أَغْرِبَةٌ، وأَغْرُب، وغِرْبانٌ، وغُرُب، قال الشاعر:
وَأَنْتُمْ خِفَافٌ مِثْلُ أَجْنِحَةِ الْغُرُبْ
وغَرَابِين: جمع الجمع. والعرب تقول: فلان أبصر من غراب، وأحذر من غراب، وأزهى من غراب، وأصفى عيشًا من غراب، وأشد سوادا من غراب، وإذا نعتوا أرضًا بالخِصْب، قالوا: وَقَعَ في أرض لا يطير غرابها، ويقولون: وجد تَمْرَةَ الغراب، وذلك أنه يتبع أجود التمر، فيَنتَقِيه، ويقولون: أشأم من غراب، وأفسق من غراب، ويقولون: طار غراب فلان: إذا شاب رأسه. ذكره في «لسان العرب» . والله تعالى أعلم بالصواب.
١١١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ تَمِيمَ بْنَ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِبْلٍ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَلَاثٍ، عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ لِلصَّلَاةِ، كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الإمام الحجة الفقيه الثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٤ - (خالد بن يزيد) الجُمَحِيّ، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦.
٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، صدوق [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦.
٦ - (جعفر بن عبد الله) بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري، والد عبد الحميد، وقيل: إن رافع بن سنان جده لأمه، ثقة [٣].
روى عن جده رافع، وعمه عمر بن الحكم، وأنس، وغيرهم. وعنه ابنه يزيد، وسعيد بن أبي هلال، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وغيرهم. قال النسائي: مدني ثقة . وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب حديثان: هذا (١١١٢) وحديث رقم (٣٨٦٢).
٧ - (تميم بن محمود) فيه لين [٤].
روى عن عبد الرحمن بن شبل هذا الحديث. وعنه جعفر بن عبد الله بن الحكم. قال البخاري: في حديثه نظر. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأخرج هو، وابن خزيمة، والحاكم حديثه هذا في صحاحهم. وذكره العقيلي، والدولابي، وابن الجارود في الضعفاء. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (عبد الرحمن بن شِبْل) -بكسر المعجمة، وسكون الموحدة- ابن عمرو بن زيد بن نجدة بن مالك بن لوذان بن عمرو بن عوف بن عبد عوف بن مالك بن الأوس، الأنصاري الأوسي، له صُحبة، وبنو مالك بن لوذان كان يقال لهم في الجاهلية: بنو الصّمّاء، وهي امرأة من مُزَينة، أرضعت أباهم مالك بن لوذان، فسماهم رسول الله - ﷺ - بني السَّمِيعَة، نزل الشام، وكان أحد نقباء الأنصار، وفقهائهم.
روى عن النبي - ﷺ -. وعنه تميم بن محمود، وأبو راشد الحُبْرَاني، ويزيد بن خُمَير، وأبو سلام الأسود، وابن له غير مسمى. قال ابن سعد: كان له ثلاثة بنين، عزيز، ومسعود، وموسى، وبنت تسمى جميلة. وذكره عبد الصمد بن سعيد القاضي فيمن نزل حِمصَ من الصحابة، وحكاه عن محمَّد بن عوف، وعن أبي زرعة الدمشقي، قال: نزل الشام، ومات في إمارة معاوية بن أبي سفيان. وقال أبو راشد الحُبْرَاني: كنا مع معاوية بمسكن، فبعث إلى عبد الرحمن بن شِبْل إنك من أقدم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وفقهائهم، فقم في الناس، وعظهم. رواه الجُوزَجاني في تاريخه. أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف، وأن رجاله ثقات، غير تميم بن محمود، فلين، وأنه مسلسل بالمصريين إلى سعيد بن أبى هلال، وجعفر مدني، ولعل تميما مدني، والصحابي مدني، ثم حمصي، وأن تميما ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا حديثان، حديث الباب، وحديث النهي عن أكل لحم الضب عند أبي داود. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن تميم بن محمود (أن عبد الرحمن بن شبل) رضي الله تعالى عنه (أخبره) أي تميما
(أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثلاث) أي ثلاث خصال، فتذكير العدد باعتبار الخصال (عن نقرة الغراب) بدل من الجار والمجرور قبله. بدل تفصيل من مجمل
و«نقرة الغراب»: كناية عن الإسراع في الركوع والسجود والرفع منهما بحيث لا يطمئنّ الاطمئنان المجزىء.
وقال في «النهاية»: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منْقَاره فيما يريد أكله. انتهى.
(وافتراش السبع) بالجر عطف على «نقرة الغراب»، أي ونهى - ﷺ - عن افتراش السبع. و«الافتراش». افتعال من الفرش، وهو البسط.
و«السبع» بضم الباء: معروف، وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا قال الصغاني: السَّبُعُ والسَّبْع لغتان، وقرىء بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وهو مروي عن الحسن البصري، وطلحة بن سليمان، وأبي حَيْوَةَ، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير، أحَدِ السبعة. ويجمع في لغة الضم على سِبَاع، مثل رَجُل ورجال، لا جمع له غير ذلك على هذه اللغة. قال الصَّغَاني: وجمعه على لغة السكون في أدنى العدد: أَسْبُع، مثل فَلْس وأفلس، وهذا كما خفف ضَبْعٌ، وجمع على أضبُع.
ويقع السبع على كل ما له ناب يَعْدُو به، ويفترِس، كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له ناب، لأنه لا يعدو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع. قاله الأزهري. أفاده في «المصباح» .
ومعنى «افتراش السبع»: أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط السبع والكلب، والذئب ذراعيه. ووجه الحكمة في النهى عنه أنه يشبه هيئة الكسلان، والكسل في الصلاة من صفات المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢].
(وأن يوطن) من التوطين، أو الإيطان، يقال: أوطن الأرض، ووطَّنَها واستوطنها: اتخذها وَطَنًا. والوطن بفتحتين، وتسكن طاؤه: مكان الإنسان، ومَقَرّه، وجمعه أوطان، مثل سبب وأسباب. أفاده في «ق»، و«المصباح».
(الرجل) بالرفع على الفاعلية (المقام) بفتح الميم، وضمها: مكان الإقامة، وهو منصوب على المفعولية (للصلاة) متعلق بـ«يوطن» (كما يوطن البعير) أي مثلما يتخذ
البعير موطِنا، يبرُك فيه.
و«أن» وما دخلت عليه في تأويل المصدر عطف على «نقرة الغراب».
والمعنى نهى النبي - ﷺ - عن أن يتخذ الرجل لنفسه مكانا معينا من المسجد، لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك إلا في مَبْرَك اعتاده في عَطَنه.
قيل: الحكمة في النهي عنه أنه يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ والشهوات، وكل هذه آفات يتعين البعد عنها كلَّ البعد.
وقال في «النهاية»: قيل: معناه أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به، يصلي فيه، كالبعير، لا يأوي من عَطَن إلا إلى مَبْرَك دَمِث، قد أوطنه، واتخذه مُنَاخًا. وقيل: معناه أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود، مثل بروك البعير. انتهى
قال الجامع عفا الله عنه: التفسير الثاني غير موافق للفظ الحديث، كما قاله السندي رحمه الله تعالى. فقد وقع عند ابن ماجه بلفظ: «وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلي فيه كما يوطن البعير». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته؛
حديث عبد الرحمن بن شِبْل رضي الله تعالى عنه هذا صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وفي سنده تميم بن محمود، وهو ضعيف كما تقدم في ترجمته، وقد تفرد به عن عبد الرحمن، ففي تصحيحه نظر.
وحسنه الشيخ الألباني، وقال: يشهد له ما أخرجه أحمد جـ ٥/ ٤٤٧ - بسنده عن عثمان البَتِّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن نقرة الغراب، وعن فَرْشَة السبع، وأن يوطن الرجل مقامه في الصلاة كما يوطن البعير».
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه عبد الحميد بن سلمة مجهول، كما في «التقريب».
لكن يشهد للجزء الأول والثاني منه حديث أنس المتقدم قبل باب، وحديث أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد جـ ٢/ ص ٣١١ - قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام
ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب».
وأخرج أيضا في ج ٢/ ٢٦٥ - قال: ثنا محمَّد بن فضيل، ثنا يزيد بن أبي زياد، حدثني من سمع أبا هريرة - ﵁ -، نحوه. ويزيد ضعيف، لكن الأحاديث يتقوى بعضها ببعض.
والحاصل أن الجزء الأول والثاني صحيح بشواهده، وأما الجزء الثالث، وهو توطين المقام ففي تصحيحه نظر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٤٥/ ١١١٢ - وفي «الكبرى» -٥٠/ ٦٩٦ - عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جعفر بن عبد الله، عن تميم بن محمود، عنه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في «الصلاة» عن أبي الوليد الطيالسي، وقتيبة، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن عبد الله به.
(ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن أبي بشر بن خلف، عن يحيى ابن سعيد- كلاهما عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه جعفر بن عبد الله بن الحكم به.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٢٨ و٤٤٤ و(الدارمي) رقم ١٣٢٩ (وابن خزيمة) ٦٦٢ و١٣١٩ (وابن حبان) ٢٢٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): النهي عن الإسراع في السجود حتى تكون السجدة كنقرة الغراب (ومنها): النهي عن افتراش الذراعين كافتراش السبع (ومنها): النهي عن استيطان المكان للصلاة، كاستيطان البعير المكان للبروك.
قال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد نهي عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، سواء كانت خسيسة، أو شريفة، فنهي عن الإشارة بالأيدي كأذناب الخيل الشُّمْس، ونهي في السجود عن نقرة كنقرة الغراب، ونهي في السلام عن التفات كالتفات الثعلب، ونهي عن الإقعاء كإقعاء الكلب، وعن بروك كبروك الجمل، ومما يتعلق بالصلاة، وهو خارج عنها النهي عن إيطان المصلي في المسجد مكانا واحدا كإيطان البعير. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.