قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٠/ ١٢٢٠ - وفي «الكبرى» ٥٥/ ١١٤٣ - بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، حَتَّى قَدِمْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ، وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الحسين بن حُرَيث) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/ ٥٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (عاصم) بن أبي النَّجُود الأَسَدي مولاهم، وهو ابن بَهْدَلة الكوفي، أبو بكر المقرىء، صدوق له أوهام، [٦] تقدم ٩٨/ ١٢٦.
٤ - (أبو وائل) شقيق بن سَلَمَة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٢/ ٢.
٥ - (ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنهم كوفيون، غير شيخه، فمروزي، وسفيان، فمكي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كنا نسلم على النبي - ﷺ -، فيردّ علينا السلامَ حتى قدمنا) بكسر الدال المهملة، يقال: قدم الرجلُ البلدَة يقدَمها، من باب تعب قُدُومًا، ومَقْدَمًا -بفتح الميم والدال-: إذا دخلها (من أرض الحبشة) من إضافة العام إلى الخاص، كشجر أرَاك، إن كان المراد بـ«الحبشة» البلدَ، أو بمعنى اللام، إن كان المراد الجيلَ.
قال الفيومي -﵀-: الحبشُ -أي بالتحريك- جيل من السُّودان، وهو اسم جنس، ولهذا صغّر على حُبَيش، والحبشة لغة فاشية، الواحد حبشي. انتهى بتصرف.
(فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قَرُبَ، وما بعدَ) -بضم عين الفعل فيهما- أي تفكرت فيما يصلح للمنع من الوجوه القريبة، أو البعيدة أَيُّها كان سببًا لترك ردّ السلام.
وفي رواية أبي داود من طريق أبان العَطّار، عن عاصم: «فأخذني ما قَدُم وما حَدُث» -بضم الدال فيهما، مراده غلب علي التفكر في أحوالي السابقة واللاحقة، أيها كان سببا لتركه - ﷺ - ردّ السلام عليّ.
ويحتمل أن يكون المراد أخذني ما تقدم من التكلم في الصلاة، وما حدث فيها من عدم التكلم. قاله في «المنهل» .
(فجلست، حتى إذا قضى الصلاةَ قال) أي النبي - ﷺ - (إن الله ﷿ يحدث) -بضم الياء- من الإحداث، أي يُظهر ويُجَدِّد (من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّمَ في الصلاة) ببناء الفعل للمفعول، وهو في تأويل المصدر مفعول «أحدث».
يعني أن لله ﷾ تجديدَ الأحكام بحسب ما اقتضته حكمته، وإن مما أحدثه من الأحكام عدم جواز الكلام في الصلاة.
وفي رواية الشيخين: «إن في الصلاة شُغلا».
قال في «الفتح»: والتنكير في «شغلا» للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو للتعظيم، أي شغلًا، وأيَّ شغل، لأنها مناجاة مع الله، تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره.
وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرّج على غيرها، من ردّ السلام ونحوه. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٠/ ١٢٢١ - وفي «الكبرى» ٥٥/ ١١٤٤ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.