تعالى حسن جدًّا، وقد قدمت تحقيق المسألة مُستَوفىً بما فيه الكفاية في [كتاب الإمامة] برقم -٣٥/ ٨٢٣ - فإن أحببت الاستفادة فارجع إليه، والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخُدْري رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
١ - أخرجه هنا -٥٦/ ٩٧٣ - وفي «الكبرى» ٣/ ١٠٤٥ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في «الصلاة» عن داود بن رُشَيد، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس- وعن محمد بن
حاخم، عن ابن مهدي، من معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد- كلاهما عن قَزَعَةَ، عنه. وابن ماجه فيه من أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحُبَاب، عن معاوية بن صالح به.
والله تعالى أعلم وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٧٤ - أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ -
وَهُوَ الْقَنَّادُ- قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «كَانَ يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ، فَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، يُسْمِعُنَا الآيَةَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالرَّكْعَةَ الأُولَى -يَعْنِى فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يحيى بن دُرُسْتَ ) بن زياد البصري، ثقة من [١٠]، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٢ - (أبو إِسماعيل القَنَّاد) إبراهيم بن عبد الملك البصري، صدوق، في حفظه شيء، من [٧]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
تنبيه: وقع هنا في نسخ «المجتبى» الموجودة عندي عقب ذكر أبي إسماعيل القَنَّاد، وبين يحيى بن أبي كثير: ما نصه: «حدثنا خالد» وليس موجودًا في «الكبرى»، ونصها: أخبرنا يحيى بن دُرُسْتَ البصري، قال: نا أبو إسماعيل- وأبو إسماعيل إبراهيم بن عبد الملك بصري، قال:
نا يحيى …
وقد تقدم هذا السند بعينه في «المجتبى» برقم ٢٣٣/ ٢٤ - ونصه هناك: أخبرنا يحيى بن درست، قال: أنبأنا أبو إسماعيل -وهو القناد- قال: حدثني يحيى بن أبي كثير …
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن زيادة: «حدثنا خالد» في نسخ «المجتبى» هنا غلط، لما يلي:
الأول: أنه ليس في شيوخ أبي إسماعيل القَنَّاد من اسمه خالد، فلْتُرَاجَعْ ترجمته في «تهذيب الكمال» جـ ٢ ص ١٤٠. وفي «تهذيب
التهذيب» جـ ١ ص ١٤٢. بل ليس له فيهما سوى شيخين: يحيى بن أبي كثير، وقتادة.
الثاني: أنه ليس فيمن روى عن يحيى بن أبي كثير من اسمه خالد، فلتُرَاجع ترجمته في «تهذيب الكمال» جـ ٣١ ص ٥٠٤ - ٥١٠ - و«تهذيب التهذيب» جـ ١١ ص ٢٦٨ - ٢٧٠.
الثالث: تصريح أبي إسماعيل القَنَّاد بالتحديث عن يحيى بن أبي كثير، كما تقدم في نص «الكبرى» في هذا الباب، ونص «المجتبى» في ٢٣/ ٢٤.
والحاصل أن زيادة «حدثنا خالد» هنا غلط. والصواب: حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير … إلخ. هذا ما ظهر لي،
والله تعالى أعلم بالصواب.
٣ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل من [٥]، مات سنة ١٣٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٤ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة من [٢]، مات سنة ٩٥، أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن ربعي، وقيل غيره، السَّلَمي المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا مات سنة ٥٤ على الأصح، أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، غير أبي إسماعيل، فمتكلم فيه، وهم من رجال الجماعة غير شيخه؛ فانفرد به هو، والترمذي، وابن ماجه، وغير أبي إسماعيل؛ فمن أفراده، والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه) أي حدث يحيى بن أبي كثير
(عن أبيه) أي حال كونه آخذًا عن أبيه أبي قتادة الأنصاري ﵁ (عن النبي - ﷺ -) أي حال كون أبي قتادة يتحدث عن شأنه - ﷺ - (قال) أبو قتادة ﵁: (كان) أي النبي - ﷺ - (يصلي بنا الظهر، فيقرأ في الركعتين الأوليين) لم يبين في هذه الرواية ما كان يقرؤه، وقد بينه في الرواية الآتية في الباب التالي -٥٧/ ٩٧٥ - من طريق الأوزاعي، وفي ٩٥/ ٩٧٧ من طريق أبان بن يزيد: أنه كان يقرأ بـ «أم القرآن»، وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر … (يسمعنا الآية كذلك) جملة في محل نصب على الحال، أي حال كونه مسمعًا لنا الآية، وقوله: «كذلك» أي كما أنه يقرأ، يعني كما أنه يقرأ، يسمعنا الآية أيضًا، وأراد به تشبيه ثبوت الإسماع بثبوت القراءة، والمراد أنه يسمعهم أحيانًا، كما بينته رواية الأوزاعي: «ويسمعنا الآية أحيانًا».
(وكان - ﷺ - يطيل الركعة) أي الأولى، ففي رواية الأوزاعي: «وكان يطيل في الركعة الأولى». وفي رواية هشام الدستوائي: «ويطول في الأولى، ويقصر في الثانية». وفي رواية أبان: «وكان يطيل أول ركعة من صلاة الظهر».
وإنما طول في الأولى إعانة لهم على إدراك صلاة الجماعة كاملة بإدراك الركعة الأولى، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية.
(والركعةَ الأولى) بالنصب عطفًا على «الركعة» (-يعني في صلاة الصبح-) أي وكان يطيل الركعة الأولى من صلاة الصبح. والعناية من
بعض الرواة، ولا أدري من هو؟. وفي رواية هشام: «وكان يفعل ذلك في صلاة الصبح، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية».
والحديث دليل لما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعية تطويل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الظهر. وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٦/ ٩٧٤، وفي «الكبرى» ٣/ ١٠٤٦ - بالسند المذكور. و٥٧/ ٩٧٥، و«الكبرى» ٤/ ١٠٤٧ و٥٨/ ٩٧٦، و«الكبرى» ٥/ ١٠٤٨، و٥٩/ ٩٧٧، و«الكبرى» ٦/ ١٠٤٩، و٦٠/ ٩٧٨، و«الكبرى» ٧/ ١٠٥٠. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في «الصلاة» عن أبي نعيم عن شيبان النحوي،
وعن المكي بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، وعن موسى بن إسماعيل، عن همام، وعن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، وعن أبي
نعيم، عن هشام- كلهم من يحيى بن أبي كثير به.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن همام، وأبان بن يزيد كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. وأبو داود فيه عن مسدد، عن يحيى، عن هشام به. وعن الحسن بن علي، عن يزيد ابن هارون به. وعن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به. وابن ماجه فيه عن بشر بن هلال الصواف، عن يزيد بن زريع، عن هشام الدستوائي به.
وأخرجه أحمد في «مسنده»، والدارمي في «سننه»، وابن خزيمة في «صحيحه». والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: دل حديث الباب على استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية.
قال النووي ﵀: هذا مما اختلف فيه العلماء في العمل بظاهره، وهما وجهان لأصحابنا.
أشهرهما عندهم: لا يطول، والحديث متأول على أنه طوّل بدعاء الافتتاح والتعوذ، أو لسماع داخل في الصلاة ونحوه، لا في القراءة.
والثاني: أنه يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدًا، وهذا هو
المذهب الصحيح المختار الموافق لظاهر السنة، ومن قال بقراءة السورة في الأخريين اتفقوا على أنها أخف منها في الأوليين. إنتهى كلام النووي رحمه الله تعالى .
قال الجامع عفا الله عنه. هذا الذي صححه النووي ﵀ من استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية، هو الراجح عندي عملًا
بظواهر الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم.
وقال في «الفتح»: قال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: كأن السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حَذَرًا من الملل. انتهى.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير في آخر هذا الحديث: «فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة». ولأبي داود، وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر.
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني أحب أن يطوّل الإمام الركعة الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس.
واستدل به على استحباب تطويل الأولى على الثانية.
وقال من قال باستحباب استوائهما: إنما طالت الأولى بدعاء الاستفتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء، ويدل عليه حديث أبي
سعيد عند مسلم: «كان يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية». وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حزروا كانوا ثلاثين من الصحابة.
وادعى ابن حبان أن الأولى طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها مع استواء المقروء فيهما. وقد روى مسلم من حديث حفصة ﵂: «أنه - ﷺ - كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها.
واستدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل. قال القرطبي: ولا حجة فيه؛ لأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها، أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة، ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سننها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع، فامتنع الإلحاق. انتهى.
وقد ذكر البخاري في«جزء القراءة»كلامًا معناه أنه لم يَرِدْ عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء. والله أعلم. انتهى ما في«الفتح» .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.