١٦٧ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الذكرِ فِي السُّجُودِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الرخصة في ترك الذكر في السجود مطلقا، سواء ما تقدم ذكره، أو غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا أن ما ورد من الأذكار في السجود ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب لحديث الباب.
ووجه الاستدلال به أنه - ﷺ - أمر المسيء صلاته بالسجود، والطمأنينة فيه، حيث قال: «ويسجد، حتى يمكّن وجهه حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي». . . ولم يأمره بالذكر، فدل على عدم وجوبه، إذ لو كان واجبا لعلمه إياه، لكونه في مقام الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. والاستدلال واضح. وقد تقدم بيان هذا في بحث الركوخ مستوفًى -بحمد الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، أَبُو يَحْيَى بِمَكَّةَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِسٌ، وَنَحْنُ حَوْلَهُ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَأَتَى الْقِبْلَةَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَذَهَبَ، فَصَلَّى، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ،- يَرْمُقُ صَلَاتَهُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَعَلَيْكَ، اذْهَبْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»،. فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِبْتَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّهَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ ﷿، وَيَحْمَدَهُ، وَيُمَجِّدَهُ»، قَالَ هَمَّامٌ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَيَحْمَدَ اللَّهَ، وَيُمَجِّدَهُ، وَيُكَبِّرَهُ»، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ: «وَيَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ، وَيَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَتَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَقُولَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَسْتَوِيَ قَائِمًا، حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ، وَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ»، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «جَبْهَتَهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، وَتَسْتَرْخِيَ، وَيُكَبِّرَ،
فَيَرْفَعَ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ، وَيُقِيمَ صُلْبَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ، فَيَسْجُدَ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ، وَيَسْتَرْخِيَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، أبو يحيى المكي) بصري الأصل، ثقة [١٠] تقدم ١١/ ١١.
٢ - (عبد الله بن يزيد) المكي، أبو عبد الرحمن المقرئ، أصله من البصرة، أو الأهواز، ثقة فاضل مقرىء [٩] تقدم ٤/ ٧٤٦.
٣ - (همام) بن يحيى بن دينار العَوْذِيّ البصري، ثقة ربما وهم، [٧] تقدم ٥/ ٤٦٥.
٤ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) المدني، ثقة ثبت حجة [٤] تقدم ٥٤/ ٦٨.
٥ - (علي بن يحيى بن خلاد بن مالك بن رافع بن مالك) الزرقي الأنصاري، المدني، ثقة [٤] تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
[تنبيه]: هكذا وقع في سند المصنف زيادة «بن مالك» بين «خلاد» و«رافع»، والذي في كتب الرجال أنه «علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان»، فخلاّد ولد رافع. انظر «تهذيب الكمال» جـ ٢١ ص ١٧٣ و«تهذيب التهذيب» جـ ٧ ص ٣٩٤.
و«التقريب» ص ٢٤٩. وغير ذلك من كتب الرجال. فالظاهر أن زيادة «ابن مالك» بين «خلاد» و«رافع» غلط. والله تعالى أعلم.
٦ - (يحيى بن خلاد) بن رافع بن مالك بن العجلان العجلاني الزرقي، المدني، له رؤية، ذكره ابن حبان في «الثقات» تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
٧ - (رفاعة بن رافع) بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري البدري الصحابي ابن الصحابي - ﵄ -، تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ١٠٥/ ١٠٥٣ - حيث أورده المصنف رحمه الله تعالى هناك، مستدلّا به على الرخصة في ترك الذكر في الركوع.
وقوله: «ثم أتى القبلة». أي مكانا من المسجد في جهة القبلة.
وقوله: «يرمق صلاته» مضارع رَمَقَ، يقال: رَمَقَه بعينه رَمْقًا، من باب قَتَلَ: أطال النظر إليه. قاله في «المصباح». يعني أنه - ﷺ - يديم النظر إلى الرجل.
وقوله: «ولا يدري ما يعيب منها» أي لا يعلم ذلك الرجل أيّ شيء يعيب النبي - ﷺ - من صلاته. فـ«يدري» مضارع دَرَى من باب رمى: بمعنى يعلم. و«ما» استفهامية، مفعول مقدم لـ«يعيب» و«يعيب» مضارع عاب الشيءَ متعديا من باب رمى أيضا،
والجملة مفعول «يدري» معلق عنها العامل بسبب «ما» الاستفهامية.
وقوله: «ما عِبْتَ من صلاتي» على صيغة الخطاب، و«ما» استفهامية أيضا.
وقوله: «إنها لم تتم» الضمير للقصّة. وهو الضمير الذي يسمى في المذكر بضمير الشأن، وهو ضمير يُفَسَّر بجملة بعده، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه: ٧٤]، وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. قال ابن مالك رحمه اللَه تعالى في «الكافية الشافية»:
وَمُضمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةِ كَإِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى
لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ
وَإنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلِ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
فِي بَابِ إِنَّ اسْمَا كَثِيرًا يُحْذَفُ … كَإِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ
وَجَائِزٌ تَأنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
وَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأنِيثُهُ كَإِنَّها هِنْدٌ رَشَا
وقوله: «يسبغ الوضوء» من الإسباغ، أي يكمله.
وقوله: «قال همام الخ» هو همام بن يحيى الراوي عن إسحاق بن عبد الله، يعني أنه سمع إسحاق مرة يقول: «ثم يكبر الله ﷿، ويحمده، ويمجده»، ومرّة يقول: «ويحمد الله، ويمجّده، ويكبّره».
وقوله: «ويقرأ ما تيسر من القرآن»، قال بعضهم: فيه دليل للحنفية في قولهم بعدم وجوب قراءة الفاتحة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا غير صحيح؛ لأن المراد بما تيسر هي الفاتحة، فقد ثبت عند أحمد، وأبي داود في هذا الحديث، وصححه ابن حبان «ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت». فظهر بهذا أن المراد بقوله: «ما تيسر» هي الفاتحة. والله تعالى أعلم.
وقوله: «وقد سمعته يقول: جبهته» القائل هو همام كما تقدم قريبا. وبقية مباحث الحديث تقدمت في مبحث الركوع، فراجعها تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمَّد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى «ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى»، أو «غاية المنى في شرح المجتبى».
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
«اللَّهم صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللَّهم بارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».
«السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته».
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الرابع عشر مفتتحًا بالباب ١٦٨ «أقرب ما يكون العبد من الله ﷿» الحديث رقم ١١٣٧.
«سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك».
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الرابع عشر
دار آل بروم للنشر والتوزيع
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح سنن النسائي
جميع الحقوق محفوظة الطعبة الأولى
١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)