HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢١٨

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ، قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَجَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ رِجَالًا مِنَّا يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ، وَرِجَالٌ مِنَّا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: فَلَا تَأْتُوهُمْ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَرِجَالٌ مِنَّا يَخُطُّونَ، قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ. قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ قَالَ: فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، دَعَانِي - بِأَبِي وَأُمِّي هُوَ مَا ضَرَبَنِي وَلَا كَهَرَنِي وَلَا سَبَّنِي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ - قَالَ: إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ. قَالَ: ثُمَّ اطَّلَعْتُ إِلَى غُنَيْمَةٍ لِي تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لِي فِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، وَإِنِّي اطَّلَعْتُ فَوَجَدْتُ الذِّئْبَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: ادْعُهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيْنَ اللهُ ﷿؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَمَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ فَأَعْتِقْهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص392
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٣ ص ١٤

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٤ ص٢٤٩
١٢١٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَجَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ رِجَالًا مِنَّا يَتَطَيَّرُونَ؟، قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ»، وَرِجَالٌ مِنَّا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟، قَالَ: «فَلَا تَأْتُوهُمْ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرِجَالٌ مِنَّا يَخُطُّونَ؟، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ». قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الصَّلَاةِ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، قَالَ: فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دَعَانِي، بِأَبِي وَأُمِّي هُوَ مَا ضَرَبَنِي، وَلَا كَهَرَنِي، وَلَا سَبَّنِي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، قَالَ: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ». قَالَ: ثُمَّ اطَّلَعْتُ إِلَى غُنَيْمَةٍ لِي، تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لِي فِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، وَإِنِّي اطَّلَعْتُ فَوَجَدْتُ الذِّئْبَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ادْعُهَا»، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَيْنَ اللَّهُ -﷿-؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ:»فَمَنْ أَنَا«، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ:»إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، فَأعْتِقْهَا«. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكَوْسَج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨. ٢ - (محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضَّبّيّ مولاهم الفرياني، نزيل قَيْسَارية من الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في حديث سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [٩] ت (٢١٢) تقدم ١٤/ ٤١٨. ٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة نبيل فقيه [٧] ت (١٥٧) تقدم ٤٥/ ٥٦. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلّس ويرسل [٥] ت (١٣٢) تقدم ٢٣/ ٢٤. ٥ - (هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة، ويقال: هلال بن أبي هلال، العامري المدني، وينسب إلى جدّه، فيقال: هلال ابن أسامة، ثقة [٥] تقدم ٥١/ ٦٥. ٦ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ت (٩٤) وقيل: بعد ذلك، تقدم ٦٤/ ٨٠. ٧ - (معاوية بن الحَكَم السُّلَمي) الصحابي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -. روي عن النبي - ﷺ -، وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال أبو عمر بن عبد البرّ: كان ينزل المدينة، ويسكن في بنى سُلَيم، له عن النبي - ﷺ - حديث في الكهانة، والطيرة، والخط، وتشميت العاطس، وعتق الجارية، أحسنُ الناس له سياقةً يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار عنه، ومنهم من يقطّعه، فيجعله أحاديث. قال الحافظ ﵀: وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه. انتهى. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -﵀-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه فما أخرج له أبو داود، وإلا الصحابي، فما أخرج له الترمذي، وابن ماجه، وأخرج له البخاري في «جزء القراءة»، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، يحيى، وهلال، وعطاء، وفيه أن صحابيه - ﵁ - من المقلين ليس له إلا حديث الباب، وحديث آخر على ما تقدم عن الحافظ -﵀- والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن معاوية بن الحكم السُّلَمي) بضم السين، وفتح اللام: نسبة إلى بني سُلَيم (قال: قلت: يا رسول الله أنا) وقع في النسخ المخطوطة «إنّا» بكسر همزة «إنّ» وإدغام نونها في نون «نا» ضمير جماعة المتكلم، وهو خطأ؛ لأنه لا يطابق الخبر، وهو قوله: «حديث عهد» بالإفراد، فالصواب كونه بصيغة «أنا» بفتح الهمزة ضميرا للمتكلم المفرد. ولفظ مسلم «إني حديث عهد»، ولفظ أبي داود: «إنا قوم حديثو عهد بجاهلية» وكلاهما واضحان. فقوله: «أنا» مبتدأ، خبره قوله (حديثُ عهد بجاهلية) ذكر المجد في «ق» من معاني «العهد»: المعرفة، والزمان. فالمعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهلية، أو قريب المعرفة بها. وقال الفيومي: هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال: انتهى. و«الجاهلية»: قال النووي ﵀: قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفُحْشهم. انتهى . والمراد أنه أسلم قريبا، ولم يعرف أحكام الدين. (فجاء الله بالإسلام) قال السندي ﵀: عطف على مقدر، أي كنا فيها، فجاء الله، انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم، لا يحتاج إلى تقدير شيء. والله -تَعَالى- أعلم. وإنما ذكر معاوية بن الحكم - ﵁ - هذا تمهيدا لأسئلته التالية (وإن رجالا منا يتطيّرون) أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من الشيء، واطّيّر منه، والاسم الطِّيَرَة، وزان عنبة، وهي التشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضي لمهمّ مرّت بمَجَاثم الطير، وأثارتها، لتستفيد هل تمضي، أو ترجع، فنهى الشرع عن ذلك. قاله في «المصباح». وقال في «النهاية»: «الطِّيَرَة» -بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن-: التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير، يقال: تَطَيَّرَ طِيَرَةً، وتخيّر خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما. وأصل التطيّر: التفاؤل بالطير، واستعمل لكلّ ما يُتَفاءل به، ويُتَشاءم، وكانت العرب تتطير بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين، ويتشاءمون بالبَوَارح، وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار، وكانت ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، ويمنعهم من السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضرر. انتهى بتصرف . (قال) النبي - ﷺ - جوابًا على سؤاله هذا (ذاك) إشارة إلى التَّطَيُّر المفهوم من «يتطير» (شيء يجدونه في صدورهم) أي ليس له أصل يُسْتَنَدُ إليه، ولا له برهان يُعْتَمَدُ عليه، ولا هو في كتاب نازل من عند الله -تَعَالَى-. وقيل: معناه أنه معفوّ، لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نعم المشي على وفقه منهي عنه، فلذا قال (فلا يصدّنّهم) أي لا يمنعنّهم عما هم فيه. قال السندي ﵀: ولا يخفى أن التفريع على هذا المعنى يكون بعيدا. انتهى. وقال النووي ﵀: قال العلماء: معناه أن التطير شيء تجدونه في نفوسكم، ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم - ﷺ - عن العمل بالطِّيَرَة، والامتناع عن تصرفاتهم بسببها. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، وهو محمول على العمل بها، لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. انتهى . (ورجال منا) مبتدأ سوغه التفصيل، أو الوصف بالجار والمجرور، وخبره جملة قوله (يأتون الكهان) -بضم الكاف، وتشديد الهاء- جمع كاهن. يقال: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ، كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، جمعه كَهَنَة، وكُهّان، ككافر وكَفَرَة، وكُفَّار، وحرفته: الكهانة بالكسر. أفاده في «ق». قال الخطابي ﵀: كان في العرب كَهَنَة يدّعون كثيرا من الأمور، فمنهم من يزعم أن له رَئيًا من الجن، يُلقي إليه الإخبار. ومنهم من يدّعي استدراك ذلك بفهم أعطيه. ومنهم من يُسَمَّى عرّافا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها لِمَعْرِفَةِ من سرق الشيء الفلانيّ، ومعرفة من يتهم بالمرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يُسَمِّي المنجم كاهنا. قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدّعونه. انتهى. (قال) - ﷺ - (فلا تأتوهم) فيه النهي عن إتيان الكهان، والنهي فيه للتحريم. قال النووي ﵀: قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مغيبات، قد يُصادف بعضُها الإصابةَ، فَيُخاف الفتنةُ على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهَّانِ، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الحُلْوَان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغوي ﵏تَعَالَى-: قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهن على كهانته، لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه. وقال الماوردي ﵀تَعَالَى- في «الأحكام السلطانية»: ويَمْنَعُ المحتسبُ الناسَ من التكسب بالكهانة واللَّهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. وقال الخطابي ﵀تَعَالَى-: حُلْوَان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته، وهو محرم، وفعله باطل، قال: وحُلْوَان العَرَّاف حرام أيضا. قال: والفرق بين العرّاف والكاهن أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدّعى الأسرار، والعَرّاف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة، ونحوهما. انتهى . (قال) معاوية بن الحكم - ﵁ - (يا رسول الله ورجال منّا يخُطُّون) أي يستعملون خطّا معروفا عندهم يدّعون به التوصل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة. قال ابن منظور ﵀: والخط الكتابة ونحوُها مما يُخَطّ، وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال في الطَّرْق: قال ابن عباس - ﵄ -: هو الخطّ الذي يخطُّه الحازي -يعني الكاهن- وهو علم قديم تركه الناس، قال. يأتي صاحبُ الحاجة إلى الحازي، فيعطيه حُلْوَانا، فيقول له: اقعُد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة، فيخط الأستاذ خطوطّا كثيرة بالعَجَلة؛ لئلا يَلْحَقها العَدَدُ، ثم يرجع، فيمحو منها على مَهَل خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابنَيْ عيان، أسْرعا البيان، قال ابن عباس - ﵄ -: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة. قال: وكانت العرب تسمي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي الأسْحَمَ، وكان هذا الْخَطُّ عندهم مشؤومًا. وقال الحربي: الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ بشَعير، أو نَوّى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة. وقال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسَام، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرا ما يصيبون. انتهى كلام ابن منظور . (قال) - ﷺ - (كان نبي من الأنبياء) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال (يخط) أي يستعمل الخط معجزةً له (فمن وافق خطه) يحتمل الرفع، والمفعول محذوف، والنصبّ والفاعل الضمير المستتر في «وافق» على حذف مضاف، أي من وافق من الناس خطُّه خط ذلك النبي (فذاك) مبتدأ حذف خبره، واختلف في تقديره، فقيل: فذاك مباح، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول: والجملة جواب الشرط. وقال في «المنهل». قوله: «فذاك»، أي فهو مصيب وعالم بمثل ذلك النبي، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، وامتنعت الموافقة لأن خطه كان معجزةً، ولأنه كان يعرف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَقُ به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخط لقوة فراسته، وكما علمه وورعه. وقال النووي ﵀: اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطَّه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام، لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها. وإنما قال النبي - ﷺ -: «فمن وافق خطه فذاك»، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخطّ، فحافظ النبي - ﷺ - على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال القاضي عياض ﵀: المختار أن معناه أن من وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا منسوخ في شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن . وقال الخطابي ﵀ في «المعالم» ج-٢ ص ٤٣٧: وقوله: «فمن وافق خطه فذاك» يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه، وترك التعاطي له، إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي، لأن خطه كان علمًا لنبوته، وقد انقطعت نبوته، فذهبت معالمها. انتهى. وقال في «المنهل» بعد نقل كلام الخطابي المذكور: ما نصه: ولذا قال المحرّمون لعلم الرمل، وهم أكثر العلماء: لا يُستَدَلُّ بهذا الحديث على إباحته، لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تُعْلَمُ إلا من تواتر، أو نص منه - ﷺ -، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد ذلك، فاتضح تحريمه. انتهى . (قال) معاوية - ﵁ - (وبينا أنا مع رسول الله - ﷺ - في الصلاة إذ عطس) من بابي ضرب، ونصر (رجل من القوم) بالرفع على الفاعلية (فقلت: يرحمك الله) إنما قال له ذلك لأنه - ﷺ - أمره به، ففي رواية أبي داود: قال: «لما قدمت على رسول الله - ﷺ - عُلِّمت أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمت أن قيل لي: إذا عطس العاطس، فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله - ﷺ - في الصلاة، إذ عَطَسَ رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك الله، رافعًا بها صوتي ..» الحديث. (فحدّقني القوم بأبصارهم) من التحديق، وهو شدة النظر، يقال: حدّق إليه بالنظر تحديقًا: شدد النظر إليه. والمعنى أنهم نظروا إليه نظرة منكرة حيث شَمَّتَ العاطسَ في الصلاة، وهو لا يجوز. (فقلت: واثكل أمياه) «وا» نُدْبة ونداء، والنُّدْبَةُ: نداء المتفَجَّع عليه، نحو وازيداهْ، أو المتوجع منه، نحو وا ظهراهْ. و«الثكل» بضم المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما، لغتان، كالبُخْل، والبَخَل، حكاهما الجوهري، وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثكلته أمه -بكسر الكاف- من باب تعب: فقدته، وأثكله الله -تَعَالَى- أمَّهُ، وامرأة ثَكْلَى، وثاكل. و«ثكل» مناد مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة. و«أمياه» -بضم الهمزة، وتشديد الميم- أصله أُمِّي، وهو مضاف إليه «ثُكْل»، ومضاف إلى ياء المتكلم المفتوحة، وزيدت الألف لمد الصوت، وأُردفَ بهاء السكت الساكنة، الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل. فكأنه قال: وافُقْدان أمي وَلَدَهَا -يعني نفسه-، وذلك لعلمه أنه فعل في الصلاة فعلا منافيًا لها. (ما لكم تنظرون إليّ) «ما» استفهامية، أي أيُّ شيء ثبت لكم في نظركم إلي. وفي رواية مسلم، وأبي داود «ما شأنكم تنظورن إلي؟». (قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم) وفي رواية مسلم، وأبي داود: «فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم». وإنما فعلوا ذلك زيادة في الإنكار حتى يسكتَ. قال القرطبي ﵀: يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي - ﷺ - عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهيّ عنه إنما هو ضرب الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعد أن يسمى مَنْ ضَرَب على فخذه، وعليها ثوبه مصفِّقًا، ولهذا قال: «فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم»، ولو كان يسمَّى تصفيقًا لكان الأقرب في اللفظ أن يقول. يصفقون، لا غير. انتهى . وقال النووي ﵀تَعَالَى-. وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا يبطل الصلاةَ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. (فلمّا رأيتهم يسكّتوني) من التسكيت، أو الإسكات. وفي رواية مسلم: «فلمّا رأيتهم يُصمّتونني» (لكني سكت) استدراك على محذوف جواب «لمّا» أي لمّا رأيتهم يسكتوني أردت أن أخاصمهم، لكني سكت عن ذلك. وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» ج-٢ ص ٣٧١ -: قال المنذري ﵀: يريد لم أتكلم، لكني سكت، وورود «لكن» هنا مشكل، لأنه لابدّ أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها، نحو ما هذا ساكنًا، لكنه متحرك، أو ضد له، نحو ما هو أبيض، لكنه أسود. ويحتمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يسكتوني لم أكلمهم، لكني سكت، فيكون الاستدراك لرفع ما توهم ثبوته، مثل ما زيد شجاعًا، لكنه كريم، لأن الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهم نفي كرمه. ويحتمل أن تكون «لكن» هنا للتوكيد، نحو: لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ، فأكدت «لكن» ما أفادته «لو» من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت «لكن» ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. انتهى. (فلما انصرف رسول الله - ﷺ -) أي سَلَّمَ من صلاته (دعاني، بأبي وأمي هو) الجارّ والمجرور متعلق بمحذوف خبر لـ«هو» مقامًا عليه، أي هو: مَفْديٌّ بأبي وأمي. (ما ضربني) تأديبا على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك الله (ولا كهرني) من باب منع، قال أبو عبيد: الكَهْر: الانتهار، وقيل: العُبُوس في وجه من يلقاه. انتهى. وقرأ ابن مسعود - ﵁ - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]. والمعنى أنه أي لم ينتهوني، ولا أغلظ لي في القول، ولا استقبلني بوجه عَبُوس على ما فعلت من المخالفة في الصلاة. (ولا سبني) أي لم يُعَيّرني على ما جنيت (ما رأيت معلّما قيله، ولا بعده أحسن) بالنصب مفعول ثان لـ«رأيت»، إن كانت علمية، أو منصوب على الحال، إن كانت بصرية، أي ما علمت، أو ما أبصرت قلبه - ﷺ -، ولا بعده مُعَلِّمًا أحسن (تعليما) منصوب على التمييز، أي من حيث التعليم (منه) أي من النبي - ﷺ -. (قال) - ﷺ -: (إن صلاتنا هذه) يعني مطلقَ الصلاة، فيشمل الفرائض والنوافل (لا يصلح فيها شيء) وفي رواية «لا يحلّ». و«يصلح» -بضم اللام، وفتحها-، يقال: صلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب قَعَدَ، وصَلَاحًا أيضا، وصَلُحَ يصلحُ -بضم اللام فيهما- لغةٌ، وهو خلاف فسد، وصلَحَ يصلَح -بفتحتين- لغةٌ ثالثة. أفاده في «المصباح». (من كلام الناس) بيان لـ«شيء»، أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكاني ﵀: و«كلام الناس» اسم مصدر يراد به تارةً ما يُتكلّم به، على أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب للناس، والظاهر أن المراد به ها هنا الثاني بشهادة السبب. انتهى . وقال السيوطي -﵀- في «شرحه» ج-٣ ص ١٧ -: هذا من خصائص هذه الشريعة. ذكر القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام في الصلاة، دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك. وقال ابن بطال ﵀: إنما عيب على جُرَيج عدم إجابته لأمه، وهو في الصلاة، لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز قطع الصلاة لإجابة الأم، إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. انتهى. وقال النووي ﵀: وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة، وتفسد به، إذا أتى به عالما عامدا. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: إن قال: يرحمه الله، أو اللَّهُمَّ ارحمه، أو رحم الله فلانا لم تبطل صلاته، لأنه ليس بخطاب. وأما العاطس فيستحب له أن يحمد الله -تَعَالَى- سرّا. هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وغيره، وعن ابن عمر، والنخعي - ﵃ - أنه يجهر به، والأول أظهر، لأنه ذكر، والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار، إلا ما استثني، من القراءة في بعضها، ونحوها. انتهى «شرح مسلم»ج -٥ ص ٢١. (إنما هو التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن) «هو» ضمير يعود إلى الشيء الذي يصلح في الصلاة، وهو مبتدأ خبره «التسبيح» الخ. زاد في رواية مسلم، وأبي داود: «أو كما قال رسول الله - ﷺ -». وهو شك من معاوية ابن الحكم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أو من أحد الرواة، أتى بها تحريا، واحتياطا في الألفاظ النبوية. والله -تَعَالَى- أعلم. قال النووي ﵀تَعَالَى-: في هذا الحديث تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة، أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة، أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه، أو إذن لداخل، ونحوه سبّح، إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت أمرأة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة ﵏، والجمهور من السلف والخلف. وقالت طائفة، منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة، لحديث ذي اليدين، وسنوضحه في موضعه، إن شاء الله -تَعَالَى-. وهذا في كلام العامد العالم، أما الناسي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجمهور. وقال أبو حنيفة -﵀-، والكوفيون: تبطل. دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر كلام الناسي، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما تبطل صلاته، لأنه نادر. وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناس، فلا تبطل الصلاة بقليله، لحديث معاوية بن الحكم - ﵁ - هذا الذي نحن فيه، لأن النبي - ﷺ - لم يأمره بإعادة الصلاة، لكن علّمه تحريم الكلام فيما يستقبل. قال الجامع عفا الله تعَالَى عنه: سيأتي البحث عن حكم الكلام في الصلاة مستوفى في المسألة الخامسة، إن شاء الله -تَعَالَى-. قال: وأما قوله - ﷺ -: «إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»، فمعناه هذا ونحوُهُ، فإن التشهد، والدعاء، والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح، وما في معناه من الذكر، والدعاء، وأشباههما، مما ورد به الشرع. انتهى «شرح مسلم» ببعض تصرف ج-٥ ص ٢١. وقال الشوكاني ﵀: قوله: «إنما هو التسبيح الخ» هذا الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة. وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، من الحنفية والهادوية. ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية وأذكار مخصوصة في الصلاة مُخَصِّصَةٌ لعموم هذا المفهوم، وبناءُ العامّ على الخاصّ متعين، لا سيما بعد ما تقرّر أن تحريم الكلام كان بمكة ، كما قدّمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خَصَّصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره، وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العامّ في مقابلتها، وجعلوه معارضا لها، وردّوها به، وغفلوا عن بطلان معارضة العامّ بالخاصّ، وعن رُجْحان المنطوق على المفهوم، إن سُلِّمَ التعارُضُ. انتهى كلام الشوكاني ﵀تَعَالَى -، وهو كلام حسن جدًا. وقال النووي ﵀: وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم، فسبح، أو كبر، أو قرأ القرآن لا يحنث، وهذا هو الصحيح في مذهبنا. قال: وفيه دلالة لِمَذْهَبِ الشافعي ﵀تَعَالَى- والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة، وجزء منها. وقال أبو حنيفة ﵀: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها، مُتَقَدِّم عليها. انتهى «شرح مسلم» ج-٥ ص ٢١. (قال) معاوية بن الحكم - ﵁ - (ثم اطلعت) -بتشديد الطاء- يقال: طَلَع فلان علينا، كمنع، ونصر: أتانا، كاطَّلَع، قاله في «ق». أي أتيت (إلى غُنَيمةٍ لي) تصغير غَنَم. قال الفيّومي ﵀: و«الغَنَمُ»: اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد تُجمَع على أغنام، على معنى قُطْعَانَات من الغَنَم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباري. وقال الأزهري أيضا الغَنَم: الشاءُ، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمَانِ، أي قَطِيعان من الغنم، كلّ قَطيع منفرد بمرعًى وراع. وقال الجوريَ. الغنم اسم مؤنث موضوع لجنس الشاء، يقع علي الذكور والإناث، وعليهما، ويُصغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنَيمة، لأن أسماء الجُمُوع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرَت، فالتأنيث لازم لها. انتهى. (ترعاها جارية لي) أي تحفظ تلك الغُنَيمَة أمة لي، وسميت الأمةُ جاريةً تشبيها لها بالسفينة الجارية في البحر، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشَّابَّةُ لخفتها، ثم توسعوا حتى سمَّوْا كُلَّ أمة جاريهً، وإن كانت عجوزًا، لا تقدر على السعي، تسمية بما كانت عليه، وجمعها جَوَارِي. أفاده في «المصباح». (في قِبَلِ أُحُدٍ) -بكسر القاف، وفتح الموحدة- أي في جهة أُحُد، وهو -بضمتين- جبل بقرب مدينة النبي - ﷺ - من جهة الشام، وكان به الوَقْعَة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيمنع، وليس بالقويّ. أفاده الفيومي. (والجَوّانيّة) -بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدودة- قال النووي ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكري، والمحققون، وحكى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء والمختار التشديد. و«الجَوّانيّة»: موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَل الفُرْع، فليس بمقبول، لأن الفُرْع -بضم، فسكون-: بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُدٌ في شام المدينة ، وقد قال في الحديث: «في قبل أحد والجَوَّانية»، فكيف يكون عند الفُرْع. قال: وفيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرَّعْي، وإن كانت تنفرد في المَرْعَى، وإنما حرّم الشرع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها، وانقطاع ناصرها، والذّابّ عنها، وبُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها، أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تمكن الحرّة ولا الأمة من الرعي حينئذ، لأنه يصير في معنى السفر الذي حرّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم، أو نحوه ممن تأمن معه على نفسها، فلا يمنع، كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى «شرح مسلم» ج-٥/ ٢٣ - ٣٤. (وإني اطّلعت) -بشديد الطاء- من الاطلاع، يقال: اطّلعت على الشيء، إذا أشرفت عليه، وعلمته. أي أشرفت على تلك الغُنَيمة (فوجدت الذئب) -بكسر، فسكون-: كلب البرّ والجمع أذْؤُب في القليل، وذِئَابٌ وذُؤْبَان، والأنثى ذئبة بالكسر، يْهُمَز، ولا يهمز، وأصله الهمز. أفاده في «اللسان». وفي «المصباح»: «الذئب»: يهُمز، ولا يهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القليل أذؤب، مثل أفْلُس، وجمع الكثير ذئاب، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب بالياء لوجود الكسرة. انتهى. (قد ذهب منها بشاة) وفي رواية مسلم: «فاطّلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها» (وأنا رجل من بني آدم آسف) بمدّ الهمزة، وفتح السين، أي أغضب، يقال: أسِفَ آسفًا، من باب تعب: حَزِنَ وتَلَهّف، فهو أسف، مثل تعب، وأسفَ مثل غضب وزنا ومعنى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته. قاله في «المصباح». (كما يأسفون) أي كما يغضب بنو آدم إذا أصيب ما لهم (فصككتها صكّة) أي لطمتها لطمةً. يقال: صَكّة صكًا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة. (ثم انصرفت إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبرته) أي ما فعله بالجارية (فعظّم) من التعظيم (ذلك عليّ) أي جعل ما فعلته بها فعلا عظيمًا منكرًا (فقلت: يا رسول الله أفلا أُعْتقها؟) بهمزة الاستفهام، وهذا العتق لأجل كفارة عليه، من نذر ونحوه، كما بينه مالك في «الموطإ»، ولفظه: «وعليّ رقبة أَفَأُعْتِقُهَا». ويحتمل أن يكون كفارة عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لمّا عظّم رسول الله - ﷺ - ذلك عليه أراد أن يكفره بِعِتْقِ رقبة، فسأل، هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟. (قال) - ﷺ - (ادعها) وفي رواية مسلم: «قال: ائتني بها، فأتيته بها». وإنما أمره - ﷺ - بالإتيان بها، ليتبين كونَها مؤمنةً يُعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه. (فقال رسول الله - ﷺ -) عطف على مقدر، كما بينته رواية مسلم المذكورة، أي دعوتها له - ﷺ -، فأتت، فقال لها (أين الله -﷿-؟، قالت: في السماء) قال النووي ﵀: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه ، مع اعتقاد أن الله -تَعَالَى- ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كأن المراد امتحانها، هل هي موحّدة، تُقرّ بأن الخالق المدبر الفعّال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين أم هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: «في السماء» علم أنها موحدّة، وليست عابدة للأوثان . قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: ما أبعد هذا التأويل عن معنى هذا النص، وما أسمجه، وأسخفه!! فهل من عاقل يفهم لغة العرب إذا سمع قول النبي - ﷺ -: «أين الله؟»، وجواب الأمة بقولها: «في السماء» يفهم هذا التأويل منه، إن هذا لهو العجب العُجاب. سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا … شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ وبالجملة فهذا تأويل ما أنزل الله به من سلطان، ولا ذهب إليه أولوا الهداية والعرفان، فالصواب الذي عليه المُعوّل هو المذهب الأوّل، وهو الذي كان عليه سلف الأمة، الذين كان الأسوةُ بهم عينَ الرحمة، ومخالفتهم سبب الضلال والنقمة،- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين، وسلك بنا مسلكهم الأمين. آمين آمين آمين. وقال القاضي عياض ﵀: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم، ومحدثهم، ومتكلميهم، ونظارهم، ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله -تَعَالَى- في السماء، كقوله -تَعَالَى-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوقُ من غير تحديد، ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول «في السماء» أي على السماء، ومن قال من دُهَماء النظار والمتكلمين، وأصحاب التنزيه بنفي الحدّ، واستحالة الجهة في حقه ﷾ تأولها تأويلات بحسب مقتضاها، وذكر نحو ما تقدم عن النووي. قال: وياليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كُلَّهُمْ على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا، وسكتوا، لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف، والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم، وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته، ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح، وهل بين التكييف، وإثبات الجهة فرق؟، لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده، وأنه استوى على العرش، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله -تَعَالَى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عصمة لمن وفقه الله -تَعَالَى-. انتهى . قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: كلام القاضي ﵀تَعَالَى- الأخير هو الذي نعوّل عليه، فنثبت لله -تَعَالَى- ما أثبته، فلا نعطل، وننفي عنه التشبيه، فلا نمثل، وأما قوله: ويا ليت شعري إلى قوله: وهل بين التكييف وإثبات الجهة فوق؟ فكلام غير صحيح، إذ الفرق بينهما واضح حيث إن التكييف غير جائز، لقوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأما إثبات الجهة بمعنى أنه -تَعَالَى- فوق العرش، وفوق مخلوقاته فوقية تليق بجلاله ﷾، فصحيح جائز الإطلاق، لقوله -تَعَالَى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية، ولحديث الباب: «أين الله؟ قالت: في السماء». . . إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة التي تثبت الفوقية لله ﷾. والله -تَعَالَى- أعلم. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀تَعَالَى- في «الاستذكار» ج-٢٣ ص ١٦٧ - ١٦٨ - في شرح هذا الحديث: ما نصه: وأما قوله في هذا الحديث للجارية: «أين الله؟» فعلى ذلك جماعة أهل السنة، وهم أهل الحديث، ورواته المتفقون فيه، وسائر نقلته كلهم يقولون ما قال الله -تَعَالَى- في كتابه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأن الله -﷿- في السماء، وعلمه في كل مكان، وهو ظاهر القرآن في قوله -﷿-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] وبقوله -﷿-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ومثل هذا كثير في القرآن. ولم يزل المسلمون إذا دَهَمَهم أمر، يُقْلقهم، فزعوا إلى ربهم، فرفعوا أيديهم، وأوجههم نحو السماء، يدعونه، ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التشبيه، والله المستعان، ومن قال بما نطق به القرآن، فلا عيب عليه عند ذوي الألباب انتهى. قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر ﵀تَعَالَى- هو عين التحقيق، وما عداه انحراف عن الصواب سحيق، وستكون لي عودة إلى إتمام كلام الحافظ أبي عمر ﵀تَعَالَى- في المسألة السادسة، إن شاء الله -تَعَالى-. (قال) - ﷺ - (فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله - ﷺ -، قال: «إنها مؤمنة») جملة تعليلية مقدمة على معلولها، وهو قوله (فأعتقها) أي أعتقها لأنها مؤمنة، فتجزيك عن الرقبة التي عليك. قال النووي ﵀: وفي هذا الحديث دلالة على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر، وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل، كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار، واليمين، والجماع في رمضان. فقال الشافعي، ومالك، والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد في كفارة القتل. وقال أبو حنيفة ﵀، والكوفيون: يجزئه الكافر، للإطلاق، فإنها تسمى رقبة: انتهى شرح مسلم ج-٥ ص ٢٥. قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المواضع المناسبة لها، إن شاء الله -تَعَالَى-. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث معاوية بن الحكم السُّلَمي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٠/ ١٢١٨ - وفي «الكبرى» -٥٥/ ١١٤١ - عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عنه. وفي «السير» من «الكبرى» -٧/ ٨٥٨٩ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير به، بقصة الجارية فقط. وفي «التفسير» منه -كما قال الحافظ المزيّ- عن قتيبة، عن مالك، عن هلال بن أسامة -وهو ابن أبي ميمونة- عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم به. كذا يقول مالك: عمر بن الحكم. وفي «النعوت» منه -٥٢/ ٧٧٤٦ - عن قتيبة- والحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم - كلاهما عن مالك به. بقصة الجارية. والله -تَعَالَى- أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ﵀تَعَالَى- في «الاستذكار» ج ٢٣ ص ١٦٦: ما حاصله: هكذا رواه جماعة رواة «الموطإ» عن مالك، كلهم قال فيه: «عن عمر بن الحكم»، وهو غلط، ووهَمٌ منه، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم السُّلَمي، وكذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال هذا، وهو هلال بن علي بن أبي ميمونة، وأبو ميمونة اسمه أسامة، فربما قال: هلال بن أسامة، وربما قال: هلال بن أبي ميمونة، ينسبونه كله إلى ذلك، وربما قالوا: هلال بن علي بن أبي ميمونة، وهو مولى عامر بن لؤي. وأما معاوية بن الحكم، فمعروف في الصحابة، والحديث له محفوظ. وقد يمكن أن يكون الغلط في اسمه جاء من قبل هلال شيخ مالك، لا من مالك، والدليل على ذلك رواية مالك في هذا الحديث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم في غير «الموطإ»، ولم يقل: «عمر بن الحكم»، وقال فيه معاوية بن الحكم، إلا أن مالكا لم يذكر في روايته لهذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الحكم، عن النبي - ﷺ -، إلا قصة إتيان الكُهّان، والطيرة، لا غير، وكذلك رواه سائر أصحاب ابن شهاب. انتهى المقصود من «الاستذكار». وقال في «التمهيد» ج-٢٢ ص ٧٨ - بعد ذكر نحو ما تقدم: ما نصه: قال الطحاوي: سمعت، الْمُزَنِي يقول: قال الشافعي: مالك بن أنس يسمي هذا الرجل «عمر بن الحكم»، وإنما هو «معاوية بن الحكم»، قال الطحاوي: وهو كما قال الشافعي، وقال الطحاوي: وقال مالك: هلال بن أسامة، وإنما هو هلال بن علي، غير أن قائلا قال: هو هلال بن علي بن أسامة، فإن كان كذلك، فإنما نسبه مالك إلى جده. انتهى. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٢/ ٧٠ و٧١ و٧/ ٣٥ عن أبي جعفر محمد بن الصباح، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن إسماعيل ابن علية، عن حجاج الصوّاف به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي به. (د) ٩٣٠ و٣٢٨٢ و٣٩٥٩ - عن مسدد، عن يحيى القطان به وفي ٩٣٠ - عن عثمان بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية به. وأخرجه مالك في (الموطإ) ص ٤٨٥ (وأحمد) ٥/ ٤٤٧ و٥/ ٤٤٨ (والدارمي) رقم ١٥١٠ و١٥١١. والبخاري في (خلق أفعال العباد) ٢٦ وفي (جزء القراءة) ٦٩ و٧٠. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -﵀-، وهو بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو تحريم كلام الناس، وإنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، ونحوها من الأذكار والدعوات. ومنها: تحريم التطيّر، والتشاؤم بالأشياء. ومنها: تحريم الكهانة، وتحريم إتيان الكهان. ومنها: تحريم الخطّ المسمّى بضرب الرمل، وبيان أنه كان نبي من الأنبياء يفعله، فهو علم خاص به، لا يجوز لأحد أن يتعاطاه، لأنه لا يعلم، هل يصيب خطه، أم لا؟ ومنها: أن تشميت العاطس من جملة كلام الناس الذي لا يجوز في الصلاة، فلو شمت عاطسًا، وهو في الصلاة بطلت صلاته، إن كان عالمًا عامدًا. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من مكارم الأخلاق، والملاطفة في التعليم، فلا يضرب من يعلمه إذا أساء، ولا يعنّفه، ولا يسبه، ولا يعبّس وجهه في وجه عليه، بل يرشده بلطف، وحكمة، فكان المثل الأعلى في الخلق العظيم، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وكان لين الجانب، كما قال -تَعَالَى-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية، وكان رحمة للعالمين، كما قال -تَعَالَى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الخفيف]: رَحْمَةٌ كلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ … وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ فينبغي التخلق بأخلاقه - ﷺ - في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه. ومنها: جواز استخدام الجارية في رعي الأغنام، ونحوه. ومنها: تعظيم ضرب الخادمة إذا ضاع منها شيء بغير تعديها. ومنها: الترغيب في الرأفة والرفق بالخادم، والتنفير من إهانتهم. ومنها: تعظيم شأن المؤمن وإكرامه والإحسان إليه. ومنها: أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله -تَعَالَى-، وبرسالة محمد - ﷺ -. ومنها: أن من أقرّ بالشهادتين، واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة، ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، كما قاله النووي ﵀تَعَالَى-. والله ﷾ أعلم. المسألة الخامسة: في بيان اختلاف العلماء في حكم الكلام في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀تَعَالَى-: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة. واختلفوا فيمن تكلم في صلاته عامدا يريد إصلاح صلاته، فقالت طائفة: عليه الإعادة، وممن هذا قولُهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: من تكلم في صلاته في أمر عذر، فليس عليه شيء، فلو أن رجلا قال للإمام، وقد جهر بالصلاة بالقراءة في صلاة العصر: إنها العصر، لم يكن عليه شيء، ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر، أو مكان، فصاح به، أو انصرف إليه، أو انتهره، لم يكن عليه بذلك شيء. هذا قول الأوزاعي، واحتجّ بأن ذا الشمالين قد تكلم مع النبي - ﷺ -، وقد تكلم عمر بن الخطاب مع النبيﷺ -. وقد حُكي عن مالك أنه سئل عمن صنع في صلاته مثل ما صنع رسول الله - ﷺ - في يوم ذي اليدين حين كلم الناس، وكلموه؟ قال: أرى أن يصنع في ذلك كما صنع النبي - ﷺ -، ولا يخالف فيمن سن فيه، فإنه قال: «أنس لأسُنَّ» ، فقد سنّ، فأرى أن يبني هو ومن كلمه على ما صلّوا، ولا ينبذوا صلاتهم، ولا يخالفوا ما صنع رسول - ﷺ -. قال ابن المنذر ﵀: أما الإمام فإذا تكلم، وهو عند نفسه أنه خارج عن صلاته، وقد أكملها، فصلاته تامّة إذا أكملها، وأما القوم الذين خلفه، فإن كانوا قد علموا أن إمامهم لم يكمل صلاته، فكلموه، وهم يعلمون أنهم في بقية من صلاتهم، فعليهم الإعادة، لأن حالهم خلاف من كان مع رسول الله - ﷺ - من وجهين: أحدهما: أن الفرائض قد كان يزاد، وينقص منها، ويُنقَلون من حال إلى حال، والنبي - ﷺ - بين أظهرهم، ألا ترى إلى قول ذي اليدين: «أقصرت الصلاة، أم نسيت؟» فلم يكن من كلام رسول الله - ﷺ - في ذلك الوقت مستيقن أنه متكلم في الصلاة، لاحتمال أن تكون قصرت، وليست الحال اليوم كذلك، لأن الفرائض قد تناهت، فلا يزاد فيها، ولا ينقص إلى يوم القيامة. والوجه الثاني: أن القوم الذين كانوا، ورسول الله - ﷺ - حيّ فيهم، قد أُوجب عليهم أن يستجيوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، يدلّ على ذلك حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد بن المعَلَّى. قال الجامع عفا الله عنه: أما حديث أبي هريرة - ﵁ - فسيأتي بعد باب، وأما حديث أبي سعيد بن المعلّى فقد تقدم في-٢٦/ ٩١٣. قال ابن المنذر ﵀: وليست كذلك الأئمة بعد رسول الله - ﷺ -، ليس لأحد أن يجيب إمامًا يدعوه بعد رسول الله - ﷺ -، بل على من أجاب إمامه، وهو يعلم أنه في بقية من صلاته الإعادةُ. قال: واختلف أهل العلم في المصلي يتكلم في صلاته ساهيا، أو سلم قبل أن يكمل الصلاة، وهو ساه، فقالت طائفة: يبني على صلاته، ولا إعادة عليه، وممن صلى، فسلم في ركعتين، وبنى عليها، وسجد سجدتي السهو عبد الله بن الزبير، وقال ابن عباس - ﵄ -: أصاب ورُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وفعل ذلك عروة بن الزبير. وبه قال عطاء، والحسن البصري، وقتادة، وسلّم أنس بن مالك في الظهر، أو العصر في ثلاث ركعات، ثم قام، فأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو. وهذا قول عوامّ أهل الفُتْيا من علماء الأمصار، منهم سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وحكي ذلك عن أبي الزناد، وابن أبي ليلى، وقال الشعبي: إذا تكلم في صلاته بَنَى على ما مضى، ومين رأى أن يبني على صلاته إذا تكلم ساهيا أو جاهلا: يحيى الأنصاري، والأوزاعي، وبه قال أبو ثور، وحكي ذلك عن مالك والشافعي. وقالت طائفة: إذا تكلم ساهيا يستقبل صلاته، كذلك قال النخعي، وقتادة، وحماد ابن أبي سليمان، والنعمان، وأصحابه. قال ابن المنذر ﵀: واحتج الذين قالوا: لا إعادة على من تكلم في صلاته بحديث ذي اليدين -يعني الآتي بعد باب- وأما ما ادعاه بعضهم من نسخ الكلام، فإنما نسخ منه عمد الكلام، وكان النسخ بمكة ، وإسلام أبي هريرة بعد مقدم رسول الله - ﷺ - المدينة بسبع سنين أو نحوها، وأبو هريرة يقول: صلى بنا رسول الله - ﷺ -، والكلام ساهيًا في الصلاة ليس من هذا الباب بسبيل. فلو أن إمامًا سأل الناس اليوم، وهو عند نفسه أنه قد أكمل الصلاة، ثم تبين له أنه لم يكملها بنى على صلاته، وإذا سأل أصحابه، فكانوا في السهو مثله، فسبيلهم سبيله، وإن علموا أنهم لم يكملوا صلاتهم، فأجابوا إمامهم كانوا مفسدين لصلاتهم، وعليهم الإعادة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تَعَالى ملخصًا . وهو بحث نفيس جدًا. وقد حقق بحث الكلام في الصلاة الإمام النووي ﵀تَعَالَى- في كتابه الحافل الكافل «المجموع»، بتفصيل مستوعب مفيد، فقال: هو ثلاثة أقسام: (أحدها): أن يتكلم عامدًا، لا لمصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره، لحديث معاوية بن الحكم - ﵁ - يعني حديث الباب- وحديث ابن مسعود، وحديث جابر، وحديث زيد بن أرقم - ﵃ - وغيرها من الأحاديث التي سنذكرها، إن شاء الله -تَعَالَى-. (الثاني): أن يتكلم لمصلحة الصلاة بأن يقوم الإمام إلى خامسة، فيقول: قد صلّيت أربعًا، أو نحو ذلك، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه تبطل الصلاة به، وقال الأوزاعي: لا تبطل، وهي رواية مالك، وأحمد، لحديث ذي اليدين. ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولقوله - ﷺ -: «من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال، وليصفق النساء»، ولو كان الكلام مباحًا لمصلحتها لكان أسهل وأبين، وحديث ذي اليدين جوابه ما سنذكره، إن شاء الله -تَعَالَى-. (الثالث): أن يتكلم ناسيًا، ولا يطول كلامه، فمذهبنا أنه لا تبطل صلاته، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، والشعبي، وقتادة، وجميع المحدثين، ومالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم، - ﵃ -. وقال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية: تبطل، ووافقنا أبو حنيفة أن سلام الناسي لا يبطلها. واحتُجَّ لمن قال تبطل بحديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: كنا نسلم على رسول الله - ﷺ -، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه، فلم يردّ علي، فقلت: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: «إن في الصلاة شغلًا». رواه الشيخان. وفي رواية أبي داود وغيره زيادة: «وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» . وعن جابر - ﵁ -، قال: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة، فانطلقت، ثم رجعت، فأتيت النبي - ﷺ -، فسلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، ثم سلمت، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فقال: «إنما منعني أن أردّ عليك أني كنت أصلي»، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة. رواه الشيخان. وعن زيد بن أرقم - ﵁ -، قال: «إن كنّا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - ﷺ -، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام». رواه الشيخان . وليس في رواية البخاري «ونهينا عن الكلام»، وفي رواية الترمذي: «كنا نتكلم خلف رسول الله - ﷺ -». وبحديث معاوية بن الحكم - ﵁ -، «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». رواه مسلم. -يعني الحديث المذكور في هذا الباب- وبحديث جابر - ﵁ - مرفوعًا «الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء». وهو حديث ضعيف. وبحديث «من قاء في الصلاة، أو قَلَسَ فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم». وهو ضعيف أيضًا. واحتَجَّ أصحابنا بحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - الظهر، أو العصر، فسلم، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لهم رسول الله - ﷺ -:»أحقّ ما يقول؟ «قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين». رواه الشيخان من طرق كثيرة جدًا، وهكذا هو في مسلم، وفي مواضع من البخاري «صلى بنا رسول الله - ﷺ -». وفي رواية لمسلم «صلى لنا» . وعن عمران بن حصين - ﵄ - «أن رسول الله - ﷺ - صلى العصر، فسلم في ثلاث، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله»، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرّ رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم«. رواه مسلم . قال أصحابنا: ومن الدليل لنا أيضا حديث معاوية بن الحكم، فإنه تكلم جاهلا بالحكم، ولم يأمره النبي - ﷺ - بالإعادة، قالوا: وقياسًا على السلام سهوا، وعمدة المذهب حديث ذي اليدين. واعترض القائلون بالبطلان عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن مسعود، وزيد ابن أرقم - ﵄ -، قالوا: لأن ذا اليدين قتل يوم بدر، ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه، وهو متأخر الإسلام عن بدر، لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبي - ﷺ -، أو صحابي. وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبة صحيحة حسنة مشهورة، أحسنها، وأتقنها ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في «التمهيد»، قال: أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود، فغلط، لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث أبن مسعود - ﵁ - كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة ، وأن حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف. وأما حديث زيد بن أرقم - ﵁ -، فليس فيه أنه قبل حديث أبي هريرة، أو بعده، والنظر يشهد أنه قبله. قال: وأما قولهم: إن أبا هريرة لم يشهد ذلك، فغلط، بل شهوده له محفوظ من روايات الثقات الحفاظ، ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة قال: «صلى لنا رسول الله - ﷺ -»، وفي رواية «صلى بنا»، وفي رواية صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة، قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر سلم رسول الله - ﷺ - بين الركعتين، فقال رجل من بني سليم. . .»، وذكر الحديث. قال ابن عبد البرّ ﵀: وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابنُ عمر، وعمرانُ بن الحُصَين، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء المهملة- وابن مسعدة، رجل من الصحابة، وكلهم لم يحفظ عن النبي - ﷺ -، ولا صَحبَه إلا بالمدينة متأخرا، ثم ذكر أحاديثهم بطرقها، قال: وابن مسعدة هذا يقال له صاحب الجيوش، اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، له رواية. قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قتل يوم بدر، فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، لأن ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر. قال ابن إسحاق: ذو الشمالين. عمير بن عمرو بن غبشان، من خزاعة. فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر، لأن ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمرو، ذكره مسلم في رواية، وهو من بني سُلَيم، كما ذكره مسلم في «صحيحه». وقال غير ابن عبد البرّ: وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبي - ﷺ - زمانا. قال ابن عبد البرّ: فذو اليدين المذكور في حديث السهو غير المقتول ببدر، هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه. قال: وأما قول الزهري: إن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين، فلم يتابع عليه، قال: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة. ثم ذكر طرقه، وبيّن اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر عن مسلم بن الحجاج تغليطه الزهري في هذا الحديث. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه لاضطرابه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا النبي - ﷺ -، فقول الزهري: إنه قتل يوم بدر متروك، لتحقق غلطه فيه. قال النووي ﵀: هذا مختصر قول ابن عبد البرّ، وقد بسط ﵀ شرح هذا الحديث بسطا لم يبسطه غيره مشتملًا على التحقيق والإتقان والفوائد الجمّة ﵀، ورضي عنه. وذكر البيهقي ﵀ بعض هذا مختصرًا، فمما قال: إنه لا يجوز أن يكون حديث أبي هريرة - ﵁ - منسوخًا بحديث ابن مسعود - ﵁ -، لتقدم حديث ابن مسعود، فإنه كان حين رجع من الحبشة، ووجوعُهُ منها كان قبل هجرة النبى - ﷺ - إلى المدينة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، فحديثه في التسليم كان قبل الهجرة، ثم روى البيهقي ذلك بأسانيده. ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن ابن مسعود - ﵁ - قدم مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة، وأنه شهد بدرًا بعد ذلك. ثم روى البيهقي بإسناده عن الحميدي شيخ البخاري أنه حمل حديث ابن مسعود - ﵁ - على النهي عن الكلام عامدا، قال: لأنه قدم من الحبشة قبل بدر، وإسلام أبي هريرة - ﵁ - سنة سبع من الهجرة، وإسلام عمران بن الحُصَين - ﵄ - بعد بدر، وقد حضرا قصة ذي اليدين، وحضرها معاوية بن حُدَيج، وكان إسلامه قبل وفاة النبي - ﷺ - بشهرين، وذكر حديث ابن عمر - ﵄ - أيضا، ثم قال: فعلمنا أن حديث ابن مسعود في العمد، ولو كان في السهو لكانت صلوات رسول الله - ﷺ - هذه ناسخة له، لأنها بعده. ثم روى البيهقي عن الأوزاعي، قال: كان إسلام معاوية بن الحكم - ﵁ - في آخر الأمر، فلم يأمره النبي - ﷺ - بإعادة الصلاة، وقد تكلم جاهلًا. وذكر الشافعي ﵀ في «كتاب اختلاف الأحاديث» نحو ما سبق من كلام الأئمة، قال: ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين. قال البيهقي ﵀: ذو اليدين بقي حيّا بعد وفاة النبي - ﷺ -. فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين، والقوم، وهم بعدُ في الصلاة؟ فجوابه من وجهين: (أحدهما): أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة لأنهم كانوا مجوّزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ (والثاني): أن هذا خطاب وجواب للنبي - ﷺ -، وذلك لا يبطل الصلاة، وفي رواية لأبي داود وغيره: إن القوم لم يتكلموا، وتحمل رواية «نعم» عليها. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى كلام النووي ﵀تَعَالَى- في «المجموع» بتغيير يسير. قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: قد تبين مما ذكر من الأدّلة أن المذهب الراجح هو ما عليه الجمهور، وهو أن من تكلم ساهيًا، أو جاهلًا، لم تبطل صلاته، وأما من تكلم عامدًا، وهو يعلم بتحريم الكلام في الصلاة فقد بطلت صلاته. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في الكلام على قول الجارية: «في السماء»، ومثله قوله -تَعَالَى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقولُ النبي - ﷺ - في الحديث المتفق عليه: «ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا. .» الحديث. لقد حقق الحافظ الناقد البصير أبو عمر بن عبد البرّ ﵀تَعَالَى- هذا الموضوع في كتابه «التمهيد» أتم تحقيق، وبينه أحسن تبيين، فأطال وأعاد، وأسهب وأجاد، وأجمل وأفاد، أحببت إيراد خلاصته هنا تتميمًا للفوائد، ونشر للعوائد. قال ﵀تَعَالَى- عند شرح حديث النزول، وهو حديث رواه مالك في «الموطإ» عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر جميعًا عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له؟ من يسألني، فأعطيه،؟ من يستغفرني، فأغفر له؟». قال أبو عمر ﵀: وفيه دليل على أن الله -﷿- في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله -﷿- في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك قول الله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله -﷿-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقوله تبارك اسمه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله -تَعَالَى-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال جلّ ذكره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وهذا هو العلوّ، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. والجهمي يزعم أنه أسفل. وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:٢ - ٣]، والعروج هو الصعود. وأما قوله -تَعَالَى-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾، فمعناه من على السماء، يعني على العرش، وقد يكون «في» بمعنى «على»، ألا ترى إلى قوله تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، أي على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وهذا كله يعضده قوله -تَعَالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب. قال: وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاء المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل «استوى» استولى، فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه، ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله -﷿- إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مبتدع ما ثبت شيء من العبارات، وجَلَّ الله -﷿- عن أن يخاطب إلا بما تفهمه الرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة، ومفهوم، وهو العُلُوُّ والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عُبيدة في قوله -تَعَالَى-: ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابّة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه، واستقرّ، فلم يكن في شبابه مزيد. قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العُلُوِّ، وبهذا خاطبنا الله -﷿-، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال الشاعر: [من الطويل]: فَأوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ … وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى وهذا لا يجوز أن يَتَأوّل فيه أحدٌ استولى، لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل، وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة، قال: حدثني الخليل، وحسبك بالخليل، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فردّ علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال، قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه يأمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله -﷿-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هَجير، وماء نَمير فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سالمكم متاركةً، لا خير فيها، ولا شرّ، قال الخليل: هو من قول الله -﷿-: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن واقد الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵄ - في قوله -تَعَالَى-: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان، فالجواب عن هذا أن هذا حديث منكر عن ابن عباس، ونَقَلَتُهُ مجهولون ضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي، وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول، لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث؟، لو عقلوا، أو أنصفوا، أمَا سمعوا الله -﷿- حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا. [من الطويل]: فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ … وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الّعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ الْسَّمَاءِ مُهَيْمِنُ … لِعِزتَّه تَعْنُو الْوُهُ وَتَسْجُدُ وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول في وصف الملائكة: فَمنْ حَاملٍ إحْدَى قوَائم عَرْشِهِ … وَلَوْلَا إِلَهُ الْخَلقِ كَلُّوا وَأَبْلَدُوا قيَامٌ عَلَى الأقْدَام عَانُونَ تحَتَهُ … فَرَائصُهُمْ مِنْ شَدَّة الْخَوْف تَرْعَدُ قال أبو عمر: فإن احتجّوا بقول الله -﷿-: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وزعموا أن الله ﵎ في كلّ مكان بنفسه وذاته ﵎، قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير. فظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر. وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فالإجماع والاتفاق قد بين المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا، فإنه قاطع إن شاء الله. ومن الحجة أيضا في أنه -﷿- على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كَرَبهُم أمر، أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر، وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكاية، لأنه اضطرار لم يؤنّبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم. وقد قال - ﷺ - للأَمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول الله - ﷺ - بأن قال لها: «أين الله؟»، فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا؟»، قالت: رسول الله، قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة»، فاكتفى رسول الله - ﷺ - منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. وأما احجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة، واحتوته مخلوق. فشيء لا يلزم، ولا معنى له، لأنه -﷿- ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بالقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة، والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء، لا شريك له، وقد قال المسلمون، وكل ذي عقل: إنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول، وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ أوْ يجري بينه وبينهم تمثيل، أو تشبيه؟ -تَعَالَى- الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله - ﷺ -، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية. فإن قال قائل منهم: إنا وصفنا ربنا أنه كان لا في مكان، ثم خلق الأماكن، فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغير والانتقال، إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان. قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، وانتقل إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى مكان، وهذا لا ينفكّ منه، لأنه إن زعم أنه في الأزل في كلّ مكان كما هو الآن، فقد أوجب الأماكن والأشياء موجودة معه في أزله، وهذا فاسد. فإن قيل: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟ قيل له: أما الانتقال، وتغيُّرُ الحال، فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نُقْلَتُهُ لا يوجب مكانًا، وليس في ذلك كالخلق، لأن كَوْن ما كوّنه يوجب مكانًا من الخلق، ونقلته توجب مكانًا، ويصير منتقلًا من مكان إلى مكان، والله -﷿- ليس كذلك، لأنه في الأزل غير كائن في مكان، وكذلك نُقْلته لا توجب مكانًا، وهذا ما لا تقدر العقول على دفعه، ولكنا نقول: استوى منْ لا مكان إلى مكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدا، ألا ترى أنا نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ومعناهما واحد، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليلُ إبراهيم، ولا نقول: صَديقُ إبراهيم، وإن كان المعنى في ذلك كله واحدًا، لا نسميه، ولا نصفه، ولا نطلق عليه إلا ما سمّى به نفسه على ما تقدم ذكرنا له من وصفه لنفسه، لا شريك له، ولا ندفع ما وصف به نفسه، لأنه دَفْعٌ للقرآن، وقد قال الله -﷿-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وليس مجيئه حركة، ولا زوالا، ولا انتقالًا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما، أو جوهرًا، فلمّا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة، ولا نقلة، ولو اعتبرت ذلك بقولهم: جاءت فلانًا قيامته، وجاءه الموت، وجاءه المرض، وشبه ذلك مما هو موجود نازل به، ولا مجيء، لبان لك. وبالله العصمة والتوفيق. قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد نص في إطلاق الجسم، والجوهر على الله -تَعَالَى-، لا إثباتًا، ولا نفيًا، فالأولى عدم الخوض في ذلك حتى يثبت لدينا نص نعتمد عليه. والله -تَعَالَى- أعلم. قال أبو عمر -﵀-: فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالتكييف. قيل: قد يكون الاستواء واجبًا، والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا، وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا، ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية استوائه على عرشه يوجب أن ليس على عرشه. ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس: الله -﷿- في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال مالك ﵀: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجلَ سوءٍ. قال: وقد روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال في قوله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مثل قول مالك هذا سواءً. وأما احتجاجهم بقوله -﷿-: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذي حُملَ عنهم التأويلُ في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وَعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. قال: وأما قوله - ﷺ -: «ينزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا». فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله - ﷺ -، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يُكيّفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة. وقد قال قوم من أهل الأثر أيضا أنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، وروي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء، لأن أمره ورحمته لا يزالان أبدًا في الليل والنهار، وتعال الملك الجبّار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون في أي وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال. وقد روى محمد بن علي الجبلي، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدثنا مطرّف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث «إن الله ينزل في الليل إلى السماء الدنيا»، فقال: مالك: يتنزل أمره. وقد يحتمل أن يكون كما قال مالك ﵀ على معنى أنه تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره، أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت. والله أعلم. ولذلك جاء فيه الترغيب في الدعاء، وقد روي من حديث أبي ذرّ - ﵁ -، أنه قال: يا رسول الله أيّ الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الغابر». يعني الآخر، وهذ على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء، كما ندب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره أبو عمر ﵀ من تأويل «ينزل ربنا» بتنزل رحمته الخ فيه نظر، إذ يرده قوله في تمام الحديث، «مَنْ يدعوني فأستجيب له؟ الخ»، فإن الرحمة لا يمكن أن تقول: من يدعوني الخ، وكذا ما نقله عن مالك في هذا المعنى يُردُ بمثل ما رَدَّ به أبو عمر نفسهُ على مجاهد في تفسيره قولَه -تَعَالَى-: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] بقوله: إلى ثواب ربها. فقد ردّ عليه بما حاصله: قول مجاهد هذا مردود بالسنَّة الثابتة عن النبي - ﷺ -، وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف، وهو عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم - ﷺ -، وليس من العلماء أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -. ومجاهد، وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين، هما مهجوران عند العلماء، مرغوب عنهما: أحدهما هذا، والآخر قوله في قول الله -﷿-: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قال: يوسع له على العرش، فيُجلسه معه، وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود الشفاعةُ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: فنحن نقول هنا فيما نُقل عن مالك ﵀إن صح عنه-: إنه مردود بالسنة الصحيحة، وبما ثبت عن السلف في هذا الباب. والحاصل أن المعنى الصحيح أن نزول الرب ﷾ على ظاهره، فينزل ربنا سبحانه كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير حقيقةً، نزولًا يليق بجلاله، والله -تَعَالَى- أعلم. قال أبو عمر ﵀: وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج عن نعيم بن حماد، قال: ينزل بذاته، وهو على كرسيه. قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة، لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها، لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانا، وقد جلّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون، فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله - ﷺ -، فلا نتعدّى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقال أبو عمر ﵀ أيضًا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مشبّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله. روى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد الله بن وهب، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: من وصف شيئًا من ذات الله، مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأشار إلى عينيه، أو أذنيه، أو شيئا من بدنه، قُطع ذلك منه، لأنه شبه الله بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء - ﵁ - حين حدّث أن النبي - ﷺ - قال: «لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا»، وأشار البراء بيده، كما أشار النبي - ﷺ - بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول الله - ﷺ -، فكره البراء أن يصف رسول الله - ﷺ - إجلالا له، وهو مخلوق، فكيف الخالق في ليس كمثله شيء؟. ثم أخرج عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول - ﷺ -: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا خَلَق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا، فليقل: آمنت بالله». -متفق عليه-. وفي رواية: «فإذا قالوا ذلك، فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره، ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم». -رواه أحمد، وأبو داود بسند حسن-. قال: وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم. وقد روي ذلك مرفوعًا عن النبي - ﷺ -. وقال سحنون: من العلم بالله الجهلُ بما لم يخبر به عن نفسه. وهذا الكلام أخذه سحنون عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مطرّف بن عبد الله بن الشخير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وصف من نفسه. ثم أخرج عن سحنون بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: «ينزل ربنا ﵎ كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا»، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويرى أهل الجنة ربهم، وبحديث «لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورته»، واشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه، وأن موسى ﵇ لطم ملك الموت صلوات الله عليه؟ قال أحمد: كل هذا صحيح. وقال إسحاق كل هذا صحيح، ولا يدَعَهُ إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي. وقال أبو عمر أيضا: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي - ﷺ - فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه. ثم أخرج عن أحمد بن نصر أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد الله: «إن الله -﷿- يجعل السماء على إصبع»، وحديث «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن»، و«إن الله يعجب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق»، وإنه -﷿- ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ونحو هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نرويها، ونُقرّبها كما جاءت بلا كيف. وعن الوليد بن مسلم، قال سألت الأوزاعي، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف. وذكر عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجرّاح، فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث، يعني مثل الكرسى موضع القدمين، ونحو ذلك؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئًا. قال عباس بن محمد الدُّوري: وسمعت أبا عبُيد القاسم بن سَلّام، وذُكر له عن رجل من أهل السنة أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تروى في الروية، والكرسيُّ موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حق، فقال: ضَعَّفْتم عندي أمره، هذه الأحاديثُ حق، لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنّا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرّها، ولم نذكر أحدًا يفسرها. وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن القاسم، قال: سألت مالكًا عمن يحدّث الحديثَ «إن الله خلق آدم على صورته»، والحديث «إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة»، وإنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد، فأنكر إنكارًا شديدًا، ونهى أن يحدث به أحدًا. وإنما كره ذلك مالك خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا. وأخرج عن ابن وضاح، أنه سأل يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقرَّ به، ولا تحدّ بقول، كلُّ من لقيت من أهل السنة يصدّق بحديث التَّنَزُّلِ، قال: وقال لي ابن معين صَدِّقْ، ولا تصفه. وأخرج عن مهديّ بن جعفر، عن مالك بن أنس أنه سأله عن قول الله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك، ثم قال: استواءه مجهول ، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذه بدعة. وأخرج عن أيوب بن صلاح المخزومي، قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقي، فقال له: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء، أخرجوه، فأخذوا بضبعيه، فأخرجوه. وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كره مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث لأنها فيها حدًّا، وصفةً، وتشبيهًا، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قاله الله -﷿-، ووصف به نفسه بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فليقل قائل بما قاله الله، ولينته إليه، ولا يعدوه، ولا يفسره، ولا يقل: كيف؟، فإن في ذلك الهلاك، لأن الله كلّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره. وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث: إن الله ضحك، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليست على جهة ما يكون من عباده. قال أبو عمر: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا علم أن الله -﷿- لم يعرفه أحد منهم إلا بتصديق النيين بأعلام النبوّة، ودلائل الرسالة، لا من قبيل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم، وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من علمهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، ولشهروا به، كما شهروا بالقرآن والروايات. وقولُ رسول الله - ﷺ -: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» عندهم مثل قول الله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلّى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟، ولا من أين ينزل؟، لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له. وفي قول الله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل، وفي ذلك ما يفسر حديث التنزل، ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله -﷿ -: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، فلينظر في تفسير بَقيّ بن مخلد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذكرا من ذلك، ففيما ذكرا منه كفاية، وبالله العصمة والتوفيق.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. «شرح صحيح مسلم» ج ٥ ص ٢٢.

٢. «النهاية في غريب الحديث» ج ٣ ص ١٥٢.

٣. «شرح مسلم» ج ٥ ص ٢٢ - ٢٣.

٤. راجع «شرح مسلم» للنووي ﵀ ج ٥ ص ٢٣.

٥. «لسان العرب» ج ٢ ص ١١٩٨.

٦. «المنهل العذب المورود» ج-٦ ص ٣٢ - ٣٣.

٧. «المنهل العذب المورود» ج ٦ ص ٣٣.

٨. «المفهم» ج-٢ ص ١٣٨.

٩. «نيل الأوطار» ج-٣ ص ٢١١.

١٠. الراجح أن نسخ الكلام كان بالمدينة، لا بمكة، كما سيأتي في الكلام على حديث زيد بن أرقم - ﵁ - بعد هذا الحديث، إن شاء الله تَعَالَى.

١١. «نيل الأوطار» ج-٣ ص ٢١١.

١٢. هكذا نسخة شرح النووي، في «شام» ولعله في «شمالي» كما سبق آنفًا. والله أعلم.

١٣. إن أراد عدم الخوض في الكيفية فذاك، وإن أراد الخوض في معرفة معناه اللغوي، فغير صحيح؛ لأن مذهب السلف أنهم يعرفون معناه اللغوي، ثم يثبتون ذلك لله سبحانه على معنى يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. فتفطن، والله تعالى أعلم.

١٤. في كون السماء قبلة الدعاء نظر، إذ لا دليل عليه، بل الأدلة الكثيرة على أن الكعبة هي القبلة للصلاة والدعاء، فقد وردت أحاديث كثيرة، ستأتي في محلها أنه - ﷺ - كان إذا دعا استقبل القبلة فتبصر. والله -تَعَالَى- أعلم.

١٥. انظر «شرح مسلم» للنووي ج ٥ ص ٢٤ - ٢٥.

١٦. راجع شرح النووي على «صحيح مسلم» ج ٥ ص ٢٤ - ٢٥.

١٧. هكذا نسخة «الاستذكار» ولعل الصواب «كلهم» فليحرر.

١٨. هو ما رواه مالك في «الموطإ» أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني لأنسى، أو أنسّى لأسنّ». قال السيوطي: قال ابن عبد البرّ: لا أعلم هذا الحديث روي عن النبي - ﷺ - مسندا، ولا مقطوعا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في «الموطإ» التي لا توجد في غيره مسندة، ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول. انتهى «تنوير الْحَوَالِك».

١٩. هكذا نسخة «الأوسط» ولعل الصواب «فلم يكن مَنْ كَلَّم رسولَ الله - ﷺ - في ذلك الوقت مستيقنًا إلخ».

٢٠. سيأتي أن الراجح كون نسخ الكلام بالمدينة، ولكنه قبل إسلام أبي هريرة بزمان، كما قال ابن المنذر رحمه الله تَعَالَى.

٢١. «الأوسط»ج ٣ ص ٢٣٤ - ٢٣٩.

٢٢. هو الحديث الآتي للمصنف بعد حديثين.

٢٣. هو الحديث التالي لهذا الحديث عند المصنف.

٢٤. سيأتي للمصنف بعد باب.

٢٥. سيأتي للمصنف بعد بابين.

٢٦. فيه نظر، بل الخلاف قائم، وسيأتي ترجيح كون حديث ابن مسعود بعد الهجرة، إن شاء الله -تَعَالَى-.

٢٧. الفيفاء كصحراء وزنا ومعنى.

٢٨. الهجير: الخاثر، والنمير: العذب.

٢٩. هكذا نسخة «التمهيد» «استوؤه مجهول»، والظاهر أن الصواب «الاستواء غير مجهول» بدليل الرواية التالية. والله أعلم.