجميع، وكذا في سائر طرق الحديث في المسانيد والجوامع، وذكر بعض الشراح أنه وقع عند الخطيب في «المبهمات» سورة الأحزاب بدل الفرقان، وهو غلط من النسخة التي وقف عليها، فإن الذي في كتاب الخطيب. «الفرقان»، كما في رواية غيره. (فقرأ فيها حروفًا) أي وجوهًا من القراءة. قال ابن منظور ﵀: وكل كلمة تقرأ على الوجوه من القرآن تسمى حرفًا، تقول: هذا في حرف ابن مسعود، أي في قراءة ابن مسعود. وقال ابن سيِدَهْ: والحرف القراءة التي تقرأ على أوجه. انتهى . (لم يكن نبي الله - ﷺ - أقرأنيها) أي تلك الحروف التي قرأها هشام، وفي رواية البخاري، وهي الرواية الآتية للمصنف -٩٣٨ - من رواية المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد، كلاهما عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ»سورة الفرقان«في حياة رسول الله - ﷺ -، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله - ﷺ -». تنبيه: قال الحافظ ﵀: لم أقف في شيء من طرق حديث عمر ﵁ على تعيين تلك الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان. انتهى . (قلت: من أقرأك هذه السورة؟، قال: رسول الله - ﷺ -) أي أقرأني رسول الله - ﷺ -، فرسول الله فاعل لفعل مقدر، دلّ عليه السؤال. كما قال ابن مالك ﵀ في «خلاصته»: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا … كَمِثلِ «زَيْدٌ» فِى جَوَابِ مَنْ قَرَا (قلت: كذبت) فيه إطلاق الكذب على غلبة الظن، أو المراد بقوله: كذبت: أخطأت، لأن أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ. قاله في «الفتح». (ما هكذا) وفي نسخة: «ما كذاك» (أقرأك رسول الله - ﷺ -) هكذا أطلق عمر الردّ على هشام ﵄ بنفي إقراء رسول الله - ﷺ -، استدلالًا على ذلك بكونه - ﷺ - أقرأه إياها على خلاف قراءته، كما صرح بذلك في الرواية -٩٣٨ - حيثما قال: «فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله - ﷺ - هو أقرأني هده السورة التي سمعتك تقرؤها. . .». وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام، وسابقته، بخلاف هشام، فإنه كان قريب العهد بالإسلام، فخشي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة. بخلاف نفسه، فإنه كان أتقن ما سمع. وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول الله - ﷺ - قديمًا، ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشامًا من مسلمة الفتح، فكان النبي - ﷺ - أقرأه على ما نزل أخيرًا، فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرةُ عمر للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث. «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، إلا في هذه الواقعة. أفاده في «الفتح» . (فأخذت بيده، أقوده إلى رسول الله - ﷺ -) جملة «أقوده» في محل نصب على الحال من فاعل «أخذ». وفي رواية البخاري، وهي الرواية الآتية للمصنف -٩٣٨ - «فَكِدتُ أسَاوره في الصلاة، فتصبرت حتى سَلَّمَ، فلبّبْته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله - ﷺ -، فقلت: كذبت، فإن رسول الله - ﷺ - قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله - ﷺ -. وكأنه لَمَّا لببه بردائه -كما تدل هذه الرواية- صار يجره به، فلهذا صار قائدًا له، ولولا ذلك لكان يسوقه، ولهذا قال له النبي - ﷺ - لما وصل إليه:«أرسله». (فقلت: يا رسول الله انك أقرأتني سورة الفرقان، وإِني سمعت هذا) يريد هشام بن حكيم (يقرأ فيها حروفًا) أي كلمات (لم تكن أقرأتنيها، فقال رسول الله - ﷺ -:«اقرأ) بوصل الهمزة، لأنه ثلاثي، من قرأ يقرأ، كفتح يفتح (يا هشام) وفي الرواية الآتية: »أرسِلْه يا عمر، اقرأ يا هشام«، وإنما أمره بالإرسال، لكونه أتى به مُلَبَّبًا لئلا يتفلت عليه، فأمره بإرساله، ليتمكن من القراءة (فقرأ) هشام (كما كان يقرأ) أي مثل القراءة التي قال: إن رسول الله - ﷺ - أقرأنيها (فقال رسول الله - ﷺ -: هكذا أنزلت) أي أنزلها الله علي مثل ما قرأها هشام (ثم قال) - ﷺ - (اقرأ يا عمر، فقرأت) أي قال عمر ﵁: فقرأت مثل ما أقرأني رسول الله عَيَط (فقال) - ﷺ - (هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله - ﷺ -: »إن القرآن أنزل على سبعة أحرف«) قيل. المراد بالأحرف السبعة تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام وعمر بلسان قريش ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما، كما نبه عليه ابن عبد البر، ونقله عن أكثر أهل العلم. وسيأتي بيان الاختلاف في معنى الأحرف السبعة في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. وهذا الكلام -أعني قوله: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف»- قاله النبي - ﷺ - تطييبًا لقلب عمر ﵁، لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين. وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، قال. «قرأ رجل، فَغيَّرَ عليه عمر، فاختصما عند النبي - ﷺ -، فقال الرجل. ألم تقرئني يا رسول الله؟ قال:»بلى«، قال: فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبي - ﷺ - في وجهه، قال: فضرب في صدره، وقال:»أبعد شيطانًا«، قالها ثلاثًا، ثم قال:»يا عمر، القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمة عذابًا، أو عذابًا رحمة«. ومن طريق ابن عمر:«سمع عمر رجلًا يقرأ»، فذكر نحوه، ولم يذكر:«فوقع في صدر عمر»، لكن قال في آخره:«أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ». ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام: منها: لأبَي بن كعب مع ابن مسعود ﵄ في سورة النحل، وسيأتي للمصنف في -٩٤٠ - . ومنها: ما أخرجه أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو:«أن رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: »إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم أصبتم، فلا تُمارُوا فيه«. قال الحافظ: إسناده حسن. ولأحمد أيضًا، وأبي عبيد، والطبري من حديث أبي جهم بن الصمة: «إن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله - ﷺ -»، فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبري والطبراني عن زيد بن أرقم ﵁، قال: «جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أبيّ بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول الله - ﷺ - وعليّ إلى جنبه- فقال علي: ليقرأ كل إنسان منكم كما عُلِّمَ، فإنه حسن جميل». ولابن حبان، والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁: «أقرأني رسول الله - ﷺ - سورة من آل حم، فَرُحتُ إلى المسجد، فقلت لرجل: اقرأها، فإذا هو يقرأ حروفًا ما أقرؤها، فقال: أقرأنيها رسول الله - ﷺ -، فانطلقنا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبرناه، فتغير وجهه، وقال:»إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف«، ثم أسرّ إلى علي شيئًا، فقال علي: إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّمَ، قال: فانطلقنا، وكل رجل منّا يقرأ حروفًا، لا يقرؤها صاحبه». وللبخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سمع رجلًا يقرأ آيةً، سمع النبي - ﷺ - قرأ خلافها، قال: فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي - ﷺ -، فقال: «كلاكما حسن، فاقرآ»، قال شعبة: أكبر علمي قال: «فإن من كان قبلكم اختلفوا، فأهلكهم» . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر بن الخطاب ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٣٦ - و«الكبرى» -٣٧/ ١٠٠٨ - عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، عنه. و-٩٣٧ - و«الكبرى» -١٠٠٩ - وفي «فضائل القرآن» -٧٩٨ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، وفي «التفسير» -١١٣٦٦ - عن محمد بن سلمة، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريِّ، عنه. وفي ٩٣٨ - و«الكبرى» ١٠٠٠ - عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد- كلاهما عن الزهري، عن عروة عن المسور ابن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاريّ، كلاهما عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه. أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» عن سعيد بن عفير، وفي «التوحيد» عن يحيى بن يحيى:، كلاهما عن الليث بن سعد، عن عقيل- وفي «استتابة المرتدين» تعليقًا عن الليث، عن يونس- وفي «فضائل القرآن» أيضًا عن أبي اليمان، عن شعيب- وفي «الإشخاص» من عبد الله بن يوسف، عن مالك- أربعتهم من الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبدٍ، كلاهما عن عمرء ولم يذكر مالك المسور، وذكره الباقون. ومسلم في «الصلاة» من يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس به. وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حُميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة عنهما به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به. والترمذي في «القراءة» عن الحسن بن علي الخَلال، وغير واحد، كلهم عن عبد الرزاق به. وقال: صحيح. وأخرجه مالك في «الموطأ» ص ١٤٢. أحمد ١/ ٢٤، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ٢٦٣. وابن حبان في «صحيحه» جـ ٣ ص ١٦ رقم ٧٤١. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان ما كان عليه رسول الله - ﷺ - من تعليم أصحابه كتاب الله تعالى كما أمره بالتبليغ. ومنها: بيان ما كان عليه عمر ﵁ من الصَّلابَةِ في الدين، فقد كاد يقطع الصلاة على هشام لشدة غضبه عليه كما يأتي في الرواية التالية قوله: «فكدت أن أعجل عليه» إلخ. ومنها: جواز تلبيب المجرم إذا خيف أن يفلت. ومنها: جواز إطلاق الكذب على الخطأ. ومنها: بيان تسهيل الله تعالى على هذه الأمة إكرامًا لنبيها - ﷺ - حيث أرسله رحمة للعالين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فأنزل الله تعالى القرآن على سبعة أحرف، حتى لا تتضايق على حرف واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في المراد بالأحرف السبعة: قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في مقدمة تفسيره: قد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي، نذكر منها في هذا الكتاب خمسة أقوال: الأول: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، كسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، والطبرى، والطحاوي، وغيرهم: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو أقْبِلْ، وتَعَالَ، وهَلُمَّ، قال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة، قال: «جاء جبريل إلى النبي - ﷺ -، فقال: اقْرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف، فقال: اقرأ، فكلٌّ شافٍ كافٍ، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة»؛ على نحو «هلُمَّ»، و«تعال»، و«أقبل»، و«اذهب»، و«أسرع»، و«عجِّلْ». وروى وَرْقَاء، عن ابن أبي نجيح، من مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ [الحديد: ١٣]: للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقُبُونا. وبهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ١٢٠]: مرُّوا فيه، سعوا فيه. وفي البخاري، ومسلم: قال الزهري: إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال، ولا حرام. قال الطحاوي ﵀: إنما كانت السعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أميين، لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ، إذ كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله - ﷺ -، فقدروا بذلك على تحفظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها. قال ابن عبد البر ﵀: فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كان في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الطحاوي، وابن عبد البر رحمهما الله تعالى يستلزم النسخ لحديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف». وفيه نظر لا يخفى. والله تعالى أعلم. روى أبو داود عن أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أبي إني أقرِئت القرآن، فقيل لي: على حرف، أو حرفين؟، فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين، أو ثلاثة؟، فقال الملك الذي معي. قل: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال. ليس منها إلا شاف، كاف، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب». حديث صحيح. وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، وذكر من كلام ابن مسعود ﵁ نحوه. قال القاضي ابن الطيب ﵀ . وإذا ثبتت هذه الرواية -يريد حديث أبَيّ- حمل على أن هذا كان مطلقًا، ثم نسخ فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسمًا لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف. قال الجامع عفا الله عنه: دعواه النسخ غير صحيح، بل الذي دل عليه هذا الحديث أن الله ﷾ أمر نبيه - ﷺ - أن يقرئ أمته على سبعة أحرف، ووسع عليه أن يبدل اسمًا باسم آخر، وأما غيره فلا يجوز له أن يبدل اسمًا باسم آخر، وإن كان بمعناه، إلا إذا كان ذلك التبديل منقولًا عنه - ﷺ -، فإذا أقرأ صحابيًا «سميعًا عليمًا»، وأقرأ آخر «عزيزًا حكيمًا»، جازت القراءة بهذا وبهذا. والله تعالى أعلم. القول الثاني: قال قوم: هي سبع لغات في القرآن على لغات العرب كلها، يمنها، ونِزَارِها، لأن رسول الله - ﷺ - لم يجهل شيئًا منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطابي ﵀. على أن في القرآن ما قد قرئ بسبعة أوجه، وهو قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] وذكر وجوهًا، كأنه يذهب إلى أن بعضه أنزل على سبعة أحرف، لا كله. وإلى هذا القول -بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، على سبع لغات- ذهب أبو عبيد، القاسم بن سلام، واختاره ابن عطية، قال أبو عبيد: وبعض الأحياء أسعد بها، وأكثر حظًا فيها من بعض. وذكر حديث ابن شهاب، عن أنس أن عثمان ﵄، قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف: ما اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلغة قريش، فإنه نزل بلغتهم. ذكره البخاري رحمه الله تعالى. وذكر حديث ابن عباس ﵄، قال: نزل القرآن بلغة الكعبين، كعب قريش، وكعب خُزَأعَة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة. قال أبو عبيد: يعني أن خزاعة جيران قريش، فأخذوا بلغتهم. قال القاضي ابن الطيب ﵀: معنى قول عثمان ﵁: فإنه نزل بلسان قريش، يريد معظمه وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره منزل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات، وحروف هي خلاف قريش، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ولم يقل: قرشيًا، وهذ يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب، وليس لأحد أن يقول. إنه أراد قريشًا من العرب دون غيرها، كما أنه ليس له أن يقول: أراد لغة عدنان، دون قحطان، أو ربيعة، دون مضر، لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولًا واحدًا. وقال ابن عبد البر ﵀: قول من قال: إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب، والله أعلم، لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات، من تحقيق الهمزات ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطية: معنى قول النبي - ﷺ -: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، أي فيه عبارة عن سبع قبائل، بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك، بحسب الأفصح والأوجز في اللفظ. ألا ترى أن «فطر» معناه عند غير قريش: ابتدأ خلق الشيء، وعمله، فجاءت في القرآن، فلم تَتَّجهْ لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:١]. وقال أيضًا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتِحْك؛ أي أحاكمك. وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]: أي على تنقص لهم. وكذلك اتفق لقطبة بن مالك ﵁، إذ سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الصلاة: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق:١٠]. ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر. إلى غير ذلك من الأمثلة. القول الثالث: أن هذه اللغات السبع إنما تكون في مضر. قاله قوم. واحتجوا بقول عثمان ﵁: نزل القرآن بلغه مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتيم، ومنها لضبة، ومنها لقيس. قالوا: هذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود يحب أن يكون الذين يكتمون المصاحف من مضر. وأنكر آخرون أن تكون كلها من مضر، وقالوا: في مضر شواذّ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها، مثل كَشْكَشَة قيس، وتَمْتَمَة تميم، فأما كشكشة قيس، فإنهم يجعلون كاف المؤنث شينًا، فيقولون في ﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] جعل ربش تحتش سريا، وأما تمتمة تميم، فيقولون في الناس: النات، وفي أكياس: أكيات. قالوا: وهذه لغات يرغب عن القرآن بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شيء. وقال آخرون: أما إبدال الهمزة عينًا، وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض، فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجِلَّةُ، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: «ليسجننه عَتَّى حين»، دْكرها أبو داوَد، وبقول ذي الرُّمَّة [من الطويل]: فَعَينَاك عَينَاهَا وَجِيدُكِ جيِدُهَا … وَلَوْنُكِ إِلا عَنَّهَا غَيرُ طَائِلِ يريد «لا أنها». القول الرابع: ما حكاه صاحب «الدلائل» عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي بن الطيب، قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة، فوجدتها سبعًا: منها: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] و«أطْهَرَ»، و﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] و«يُضيق». ومنها: ما لا تتغير صورته، ويتغير معناه با لإعراب، مثل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و«رَبُّنَا بَاعَدَ». ومنها: ما تبقى صورته، ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: ﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و«ننشُرُها». ومنها: ما تتغير صورته، ويبقى معناه: مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، و«كالصوف المنفوش». ومنها: ما تتغير صورته، ومعناه، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]، «وطلع منضود». ومنها: بالتقديم والتأخير، كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]، «وجاءت سكرة الحق بالموت». ومنها: بالزيادة والنقصان، مثل قوله: «تسع وتسعون نعجة أنثى»، وقوله: «وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين»، وقوله: «فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم». القول الخامس: إن المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لأن هذا لا يسمى أحرفًا، وأيضًا فالإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني. وذكر القاضى ابن الطيب في هذا المعنى حديثًا عن النبي - ﷺ -، ثم قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]، فكدْلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق، من تحليل، وتحريم، وغير ذلك. وقد قيل: إن المراد بقوله ﵇: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» -القراءات السبع التي قرأ بها القراء السبعة، لأنها كلها صحت عن رسول الله - ﷺ -، وهذا ليس بشيء، لظهور بطلانه. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى ببعض تصرف . وقد طول الكلام في تحقيق هذه المسألة الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في «فتحه»، أحببت إيراده هنا لكونه مكملًا لما نقلته من القرطبي، وشارحًا له: قال ﵀ عند قول البخاري ﵀: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَهُ﴾ [المزمِّل: ٢٥]: أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه تيسير على القارئ، وهذا يقوّي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان قريش، وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما. نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة. وذهب أبو عبيد، وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية. وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة. وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن على سبع لغات: منها خمس بلغة العجز من هوازن، قال: والعجز: سعد ابن بكر، وجثيم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال لهم: عليا هوزان، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم. يعني بني دارم. وأخرج أبو عبيد من وجه آخر، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن بلغة الكعبين، كعب قريش، وكعب خزاعة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة. يعَني أن خزاعة كانوا جيران قريش، فسهلت عليهم لغتهم. وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم الرباب، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. واستنكره ابن قتيبة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش. وبذلك جزم أبو علي الأهوازي. وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع متفرقة فيه، فبعضه للغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد بها من بعض، وأكثر نصيبًا. وقيل: نزل بلغة مضر خاصة، لقول عمر: نزل القرآن بلغة مضر. وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضَبَّة، وتيم الرباب، وأسد خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات. ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أوّلًا بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، تم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولِمَا كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيلِ فهمِ المرادِ، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة، كما تقدم، وتصويب رسول الله - ﷺ - كلًا منهم. قال الحافظ: وتَتِمَّةُ ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، أي أن كل أحَد يغير الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من النبي - ﷺ -، ويشير إلى ذلك قول كلٍّ من عمر وهشام في حديث الباب: أقرأني النبي - ﷺ -، لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف، ولو لم يكن مسموعًا له، ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته «عتى حين» أي «حتى حين»، وكتب إليه: «إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس لغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل»، وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة. قال ابن عبد البر بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسنده: يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز، قال: وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الاختيار فيما أنزل. قال أبو شامة: ويحتمل أن يكون مراد عمر، ثم عثمان بقولهما: «نزل بلسان قريش» أن ذلك كان أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على الناس، فجوز لهم أن يقرؤوه على لغاتهم على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب، ليكون بلسان عربي مبين، فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش، لأنه الأولى. وعلى هذا يحمل ما كتب له عمر إلى ابن مسعود لأن جميع اللغات بالنسبة لغير العربي مستوية في التعبير، فإذًا لابد من واحدة، فلتكن بلغة النبي - ﷺ -، وأما العربي المجبول على لغته، فلو كلف قراءته بلغة قريش لعسر عليه التحول مع إباحة الله له أن يقرأ بلغته، ويشير إلى هذا قوله في حديث أبيّ ﵁ كما تقدم «هون على أمتي»، وقوله: «إن أمتي لا تطيق ذلك». وكأنه انتهى عند السبع لعلمه أنه لا تحتاج لفظة من ألفاظه إلى أكثر من ذلك العدد غالبًا، وليس المراد كما تقدم أن كل لفظة منه تقرأ منه على سبعة أوجه. قال ابن عبد البر ﵀: وهذا مجمع عليه، بل هو غير ممكن، بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأعلى سبعة أوجه، إلا الشيء القليل، مثل ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقد أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه. ورَدَّ عليه ابنُ الأنباري بمثل ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، و﴿جِبْرِيل﴾ [البقرة: ٩٨]. ويدلّ على ما قرره أنه أنزل أوّلًا بلسان قريش، ثم سهل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة، كما تقدم في حديث أبيّ بن كعب ﵁: «أن جبريل لقي النبي - ﷺ -، وهو عند أضَاة بني غِفَار، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرِئ أمتك القرآن على حرف، فقال أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك» … الحديث. أخرجه مسلم . وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أن معنى قوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، أي أنزل موسعًا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه، أي يقرأ بأي حرف أراد منها على البدل من صاحبه، كأنه قال: أنزل على هذا الشرط، أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أخذوا بأن يقرؤوه على حرف واحد لشق عليهم، كما تقدم. قال ابن قتيبة ﵀ في أول تفسير المشكل له: كان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه - ﷺ - أن يُقرئ كل قوم بلغتهم، فالهذلي يقرأ «عَتَّى حين» يريد «حتى حين»، والأسدي يقرأ «تعلَمون» بكسر أوله، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، قال: ولو أراد كل فريق منهم أن يزول عن لغته، وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا؛ لشق عليه غاية المشقة، فيسر عليهم ذلك بمنه، ولو كان المراد أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه، لقال مثلًا: أثزل سبعة أحرف، وإنما المراد أن يأتي في الكلمة وجه، أو وجهان، أو ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة. وقال ابن عبد البر ﵀: أنكو أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف اللغات، لا تقدم من اختلاف هشام وعمر، ولغتهما واحدة، قالوا: وإنما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة، نحو «أقبل»، و«تعال»، و«هلم»، ثم ساق الأحاديث الماضية الدالة على ذلك. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ، مع اتفاق المعنى، مع انحصار ذلك في سبع لغات. لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى، وهي ما نبه عليه أبو عمرو الداني أن الأحرف السبعة ليست متفرقة في القرآن كلها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة، فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة، لا بكلها، وهذا إنما يأتي على القول بأن المراد بالأحرف اللغات، وأما قول من يقول بالقول الآخر، فيتأتى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب، بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السبعة في بعض القرآن، كما تقدم. وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التغاير في سبعة أشياء: الأول: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بنصب الراء، ورفعها. الثاني: ما يتغير بتغير الفعل، مثل: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، و﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ بصيغة الطلب، والفعل الماضي. الثالث: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة، مثل: ﴿ننشرها﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالراء والزاي. الرابع: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] في قراءة علي: و«طلع منضود». الخامس: ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] في قراءة أبي بكر الصديق، وطلحة بن مصرف، وزين العابدين: «وجاءت سكرة الحق بالموت». السادس: ما يتغير بزيادة، أو نقصان، مِثالُ الزيادة ما نقل عن ابن عباس ﵄ «وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين»، ومِثالُ النقص، قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء ﵄: «والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى». السابع: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها، مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير، «كالصوف المنفوش». وهذا وجه حسن، لكن استبعده قاسم بن ثابت في «الدلائل» لكون الرخصة في القراءات إنما وقعت، وأكثرُهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها. قال: وأما ما وجد من الحروف المتباينة المخرج المتفقة الصورة، مثل ﴿نُنشِرُهَا﴾، و﴿نُنشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فإن السبب في ذلك تقارب معانيها، واتفق تشابه صورتها في الخط. قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك توهين ما ذهب إليه ابن قتيبة، لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقًا، وإنما اطلع عليه بالاستقراء، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يخفى. وقال أبو الفضل الرازي ﵀. الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول: اختلاف الأسماء، من إفراد، وتثنية، وجمع، أو تذكير وتأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض، ومضارع، وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم والتأخير. السادس: الإبدال. السابع: اختلاف اللغات، كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار، ونحو ذلك. قال الحافظ: وقد أخذ كلام ابن قتيبة، ونقّحه. وذهب قوم إلى أن السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام. واحتجوا بحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا». أخرجه أبو عبيد، وغيره. قال ابن عبد البر ﵀: هذا حديث لا يثبت، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يَلْقَ ابنَ مسعود. وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران. قال الحافظ: وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الردّ على من قال به. وحاصله: أنه يستحيل أن يجتمع في الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة. وقد صحح الحديث المذكور ابن حبان، والحاكم، وفي تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وأبن مسعود. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا، وقال: هذا مرسل جيّد. ثم قال: إن صح فمعنى قوله في هذا الحديث: «سبعة أحرف»، أي سبعة أوجه، كما فسرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى، لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة الوأحدة تقرأ على وجهين، وثلاثة، وأربعة إلى سبعة، تهوينًا وتيسيوًا، والشيء الواحد لا يكون حرامًا وحلالًا في حالة واحدة. وقال أبو علي الأهوازي، وأبو العلاء الهمداني: قوله: «زاجر، وآمر» استئناف كلام آخر، أي هو زاجر، أي القرآن، ولم يُرَدْ به تفسيرُ الأحرف السبعة، وإنما تَوَهَّمَ ذلك مَنْ توهمه من جهة الاتفاق في العدد. ويؤيده أنه جاء في بعض طوقه، «زاجرًا، وآمرًا» إلخ بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب، لا للأحرف، أي هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. قال الحافظ ﵀: ومما يوضح أن قوله: «زاجر، وآمر» إلخ ليس تفسيرًا للأحرف السبعة ما وقع في مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب عقب حديث ابن عباس ﵄، قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال، ولا حرام. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما تقدم مما ساقه الحافظ رحمه الله تعالى من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام ﵏ أن الراجح هو قول من قال: إن المراد بالأحرف السبعة في حديث الباب هي أوجه القراءة التي تُؤَدَّى بها المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، وقد يكون ذلك في لغة واحدة، كما وقع لعمر وهشام بن حكيم ﵄، فإنهما قرشيان. وأما بقية الأقوال فلا تخلو من ضعف، وأضعفها قول من قال: إنه من المتشابه الذي لا يعرف معناه، كما اختاره السيوطي في شرحه لهذا الكتاب، فإنه من المحال أن يكون القرآن نزل على سبعة أحرف، ويؤمر الناس أن يقرؤوه على تلك الأحرف، ولا يدرون ما هي الأحرف؟ هذا من أغرب المحال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في اختلاف العلماء هل الأحرف الأحرف المذكورة في الحديث مجموعة في المصحف الموجود اليومَ، أم لا؟: قد جمع الحافظ ﵀ في «فتحه» أقوال أهل العلم في هذه المسألة، واستوفاها، ملخصة، فأحببت إيرادها هنا لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها، قال رحمه الله تعالى: قال أبو شامة ﵀: وقد اختلف الناس في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل هي مجموعة في المصحف الذى بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيه إلا حرف واحد منها؟ مال الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني، وهو المعتمد. وقد أخرج ابن أبي داود في «المصاحف» عن أبي الطاهر بن أبي السرح، قال: سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين، والعراقيين، هل هي الأحرف السبعة؟، قال. لا، وإنما الأحرف السبعة مثل «هَلُمَّ»، و«تعالَ»، و«أقبل»، أيّ ذلك قلت أجزأك. قال: وقال لي ابن وهب مثله. والحق أن الذي جُمِعَ في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي - ﷺ -، وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السبعة، لا جميعها، كما وقع في المصحف المكي ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [التوبة: ١٠٠] في آخر براءة، وفي غيره بحذف «من»، وكذا وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاآت، وعدة لامات، ونحو ذلك، وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمر النبي - ﷺ - بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءة مما لا يوافق الرسم، فهو مما كانت القراءة جوزت له توسعة على الناس وتسهيلًا، فلما آل الحال إلى ما وقغ من الاختلاف في زمن عثمان، وكَفَّر بعضهم بعضًا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته، وتركوا الباقي. قال الطبري ﵀: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار، كمن اقتصر مما خير فيه على خصلة واحدة، لأن أمرهم بالقراءة على الأوجه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرخصة. قال الحافظ ﵀: ويدل عليه قوله - ﷺ - في حديث الباب: «فاقرؤوا ما تيسر منه». وقد قررالطبري ذلك تقريرًا أطنب فيه، ووَهَّى من قال بخلافه، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو العباس بن عمار في «شرح الهداية»، وقال: أصح ما عليه الحذاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في قراءتها، لا كلها. وضابطه: ما وافق رسم المصحف، فأما ما خالفه، مثل «أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج»، ومثل «إذا جاء فتح الله والنصر»، فهو من تلك القراءات التي تركت، إن صح السند بها، ولا يكفي صحة سندها في إثبات كونها قرآنًا، ولا سيما والكثير منها مما يحتمل أن يكون من التأويل الذي قرن إلى التنزيل، فصار يظن أنه منه. وقال البغوي ﵀ في «شرح السنة»: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله - ﷺ -، فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجَمَعَ الناس عليه، وأذهَبَ ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم. وقال أبو شامة ﵀: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديتا، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال ابن عمار أيضًا: لقد فعل مسبِّعُ هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضًا في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راوٍ ثالثٍ غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر، وأصح، وأظهر، وربما بالغ لا يفهم، فخطأ، أو كفر. وقال أبو بكر ابن العربي ﵀: ليست هذه السبعة متعينة للجواز، حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش، ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم، أو فوقهم. وكذا قال غير واحد: منهم مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء. وقال أبو حيان: ليس في كتاب ابن مجاهد، ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس، فكيف يقتصر على السُّوسي، والدُّوري، وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط، والإتقان، والاشتراك في الأخذ، قال: ولا أعرف لهذا سببًا إلا ما قُضِيَ من نقص العلم، فاقتصر هؤلاء على السبعة، ثم اقتصر من بعدهم من السبعة على النزر اليسير. وقال أبو شامة ﵀: لم يُرد ابن مجاهد ما نسب إليه، بل أخطأ من نسب إليه ذلك. وقد بالغ أبو طاهر ابن أبي هاشم صاحبه في الرد على من نسب إليه أدت مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث، قال ابن أبي هاشم: إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها، أدت الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهات، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة شرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط، امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار، مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة. وقال مكي بن أبي طالب ﵀: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ثم ساق نحو ما تقدم، قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كنافع، وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهِم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم، فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين- كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاشم السجستاني، وأبي جعفر الطبري، وإسماعيل بن إسحاق القاضي- قد ذكروا أضعاف هؤلاء. قال الحافظ ﵀: قلت: اقتصر أبو عبيدة في كتابه على خمسة عشر رجلًا، من كل مصر ثلاثة أنفس: فدكر من مكة ابنَ كثير، وابن محيصن، وحميدًا الأعرج. ومن أهل المدينة أبا جعفر، وشيبة، ونافعًا، ومن أهل البصرة أبا عمرو، وعيسى بن عمر، وعبد الله بن أبي إسحاق. ومن أهل الكوفة يحيى بن وَثّاب، وعاصمًا، والأعمش. ومن أهل الشام عبد الله بن عامر، ويحيى بن الحارث، قال: وذهب عني اسم الثالث، ولم يذكر في الكوفيين حمزة، ولا الكسائي، بل قال: إن جمهور أهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا إلى قراءة حمزة، ولم يجتمع عليه جماعتهم، قال: وأما الكسائي، فكان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة الكوفيين بعضًا، وترك بعضًا، وقال بعد أن ساق أسماء من نقلت عنه القراءة من الصحابة والتابعين: فهؤلاء هم الذين يُحكَى عنهم عُظْمُ القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث، قال: ثم قام بعدهم بالقراءات قوم ليست لهم أسنانهم، ولا تقدمهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت عنايتهم بها، وطلبهم لها، حتى صاروا بذلك أئمة يقتدي الناس بهم فيها، فذكرهم. وذكر أبو حاتم زيادة على عشرين رجلًا، ولم يذكر فيهم ابن عامر، ولا حمزة، ولا الكسائي. وذكر الطبري في كتابه اثنين وعشرين رجلًا. قال مكي: وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو، ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة، وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمروا على ذلك، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي، وحذف يعقوب، قال: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرًا، ومثلهم أكثر من عددهم- أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة له، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة، والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة، والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردوا من كل مصر إمامًا وحدًا، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات، ولا القراءة له، كقراءة يعقوب، وعاصم الجحدري، وأبي جعفر، وشيبة، وغيرهم. قال: وممن اختار من القراءات كما اختار الكسائي أبو عبيد، وأبو حاتم، والمفضل، وأبو جعفر الطبري، وغيرهم، وذلك واضح في تصانيفهم في ذلك. وقد صنف ابن جمير المكي، وكان قبل ابن مجاهد كتابًا في القراءات، فاقتصر على خمسة اختار من كل مصر إمامًا، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وَجَّهَ بسبعة، هذه الخمسة، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين، لكن لم نسمع لهذين المصحفين خبرًا، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف، فاستبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين يكمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، وهو «أن القرآن أنزل على سمعة أحرف»، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم يكن له فطنة، فظن أن المراد بالقراءات السبع الأحرف السبعة، ولا سيما، وقد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة، فقالوا: قرأ بحرف نافع، وبحرف ابن كثير، فتأكد الظن بذلك، وليس الأمر كما ظنه، والأصل المعتمد عليه عند الأئمة في ذلك أنه الذي يصح سنده في السماع، ويستقيم وجهه في العربية، ويوافق خط المصحف، وربما زاد بعضهم الاتفاق عليه، ونعني بالاتفاق كما قال مكي بن أبي طالب ما اتفق عليه قراء المدينة والكوفة، ولا سيما إذا اتفق نافع وعاصم. قال: وربما أرادوا بالاتفاق ما اتفق عليه أهل الحرمين. قال: وأصح القراءات سندًا نافع، وعاصم، وأفصحها أبو عمرو، والكسائي. وقال ابن السمعاني في «الشافي»: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر، ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر رأيهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، قال: وقد صنف غيره في السبع أيضا، فذكر شيئًا كثيرًا من الروايات عنهم غير ما في كتابه، فلم يقل أحد: إنه لا تجوز القراءة بذلك لخلو ذلك المصحف عنه. وقال أبو الفضل الرازي في «اللوائح» بعد أن ذكر الشبهة التي من أجلها ظن الأغبياء أن أحرف الأئمة السبعة هي المشار إليها في الحديث، وأن الأئمة بعد ابن مجاهد جعلوا القراءات ثمانية أو عشرة لأجل ذلك. قال: واقتفيت أثرهم لأجل ذلك، وأقول: لو اختار إمام من أئمة القراء حروفًا، وجرد طريقًا في القراءة بشرط الاختيار لم يكن ذلك خروجًا عن الأحرف السبعة«. وقال الكواشي: كل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة النصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا، أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من الثلاثة، فهو الشاذ. قال الحافظ ﵀: وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل«التيسير»، و«الشاطبية»، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك، كأبي شامة، وأبي حيان، وآخرُ من صرح بذلك السبكي، فقال في شرح المنهاج عند الكلام على القراءة بالشاذ: صرح كثير من الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذّ، توهمًا منه انحصار المشهور فيها، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين: الأول: ما يخالف رسم المصحف، فلا شك في أنه ليس بقرآن. والثاني: ما لا يخالف رسم المصحف، وهو على قسمين أيضًا: الأول: ما ورد من طريق غريبة، فهذا ملحق بالأول. والثاني: ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا وحديثًا، فهذا لا وجه للمنع منه، كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وغيرهما. ثم نقل كلام البغوي، وقال: هو أولى من يعتمد عليه في ذلك، فإنه فقيه محدث مقرئ. ثم قال: وهذا التفصيل بعينه وارد في الروايات عن السمعة، فإن عنهم شيئًا كثيرًا من الشواذ، وهو الذي لم يأت إلا من طريق غريبة، وإن اشتهرت القراءة من ذلك المنفرد. وكذا قال أبو شامة، ونحن وإن قلنا: إن القراءة الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت، فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه. انتهى ما في الفتح . وإلى الشروط الثلاثة المذكورة أشار المحقق ابن الجزري في «طيبة النشر» بقوله: وَكُلّ مَا وَافَقَ وَجْهًا نَحوِي … وَكانَ لِلرَّسمِ احْتِمَالًا يَحْوِي وصَحَّ إِسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ … فَهذِهِ الثَّلَاثَةُ الأرْكَانُ وَحَيْثُمَا يَخْتَلُّ شَرْطٌ أثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ فِي السَّبْعَةِ وقال صاحب «مراقي السعود»: وَلَيْسَ مِنْةُ مَا بِالاحادِ رُوِي … فَلِلْقرَاءَةِ بِه نَفْيٌ قَوِي كالاحْتِجَاجِ غير مَا تَحَصَّلَا … فِيِهِ ثَلَاثَةٌ فَجَوِّزْ مُسْجَلَا صِحَّةُ الاسْنَادِ وَوَجْهٌ عَربِي … ووَفقُ خَطِّ الأمِّ شَرْطٌ مَا أُبِيِ مِثْلُ الثَّلَاثَةِ وَرَجَّحَ النَّظَرْ … تَوَاتُرًا لَهَا لَدَى مَنْ قَدْ غَبَرْ تَوَاتُرُ السَّبعِ عَلَيْهِ أجْمَعُوا … وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَحْي حَشْوٌ يَقَعُ وَمَا بِهِ يُعْنَى بِلَا دَلِيلِ … غَيرُ الَّذي ظَهَرَ لِلْعُقُولِ
مصادر المؤلف (١٧)

١. وفي بعض النسخ: «ما كذاك».

٢. تك جـ ٢٧ ص ٥٨١ - ٥٨٣. تت جـ ١٠ ص ١٥١ - ١٥٢.

٣. وفي«تت»: وكان جميلًا مهيبًا.

٤. «تك»جـ ٣٠ ص ١٩٤ - ١٩٨.

٥. فتح جـ ١٠ ص ٣٠.

٦. مسلم ٨/ ٣٢. وأبو داود رقم ٣٠٤٥. والنسائي في السير من الكبرى رقم ٨٧٧١.

٧. «تك» جـ ٣٠ ص ١٩٤ - ١٩٨.

٨. لسان العرب جـ ٢ ص ٨٣٧.

٩. جـ ١٠ ص ٣٩.

١٠. فتح جـ ١٠ ص ٣١.

١١. راجع فتح الباري جـ ١٠ ص ٣١ - ٣٢.

١٢. هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ابن القاضي أبو بكر الباقلاني.

١٣. جامع آحكام القرآن جـ ١ ص ٤٢ - ٤٦.

١٤. وهو الحديث الآتي للمصنف في هذا الباب رقم ٩٣٩.

١٥. هو ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أقرأني جبريل ﵇ على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده، فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف». راجع مسلم بشرح النووي جـ ٦ ص ١٠١.

١٦. فتح جـ ١٠ ص ٣٢ - ٣٦.

١٧. فتح ج ١٠ ص ٣٦ - ٣٩.