HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٤٣

أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ، أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص314
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ١٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص٢٢٣
الأحمر. (ح) وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه - كلهم عن عبيد الله. (ح) وعن ابن أبي عمر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب. (ح) وعن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن. (ح) وعن محمد بن إسحاق المسيبي، عن أنس بن عياض- كلهم عن موسى ابن عقبة له. وابن ماجه في «الأدب» من أحمد بن أزهر، عن عبد الرزاق، عن معمر، من أيوب به. و(مالك في الموطأ) رقم ١٤٣، و(أحمد) جـ ٢ ص ١٧ و٢٣ و٣٠ و٣٥ و٦٤ و١١٢. وفوائد الحديث تأتي في الحديث الذي بعده، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٤٣ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «بِئْسَمَا لأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمران بن موسى) القزّاز الليثي، أبو عمرو البصري، صدوق من [١٠]، مات بعد ٢٤٠، أخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٦/ ٦. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، من [٨]، مات سنة ١٨٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الثبت الحجة من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (منصور) بن المعتمر السلمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت لا يدلس من [٥]، تقدم في ٢/ ٢. ٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٦ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي، ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الشيخان، وأبو داود. ومنها: أنهم ما بن بصريَّيْنِ، وهما شيخه، ويزيد بن زريع، وكوفيينَ، وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، منصور، من أبي وائل، فإن منصورًا تابعي صغير، كما قاله الحافظ في «الفتح»، وقال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمته: وما علمت له رواية عن أحد من الصحابة، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا من الصحابة، وهو رجل شابّ، مثل عبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث. انتهى كلام الذهبي ﵀ بتصرف . ومنها: أن فيه عبد الله بالإطلاق، والمراد به عند الكوفيين ابن مسعود، كما هو القاعدة في اصطلاح المحدثين، كما أشار إليه الحافظ السيوطي ﵀ في «ألفية المصطلح»، بقوله: وحيثُمَا أُطْلِقَ عَبدُاللهِ فِي … طَيبَةَ فَابن عُمَرٍ وَإنْ يَفِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيرِ أوْ جَرَى … بِكُوفةٍ فهوَ ابنُ مَسْعودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … والشَّامِ مَهْمَا أُطْلقَ ابن عَمْرِو والله ﷾ أعلم. شرح الحديث (عن أبي وائل) وقد صرح أبو وائل بالسماع عن عبد الله عند البخاري تعليقًا، قال: سمعت عبد الله، سمعت النبي - ﷺ - … (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (عن النبي - ﷺ -) أنه (قال: بئسما لأحدهم أن يقول)، وفي رواية لمسلم: «لا يقل أحدكم: نَسيتُ آية»، «وبئس» هي أخت «نعم»، فالأولى للذم، والثانية للمدح، وهَما -على الصحيح من أقوال النحاة- فعلان غير متصرفين، يرفعان الفاعل ظاهرًا، أو مضمرًا. ثم إذا كان الفاعل ظاهرًا فإما يكون مُحَلّىً بالألف واللام للجنس، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وإما أن يكون مضافًا إلى ما هما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]. وإن كان الفاعل مضمرًا، فلابدّ من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وقد يكون هذا التفسير «ما» على ما نص عليه سيبويه، كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١]. فـ «ما» في هذا الحديث نكرة منصوبة على التمييز، وفاعل «بئس» ضمير مستتر، على الأصح، وقيل: «ما» هي الفاعل. وقوله: «لأحدهم» متعلق بحال محذوف، أي حال كونه كائنًا لأحدهم، أو متعلق بـ «بئس» على رأي بعضهم، وقوله: «أن يقول» في تأويل المصدر مخصوص بالذم، أي بئس شيئًا قوله. وإلى ما ذَكَرنَاه من أحوال «نعم» وبئس أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في «الخلاصة» حيث قال: فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ … نِعْمَ وَبِئسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مقَارِنيْ «ألْ» أو مُضَافَيْنِ لمَا … قَارَنَهَا كَـ«نِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا» وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … ممَيِّزٌ كَـ«نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرهْ» وَجَمْع تَمْيِيزٍ وَفَاعِلٍ ظَهَرْ … فِيه خلَافّ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهَرْ وَ«مَا» ممَيِّزٌ وَقِيلَ فَاعِلُ … فِي نَحْوِ «نِعمَ مَا يَقُولُ الْفَاضِلُ» وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أوْ خَبَرَ اسمٍ لَيسَ يَبدُو أبَدَا وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كفى … كَـ «الْعلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمُقْتَفَى» (نسيت آية كيت وكيت) بفتح النون، وتخفيف السين اتفاقًا. وإنما نهي عنه لما فيه من التشبه بمن ذمه الله تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، فالاحتراز عن مثل هذا القول أحسن. أفاده السندي رحمه الله تعالى. قال النووي ﵀: (قوله: كيت وكيت) أي كذا وكذا، وهو بفتح التاء على المشهور، وحكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي عبيد. انتهى . وقال القرطبي ﵀: «كيتَ وكيتَ» يعبر بهما عن الجمل الكثيرة، والحديث الطويل، ومثلهما «ذَيْتَ وذَيْتَ». وقال ثعلب: كيَت للأفعال، وذيت الأسماء. وحكى ابن التين عن الداودي أن هذه الكلمة مثل كذا، إلا أنها خاصة بالمؤنث، قال في الفتح: وهذا من مفردات الداودي. انتهى . وقال ابن منظور: ما نصه: وكان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وإن شئت كسرت التاء، وهي كناية عن القِصَّةِ، أو الأحْدُوثةِ، حكاه سيبويه. وقال الليث: تقول العرب كان منَ الأَمر كيتَ وكيتَ، قال. وهذه التاء في الأصل هاءٌ مثل ذَيْتَ وذيتَ، أصلها كَيَّه، وذَيَّه، بالتشديد، فصارت تاء في الوصل. انتهى . (بل هو نُسِّيَ) بضم النون، وتشديد المهملة المكسورة. قال القرطبي. رواه بعض رواة مسلم مخففًا. قال الحافظ: وكذا هو في «مسند أبي يعلى»، وكذا أخرجه ابن أبي داود في «كتاب الشريعة» من طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كلّ سين علامة التخفيف. وقال عياض: كان الكناني -يعني أبا الوليد الوقشي- لا يجيز في هذا غير التخفيف. قال الحافظ: والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في «الغريب» بعد قوله: «كيت وكيت»: ليس هو نَسِيَ، ولكنه نُسِّيَ، الأول بفتح النون، وتخفيف السين، والثاني بضم النون، وتثقيل السين. قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه، لتفريطه في معاهدته، واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن الرجل تُرِكَ غيرَ ملتفَتٍ إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة. وسيأتي الخلاف في متعلق الذم من قوله: «بئس» في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى. (استذكروا القرآن) أي واظبوا على تلاوته، وأطلبوا من أنفسكم المذاكرة له. ورواية المصنف بدون عاطف، وكذا عند مسلم، وفي رواية البخاري «واستذكروا» بواو العطف، قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله: «بئسما لأحدهم»، أي لا تقصروا في معاهدته. وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل في هذا الموضع: «فإن هذا القرآن وَحْشِيّ». وكذا أخرجها من طريق المسيب بن رافع، عن ابن مسعود. قاله في الفتح. (فإِنه) الفاء تعليلية، أي لأنه (أسرع تفصيًا)، وفي رواية الشيخين: «أشد تفصيًا». بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة الثقيله، بعدها تحتانية خفيفة: أي خروجًا وتخلُّصًا. وأصل التَّفَصِّي: أن يكون الشيءُ في مَضِيقٍ، ثم يخرج إلى غيره. قال ابن الأعرابي: أفْصَى: إذا تخلّص من خير، أو شرّ. وقال الجوهري: أصْلُ الفَصْيَة الشيء تكون فيه، ثم تخرج منه. ويقال. ما كدت أتَفَصَّى من فلان: أي ما كدت أتخلص منه، وتفصّيت من الديون: إذا خرجت منها، وتخلصت. انتهى ملخصًا من اللسان . قال في الفتح. ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ: «تَفَلُّتًا»، وكذا وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى، ونصب على التمييز. انتهى. (من صدور الرجال) متعلق بـ«ـتفصّيًا»، أي أسرع خروجًا من قلوبهم. (من النعم من عُقُلِهِ) الجار والمجرور الأول متعلق بـ «ـأسرع»، وهو على حذف مضاف، أي من تفصي النعم، والثاني متعلق بالمضاف المقدر. و«النَّعَمُ» -بفتحتين-: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد: «النعم» الجِمَال فقط، ويؤنث، ويذكّر، وجمعه نُعْمَانٌ، مثلُ حَمَلٍ، وحُمْلَان، وأنْعام أيضًا. وقيل: «النعم» الإبل خاصة، والأنعام ذوات الخُفّ، والظِّلْفِ، وهي الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل فهي نَعَم، وإن انفردت البقر والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا. قاله الفيّومي رحمه الله تعالى . قال النووي ﵀: «النعم» أصلها الإبل، والبقر، والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة، لأنها التي تُعقل. و«العُقُلُ»- بضم العين، والقافُ، ويجوز إسكان القاف، وهو كنظائره، وهو جمع عِقَالٍ، ككتاب وكُتُب. وتذكير الضمير في قوله: «من عقله» لأن النعم يجوز تذكيره، وتأنيثه، كما مر آنفًا. ووقع في رواية لمسلم «بعقلها»، وفي رواية «من عقله»، وفي رواية «في عقلها». قال النووي: ﵀: وكله صحيح. والمراد برواية الباء «من»، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها . وقال القرطبي ﵀: من رواه «من عُقُلِها» فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلت وأما من رواه بالباء، أو بـ«ـفي»، فيحتمل أن يكون بمعنى «من»، أو للمصاحبة، أو الظرفية. والحاصل تشبيه من يتفلّت منه القراَدن بالناقة التى تتفلَّت من عقالها، ولقيت متعلقة به. قال الحافظ: كذا قال. والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شُبِّهَ بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط. وقال الطيبيُّ وحمه الله: ليس بين القرآن والناقة مناسبة؛ لأنه قديم، وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٤٣ - وفي «الكبرى» -٣٧/ ١٠١٥ - وفي «عمل اليوم والليلة» -١٠٥٦٢ - وفي «فضائل القرآن» ٨٠٣٩ - عن عمران بن موسى، عن يزيد بن زُرَيع، عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عنه. وفي «عمل اليوم والليلة» -١٠٥٦٣ - وفي «فضائل القرآن» ٨٠٤٣ - عن محمود بن غيلان، عن أبي نُعَيم، ومعاوية، كلاهما عن سفيان، عن منصور به. وفي «فضائل القرآن» أيضًا ٨٠٤٣ عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن منصور به. وفي «فضائل القرآن» أيضًا ٨٠٤٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور به. وفي «عمل اليوم والليلة» -١٠٥٦١ - عن أحمد بن حرب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل به. وفي -١٠٥٦٠ - عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل عنه. وفي -١٠٥٦٤ - عن قتيبة بن سعيد، عن حماد، عن منصور، وعاصم، كلاهما عن أبي وائل، عن ابن مسعود موقوفًا. تنبيه: ليس في رواية «عمل اليوم والليلة» إلا الجزء الأول من الحديث فقط، وكذا في «فضائل القرآن» من طريق سفيان عن منصور. والله تعالى أعلم. تنبيه آخر: قال المصنف ﵀ في «فضائل القرآن» بعد أن خرج الحديث مرفوعًا بسند الباب- ما نصه: وقفه جرير. حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، من منصور، من أبي وائل، عن عبد الله، قال: استذكروا القرآن، فلهو أشدّ تفصيًا من صدوو الرجال من النعم من عُقُله، ولا يقولنّ أحدكم: نَسِيت آية كيت وكيت، قال رسول الله - ﷺ -. «بل نسي». انتهى . وقال الإسماعيلي ﵀. روى حماد بن زيد، عن منصور، وعاصم الحديثين معًا موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن ممْصور، وأما ابن عيينة، فأسند الأول، ووقف الثاني، قال: ورفعهما جميعًا إبراهيم بن طهمان، وعَبِيدَةُ بنُ حُمَيد عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثوري. قال الحافظ ﵀: ورواية عَبِيدَة أخرجها ابن أبي داود، ورواية سفيان أخرجها البخاري مرفوعة، لكن اقتصر على الحديث الأول، وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا الحديثين معًا، وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح ابن مسعود بقوله: «سمعت رسول الله - ﷺ -»، وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور. والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الحديثين رويا مرفوعين، وموقوفين، والراجح الرفع، لكونه زيادة من الثقات الضابطين، مثل شعبة، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وعَبِيدة بن حُمَيد، وغيرهم، فلا التفات إلى قول من أعل الحديثين بالوقف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» عن محمد بن عرعرة، عن شعبة به. (ح) وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن سفيان، عن منصور به. وعن أبي نعيم، من سفيان به. ومسلم في الصلاة عن زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن جرير به. وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، وأبي معاوية- وعن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية- كلاهما عن الأعمش به. وعن محمد بن حاتم، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن عبدة بن أبي لبابة به. والترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة به. وأخرجه (الحميدي) رقم ٩١، (وأحمد) ١/ ٤١٧ و٤٢٣ و٤٢٩ و٤٣٨ و٣٦٢٠ و٤٤٩ و٤٦٣، و(الدارمي) رقم ٣٣٥٠. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائد الحديثين: منها: الحَثُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، والتحذير من تعريضه للنسيان. وقد أقسم النبي - ﷺ - مبالغةً في الحث على تعاهده، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها». ومنها: ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وتقريبه إلى الأذهان. ومنها: بيان صعوبة القرآن على المتساهل في مراجعته، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]؛ لأن تيسيره بالنسبة لمن أراد حفظه، واجتهد فيه، وصعوبته بالنسبة لمن لم يتعاهده، ولم يُجهِدْ نفسه فيه. ومنها: النهي عن قول الإنسان: نسيت آية كذا وكذا، وإنما يقول: نُسيتها، وإنما نهي عن الأول دون الثاني، لأنه يتضمن التساهل فيها، والتغافل عنها، وقد قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]. وقال القاضي عياض ﵀: أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذمّ الحال، لا ذم القول، أي نسيت الحالة، حالة من حفظ القرآن، فغفل عنه حتى نسيه. انتهى. وقال النووي ﵀: الكراهية للتنزيه. قال الجامع عفا الله عنه: يؤيد ما قاله النووي ﵀ ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه سمع رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أُنسيتها من سورة كذا وكذا». رواه البخاري. وفي رواية الإسماعيلي: «كنت نَسِيتُها»- بفتح النون، ليس قبلها همزة. فإنه صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسأله الخامسة: في اختلاف العلماء في متعلق الذمّ من قوله: «بئس»: قال في الفتح: واختلف في متعلق الذم من قوله: «بئس» على أوجه: الأول: قيل هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان، وهو لا صنع له فيه، فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول: أنسيت، أو نُسّيت -بالتثقيل- على البناء للمجهول فيهما، أي إن الله هو الذي أنساني، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، وبهذا الوجه جزم ابن بطال، فقال: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها، لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية، والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنة، ثم ذكر الحديث الآتي في [باب نسيان القرآن] ، قال: وقد أضاف موسى ﵇ النسيان مرة إلى نفسه، ومرة إلى الشيطان، فقال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى الله بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة اهـ. قال الحافظ: ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى ﵇، وإنما هو كلام فتاه. وقال القرطبي ﵀: ثبت أن النبي - ﷺ - نسب النسيان إلى نفسه -يعني حيث قال حينما سمع رجلًا يقرأ سورة: «يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا، كثت أنسيتها، من سورة كذا وكذا»- وفي رواية الإسماعيلي: نَسِيتها- وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، وموسى إلى نفسه حيث قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقد سيق قول الصحابة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مساق المدح، قال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]. فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذمّ، وجنح إلى اختيار: الوجه الثاني: وهو كالأول، لكن سبب الذمّ ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد، وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته، والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت الاية الفلانية، فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد، لأنه الذي يورث النسيان. الوجه الثالث: قال الإسماعيلي ﵀: يحتمل أن يكون كره له أن يقول: نسيت بمعنى تركت، لا بمعنى السهو العارض، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وهذا اختيار أبي عبيد، وطائفة. الوجه الرابع: قال الإسماعيلي أيضًا: يحتمل أن يكون فاعل نَسِت النبيَّ - ﷺ -، كأنه قال: لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن الله هوَ الذي نسّاني ذلك، لحكمة نسخه، ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صنع، بل الله هو الذي ينسيني لما تنسخ تلاوته، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فإن المراد بالمنسي ما ينسخ تلاوته، فينسي الله نبيه - ﷺ - ما يريد نسخ تلاوته. الوجه الخامس: قال الخطابي. يحتمل أن يكون ذلك خاصًا بزمن النبي - ﷺ -، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل، ثم ينسخ منه بعد نزوله الشيء، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط حفظه عن حملته، فيقول القائل: نسيت آية كذا، فنهوا عن ذلك، لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع، وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن الله لما رآه من الحكمة والمصلحة. الوجه السادس: قال الإسماعيلي: وفيه وجه آخر، وهو أن النسيان الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز، لأنه عارض له لا عن قصد منه، لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرًا له في حال قصده، فهو كما قال: ما مات فلان، ولكن أميت. قال الحافظ: هو قريب من الوجه الأول، وأرجح الأوجه الوجه الثاني، ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه. انتهى ما في الفتح . قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأوجه عندي هو الثاني كما رجح الحافظ رحمه الله تعالى. فيكون سبب الذم هو عدم الاعتناء باستذكار القرآن، وتعاهده، فإذا قال: نسيت آية كيت وكيت فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون مشابهًا للذين ذمهم الله تعالى بسبب إعراضهم عن آياته، بقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في اختلاف العلماء في حكم نسيان القرآن: قال في الفتح: واختلف السلف ﵏ في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك ابن مزاحم موقوفًا، قال. ما من أحد تعلم القرآن، ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٥]، ونسيان القرآن من أعظم المصائب، واحتجوا أيضًا بما أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: «عُرِضَت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أوتيها رجل، ثم نسيها». وفي إسناده ضعف. وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: «أعظم من حامل القرآن وتاركه». ومن طريق أبي العالية موقوفًا: «كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن، ثم ينام عنه حتى ينساه». وإسناده جيد. ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه، ويقولون فيه قولًا شديدًا. ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: «من قرأ القرآن، ثم نسيه لقي الله وهو أجذم» . وفي إسناده أيضًا مقال. وقد قال به من الشافعية أبو المكارم، واحتج بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به، والتهاون بأمره. وقال القرطبي: من حفظ القرآن، أو بعضه، فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخلّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإنّ ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد. وقال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن. قال الجامع عفا الله عنه: القول بكون النسيان من الكبائر على إطلاقه غير صحيح، لأنه مما لا دليل عليه، إذ لا تصح الأحاديث فيه، ففي إسناد حديث أنس المذكور عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، وهو مختلف فيه، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، صدوق كثير التدليس والإرسال -كما قال في التقريب- وقد عنعنه عن أنس. فالحديث ضعيف. وأما حديث سعد بن عبادة ففيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وعيسى بن أبي عيسى قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد، وقال ابن عبد البر: لم يسمع من سعد بن عبادة، ولا أدركه . وبالجملة أن الأحاديث في هذا الباب لا تصح، وعلى تقدير صحتها تحمل على من أعرض عن القرآن عملًا وتلاوة، فيكون معنى الحديث على معنى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]. وأما الذي يعمل بالقرآن، وهو حافظ له، ثم عرض له مانع يمنعه عن استذكاره، وشغل يشغله عن مراجعته حتى نسيه، فليس داخلًا في الوعيد، بدليل أنه - ﷺ - كان ينسى بعض الآيات، فلو كان نسيانه معصية لما نسي - ﷺ -. والحاصل أن نسيان القرآن بعد حفظه بعذر ليس بمعصية، فضلًا عن أن يكون من الكبائر، وأما نسيانه بدون عذر فإنه من الكبائر، لأنه يدل على إعراضه عنه، وعدم مبالاته به، فيدخل تحت الوعيد المذكور في الآية المذكورة. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: ليس في الحديثين المذكورين تقدير مدة مخصوصة للزمن الذي يختم فيه القرآن، لكن مقتضاهما أنه يتلوه على وجه لو نقص عنه لأدى إلى نسيانه، أو نسيان شيء منه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في تمكنهم من الحفظ، وفي سرعة النسيان وبطئه. وقد كان الصحابة ﵃ يختمونه في كل سَبْعٍ. وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن حذيفة، قال: قلنا لرسول الله - ﷺ -: لقد أبطأت عنا الليلة، قال: «إنه طرأ عليّ حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أختمه»، قال أوس: سألت أصحاب رسول الله - ﷺ - كيف يُحَزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده . وفي صحيح البخاري: أن النبي - ﷺ - قال لعبد الله بن عمرو: «واقرإ القرآن في شهر؟» قلت: إني أجد قوة، حتى قال: «فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك». وممن كان يختمه في كل سبعة أيام تميمٌ الداري، وعبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وعروة بن الزبير، وأبو مِجْلز، وأحمد بن حنبل، وامرأة ابن مسعود، واستحسنه مسروق. وممن كان يختمه في ثمان أُبيّ، وأبو قلابة. وممن كان يختمه في ست الأسود بن يزيد. وممن كان يختمه في خمس علقمة بن قيس، وممن كان يختمه في ثلاث ابن مسعود، وقال: من قرأه في أقلّ من ثلاث فهو رأجز، وكره ذلك معاذ، وكان المسيب بن رافع يختمه في كل ثلاث، ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائمًا. رواها كلها ابن أبي شيبة. رحمه الله تعالى. وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال. وقال أحمد بن حنبل: أكثر ما سمعت أنه يختم القرآن في أربعين، وكره الحنابلة تأخيره عن ذلك، لأن النبي - ﷺ - سأله عبد الله بن عمرو في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا»، ثم قال: «في شهر»، تم قال: «في عشرين»، ثم قال: «في خمس عشرة»، ثم قال: «في عشر»، ثم قال: «في سبع»، لم ينزل من سبع. رواه أبو داود. قالوا: ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان، والتهاون به، قالوا: وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له، واستحبوا أن يختمه في سبع، وقالوا: إن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت لرسول الله - ﷺ -: إن بي قوّةً، قال: «اقرأه في ثلاث». رواه أبو داود. وعن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: أكره أن يقرأه في أقلّ من ثلاث، وذلك لقوله - ﷺ -: «لا يفقه من قرأه في أقلّ من ثلاث». رواه أبو داود. وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حرامًا، فقال: يستحب أن يختم القرآن مرة في كلّ شهر، ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام، فإذا فعل ففي ثلاثة أيام، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك، ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة، ثم استدلّ على ذلك بالحديث المتقدم: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». قال الحافظ ولي الدين ﵀: ولا حجة في ذلك على تحريمه، ولا يقال: إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرمًا، ومراد الحديث أنه لا يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه، والتدبر لمعانيه، ولا يتسع الزمان لذلك. وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة، منهم عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وعن علي الأزدي وعلقمة قراءته في ليلة واحدة. رواها كلها ابن أبي شيبة في «مصنفه». وكان الشافعي يختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان شهر رمضان ختم في اليوم والليلة مرتين. وكان الأسود يختمه في رمضان في ليلتين، وفي سواه في ست. وكان بعضهم يزيد على ذلك. قال ابن عبد البر: كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن مرتين وأكثر في ليلة. وقال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ في اليوم والليلة ثمان ختمات، وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، والترتيل أفضل من العجلة. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت لأن أقرأ القرآن في شهر أحب إلى من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إليّ من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، أقِفُ، وأدعو. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأفضل أن يقرأ القرآن في شهر، لما في رواية البخاري أنّ النبي - ﷺ - قال لعبد الله بن عمرو ﵄: «اقرإ القرآن في شهر». مع أنه يعلم أن له نشاطًا وقوة على القراءة، فلما استزاده، وألحّ عليه قال له: «اقرأه في عشرين»، إلخ. فدلّ على أن الشهر هو الأولى، لكن من وجد قوة ونشاطًا فله أن يزيد على ذلك حتى يصل إلى سبع، والأفضل أن لا يزيد عليها، لأنها التي وقف عندها النبي - ﷺ - مع إلحاح عبد الله بن عمرو ﵄، وقال له: «ولا تزد على سبع»، فدل على أنه لا أفضل وراءها، ويجوز في ثلاث، ولا يزيد عليها، فإن خير الهدي هدي النبي - ﷺ -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: أخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂، قالت: سمع رسول الله -ﷺ - رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا». وفي لفظ. «كنت أسقطتهن من سورة كذا». في هذا الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي - ﷺ - فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وكذا فيما طريقه البلاغ، لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع منه تبليغه، والآخر: أنه لا يستمرّ على نسيانه، بل يحصل له تذكره، إما بنفسه، وإما بغيره، وهل يشترط في هذا الفورُ؟ قولان، فأما قبل تبليغه، فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا. وزعم بعض الأصوليين، وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلًا، وإنما يقع منه صورته لِيَسُنّ. قال القاضي عياض: لم يقل به من الأصوليين أحد، إلا أبا المظفر الإسفراييني، وهو قول ضعيف. وقال الإسماعيلي ﵀: النسيان من النبي - ﷺ - لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود ﵁ في السهو. «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون». والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسِخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]. قال: فأما القسم الأول، فعارض سريع الزوال، لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأما الثاني فداخل في قول تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همز. انتهى من الفتح بتصرف . قال الجامع عفا الله عنه: الذي تفيده الأدلة الصحيحة أنه - ﷺ - ينسى كما ينسى سائر البشر، لكن ذلك بعد تبليغه للناس، وحفظهم له، أما قبل التمليغ فلا؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه، حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فلو نسيه قبل التبليغ لما تمكن من تبليغه، فلا يكون محفوظًا، وقد أخبر الله تعالى بأنه حافظ له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (١٨)

١. انظر «سير أعلام النبلاء» جـ ٥ ص ٤٠٢.

٢. شرح مسلم جـ ٦ ص ٧٧.

٣. فتح جـ ١٠ ص ٩٩.

٤. لسان العرب جـ ٥ ص ٣٩٦٤ - ٣٩٦٥.

٥. جـ ٥ ص ٢٥٣٤.

٦. المصباح جـ ٢ ص ٦١٣ - ٦١٤.

٧. انظر. شرح مسلم جـ ٦ ص ٧٧.

٨. أي في رواية «أشَدُّ تَفَلُّتًا» ومثله «التفَصِّي» كما في رواية المصنف ﵀.

٩. راجع «فتح الباري» جـ ١٠ ص ١٠٢.

١٠. السنن الكبرى جـ ٥ ص ١٩.

١١. انظر الفتح جـ ١٠ ص ١٠١.

١٢. الظاهر أنه أراد حديث عائشة ﵂، قالت: سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذًا»، وفي رواية الإسماعيلي: «نَسِيتها».

١٣. فتح جـ ١٠ ص ٩٩ - ١٠٠.

١٤. واختلف في معنى «أجذم»، فقيل: مقطوع اليد، وقيل: مقطوع الحجة. وقيل. مقطوع السبب من الخير. وقيل: خالي اليد من الخير، وهي متقاربة. وقيل: يحشر مجذومًا حقيقة، ويؤيده في رواية زائدة بن قدامة عند عبد بن حميد. «أتى الله يوم القيامة وهو مجذوم». انتهى فتح جـ ١٠ ص ١٠٧.

١٥. انظر «تت»جـ ٨ ص ٢٢٧.

١٦. وفي سنده عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى مختلف فيه. وعثمان بن عبد الله بن أوس ليس له إلا هذا الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان.

١٧. انظر طرح التثريب في شرح التقريب جـ ٣ ص ١٠٢ - ١٠٤.

١٨. جـ ١٠ ص ١٠٤ - ١٠٦.