انتهى كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البر ﵀تَعَالَى- بتصرف واختصار.
ولقد أجاد في هذا الموضوع، وأفاد، لمن أراد الله -تَعَالَى- له السعادة بفهم النصوص كما فهمه السلف- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، ووفقه لاتباع منهجهم.
فإن أردت زيادة الاستفادة فراجع كتاب «التمهيد» ج-٧ ص ١٢٨ - ١٥٩. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، ومنه الهداية لأقوم الطريق.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، اللَّهُمَّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللَّهُمَّ أرنا الحق حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأنت حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢١٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الناقد الثبت البصري [٩] تقدم ٤/ ٤.
٣ - (إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١٣/ ٤٧١.
٤ - (الحارث بن شُبيل) -بالمعجمة واللام مصغرًا- ابن عوف البجلي، أبو الطفيل، ويقال: الكوفي، ثقة [٥].
روى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد الله بن شداد، وطارق بن شهاب. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لا يُسأل عن مثله، يعني لجلته. وقال النسائي: ثقة. وحديثه عن علي مرسل، لم يدركه.
أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قال في «ت» بعد ذكر ترجمة الحارث بن شُبَيل هذا: ما نصه. الحارث بن شبل كالأول، لكن بلا تصغير، بصري ضعيف من [٦] أخطأ الكلاباذي في خلطه بالذي قبله، وردّ ذلك الباجي، وحرّر القول فيه في «رجال البخاري». انتهى.
٥ - (أبو عمرو الشيباني) سعد بن إياس الكوفي، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٥١/ ٦١٠.
٦ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله -تَعَالَى- تصديقه في «سورة المنافقين» تقدم ١٣/ ١٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وأن رجاله كلم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، والحارث شُبيل، فما أخرج له ابن ماجه، وأن شيخه والقطان بصريان، والباقون كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن أرقم) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وفي رواية البخاري «عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم»، فصرّح بالسماع من زيد - ﵁ -.
(قال: كان الرجل يكلم صاحبه) وفي رواية البخاري: «إن كنا لنتكلم»، قال في «الفتح» ج -٣ ص ٣٩٧؛ وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: «وأمرنا» لقوله: «على عهد رسول الله - ﷺ -»، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا.
انتهى (في الصلاة بالحاجة) قال في «الفتح»: والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل، بل الذي يظهر أنه على عمومه، في كلّ حاجة. فتأمل. والله -تَعَالَى- أعلم.
(على عهد رسول الله - ﷺ -) أي في زمانه (حتى نزلت هذه الآية) هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ كان بالمدينة، لأن الآية مدنية باتفاق، فيشكل على قول ابن مسعود - ﵁ -: إن ذلك وقع لمّا رجعوا من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضا، فكانوا في المرّة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في المراد بقوله: «فلما رجعنا»، هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟.
فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام
بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه.
وجنح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود - ﵁ - بأنه حكى لفظ النبي - ﷺ -، بخلاف زيد بن أرقم - ﵁ -، فلم يحكه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة، والنبي - ﷺ - يتجهز إلى بدر، وفي «مستدرك الحاكم» من طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود - ﵁ -، قال: «بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي ثمانين رجلا» .. فذكر الحديث بطوله، وفي آخره «فتعجل عبد الله بن مسعود، فشهد بدرا».
وفي السير لابن إسحاق: «إن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي - ﷺ - هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشهدوا بدرًا».
فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي - ﷺ - بعد رجوعه كان بالمدينة. وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده.
ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم الخزاعي لحديث ابن مسعود الآتي بعد هذا، فإنها ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود، وزيد بن أرقم حكَى أن الناسخ قوله -تَعَالَى-: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم «كنا نتكلم» أي كان قومي يتكلمون، لأن قومه كانوا يصلون قبل الهجرة مع مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة، فتركوه، فهو متعقَّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار، وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم «كنا نتكلم خلف رسول الله - ﷺ -»، وكذا أخرجه الترمذي، فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة قبل هجرة النبي - ﷺ - إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: «كنا نتكلم» مَنْ كان يصلي خلف النبي - ﷺ - بمكة من المسلمين.
وهو متعقب أيضا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرًا، وبما روى الطبراني من حديث أبي أمامة، قال: «كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم يصلون، سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوما، فدخل في الصلاة»، فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعا، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما
أسلما بها.
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: قد تبين مما ذكر أن الراجح أن نسخ الكلام كان بالمدينة، لا بمكة. والله -تَعَالَى- أعلم.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو خبر لمحذوف، أي هي «حافظوا الخ»، أو مفعول لفعل محذوف، أي «أعني».
أمر الله ﷾ عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها (والصلاة الوسطى) بالجرّ عطفًا على «الصلوات» من عطف الخاصّ على العامّ، تنبيها بشأنها.
و«الوُسْطى» فُعْلى مؤنثة الأوسط، وهي من الوَسَط الذي هو خيار الشيء، لا من الوَسَط بمعنى متوسط بين شيئين، لأن فُعلى هنا للتفضيل، ولا يبنى التفضيل إلا مما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار هو الذي يقبل ذلك، لا الذي بمعنى المتوسط بين شيئين. وقد تقدم تحقيق ذلك في أوائل الصلاة -١٤/ ٤٧٢ - فراجعه تستفد، وبالله -تَعَالَى- التوفيق.
(وقوموا لله قانتين) اختلف في معنى القنوت في هذه الآية على أقوال، أرجحها ما دلّ عليه حديث زيد بن أرقم - ﵁ - هذا، وهو السكوت، وقد استوفيت الكلام على اختلاف العلماء في معنى القنوت بالرقم المذكور.
(فَأُمِرْنَا بالسكوت) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا الله -تَعَالَى- بأن نَسْكُتَ عن كلام الناس، لا عن مطلق الكلام، فإن الصلاة ليست محل سكوت، بل فيها قراءة القرآن، والتسبيح، والتكبير، والدعاء ونحو ذلك.
زاد في رواية مسلم: «ونهينا عن الكلام». قال في «الفتح» ج-٣ ص ٣٩٩: استُدلّ بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله: «ونهينا عن الكلام»، وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعله ذكر لكونه أصرح. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى. والله -تَعَالَى- ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن أرقم - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٢١٩ - و«الكبرى» ٥٥/ ١١٤٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن
يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عنه. وفي «الكبرى» في «التفسير» رقم ١١٠٤٧ - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد به. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٧٢ - وفي «جزء القراءة» رقم ٢٤٢ - عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، وفي ٦/ ٣٨ - وفي «جزء القراءة» -٢٤١ - عن مسدد، عن يحيى القطان به.
(م) ٢/ ٧١ - عن يحيى بن يحيى، عن هُشَيم- (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، ووكيع- (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- أربعتهم عن إسماعيل به.
(د) ٩٤٩ - عن محمد بن عيسى، عن هشيم به. (ت) ٤٠٥ و٢٩٨٦ - عن أحمد بن منيع، عن هُشيم به. و٢٩٨٦ - عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، كلهم عن إسماعيل به.
وأخرجه (أحمد) ٤/ ٣٦٨ (وعبد بن حميد) رقم ٢٦٠ (وابن خزيمة) ٨٥٦ و٨٥٧. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -﵀-، وهو تحريم الكلام في الصلاة.
ومنها: بيان أن هذه الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة بعد أن كان مباحًا.
ومنها: ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: إن هذا اللفظ أحد ما يستدلّ به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي تقدمَ أحَدِ الحكمين على الآخر، وهذا لا شك فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذكروا فيه أنه لا يكون دليلًا، لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي منه.
ومنها: أن لفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت، لما دلّ عليه لفظ «حتى» التي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.
ومنها: أن قوله: «ونهينا عن الكلام» يقتضي أن كل ما يسمى كلامًا فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة عنه.
وقد اختلف الفقهاء في أشياء، هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة وحاجة، وكالبكاء.
قال ابن دقيق العيد ﵀: والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلامًا، فهو داخل