HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٤٩

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، يُسَبِّحُ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص433
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٣ ص ٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, صحيح مسلم
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص٣٩٥
عن حديث التسبيح -يعني هذا الحديث- انتهى. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف ﵀، وهو بيان عدد التسبيح الذي يقال عقب الصلاة. ومنها: بيان فضل هذه الأذكار، وبيان فضل الله تعالى على هذه الأمة، حيث جعل لها على الأعمال القليلة الأجر الجزيل. ومنها: الترغيب على ملازمة هذه الأذكار، وعدم التكاسل، والتشاغل عنها، لأنه حرمان عظيم عن الثواب الجسيم. ومنها: استحباب عقد التسبيح باليد، ولا ينبغي أن يستعمل المسبحة ولا غيرها فيه، لأنه -ﷺ- لم يعدّها بغير اليد، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. ومنها: الحث على تكثير الحسنات حتى تذهب السيئآت. ومنها: بيان حرص الشيطان على تثبيط الإنسان عن اكتساب الخيرات، والصدّ عن ذكر الله تعالى، والحمل على الغفلة حتى تستولي الغفلة عليه، ويكون من الخاسرين، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٩٢ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحِ) ١٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَسْبَاطٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة) الأحمسيّ -بمهملتين- أبو جعفر الكوفي السرّاج، ثقة [١٠]. روى عن أبي معاوية، وابن عيينة، وأسباط، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سُئل عنه أبي؟ فقال: صدوق، وسمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال أبو القاسم: مات سنة (٢٦٠) في جمادى الأولى، ويقال: سنة (٥٨). تفرّد به الترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، و(٢٢٢٤) «الصوم جنّة». ٢ - (أسباط) بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩]. روى عن الأعمش، ومطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد ابن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم. قال محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي: قال لنا وكيع: اسمعوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يُخطىء عن سفيان. وقال أحمد: إنه أحبّ إليّ من الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه: ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه: الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد سمعت اْنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة (٢٠٠). وقال هارون بن حاتم في «تاريخه»: حدثني أنه وُلد سنة (١٠٥) ومات في أيّام أبى السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث. ٣ - (عَمْرو بن قيس) الْمُلائيّ -بضم الميم، وتخفيف اللام، والمدّ- أبو عبد الله الكوفي، ثقة متقن عابد [٦] ٩٩/ ١٢٨. ٤ - (الحكم) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٨٦/ ١٠٤. ٥ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدنيّ، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤. ٦ - (كعب بن عُجْرة) الأنصاري المدني، أبو محمد الصحابي المشهور -﵁-، تقدم ٨٦/ ١٠٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن كعب بن عُجْرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: مُعَقِّبات) بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة، اسم فاعل من التعقيب، أي أذكار يَعقُب بعضها بعضًا، أو تُعْقب لصاحبها عاقبةً محمودة. وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفعل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم: سميت معقّبات لأنها تُفعل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي ملائكة يعقب بعضهم بعضًا انتهى. وقال في «النهاية»: سميت مُعَقّبات لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله انتهى. و«هي» إما صفة مبتدإ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلمات، أو أذكار معقبات، و«لا يخيب» خبره، وإما مبتدأ، و«لا يخيب» صفته، وخبره «يسبّح الله» (لا يَخيب قائلهنّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان، أي لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان، ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة، سوى القراءة، وفيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم. (يسبّح الله في دبر كلّ صلاة) قال النووي: هو بضم الدال، هذا هو المشهور في اللغة، والمعروف في الروايات، قال أبو عمر المطرّزيّ في كتابه «اليواقيت»: دَبْر كلّ شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة، فبالضمّ. وقال الداودي، عن ابن الأعرابي: دُبُر الشيء، ودَبره بالضم والفتح آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ، وآخرون غيره انتهى . (ثلاثًا وثلاثين) مفعول مطلق على النيابة، أي تسبيحًا ثلاثًا وثلاثين، كما قال في «الخلاصة»: وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ … كَجِدَّ كُلَّ الجِدَّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ (ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبّره أربعًا وثلاثين) وورد في التكبير أيضًا «ثلاثًا وثلاثين»، ويأتي وجه الجمع في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن عُجرة رضي الله تعالى عنه هذأ أخرجه مسلم. [تنبيه]: هذا الحديث ذكره الدارقطني ﵀ في «استدراكاته على مسلم»، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب، لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ. قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله الدارقطني مردود، لأن مسلمًا رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضًا من طرق أخرى مرفوعة، وإفما روي موقوفًا من جهة منصور وشعبة، وقد أختلفوا عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبيّن الدارقطنيّ ذلك. والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحققون من المحدّثين، ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحديث موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع، ولو كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان، أو تقصير حصل بمن وقفه. والله أعلم انتهى كلام النووي ﵀ ببعض تصرّف . والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٢/ ١٣٤٩ - وفي «الكبرى» -١٢٦/ ١٢٧٢ - وفي «عمل اليوم والليلة» رقم ١٥٥ - عن محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، عن أسباط بن محمد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي «الكبرى» عن محمود بن غيلان، عن قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم به. وفي «عمل اليوم والليلة» ١٥٦ - عن قُتيبة بن سعيد، عن أبي الأحوص، عن منصور به. وأخرجه (م) في الصلاة ٢/ ٩٨ (ت) ٣٤١٢. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف الروايات في عدد الأذكار التي تُقال عقب الصلوات: (اعلم): أن الأحاديث وردت بأعداد مختلفة في التسبيح، والتكبير، والتحميد: أما التسبيح فورد كونه عشرًا، كما في حديث الباب الماضي، وحديث أنس عند الترمذي، والنسائيّ، وحديث سعد بن أبي وقّاص عند النسائي، وعلي بن أبي طالب عند أحمد، وأمّ مالك الأنصارية عند الطبراني. وورد ثلاثا وثلاثين، كما في حديث كعب بن عُجرة المذكور في الباب، وهو عند مسلم، والترمذي، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، وحديث أبي الدرداء عند النسائي. وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت عند النسائي، وعبد الله بن عمر عند النسائي أيضًا. وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار. وورد ستّا، كما في بعض طرق أنس. وورد مرّة، كما في بعض طرق حديث أنس أيضا عند البزّار. وورد سبعين، كما في حديث أبي زُمَيل عند الطبراني في «الكبير»، وفي إسناده جهالة. وورد مائة، كما في بعض طرق حديث أبي هريرة عند النسائيّ، وفيه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، وهو ضعيف. وأما التكبير، فورد كونه أربعًا وثلاثين، كما في حديث ابن عبّاس عند الترمذي، والنسائي، وحديث كعب بن عُجرة عند مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبي الدرداء عند النسائيّ، وأبي هريرة عند مسلم في بعض الروايات، وأبي ذرّ عند ابن ماجه، وابن عمر عند النسائيّ، وزيد بن ثابت عند النسائيّ، وعن عبد الله بن عمرو عند الترمذيّ والنسائيّ. وورد ثلاثًا وثلاثين من حديث أبي هريرة عند الشيخين، وعن رجل من الصحابة عند النسائي في «عمل اليوم والليلة». وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر عند من تقدّم في التسبيح خمسا وعشرين. وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار، كما تقدّم في التسبيح. وعشرًا، كما في حديث الباب المتقدّم، وعن أنس، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ، وأم مالك عند من تقدّم في تسبيح هذا المقدار. ومائة، كما في حديث من ذكرنا في تسبيح هذا المقدار عند من تقدّم. وأما التحميد، فورد كونه ثلاثًا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرًا، ومائة، كما في الأحاديث المذكورة في أعداد التسبيح، عند من رواها. قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعدما ذكر ما تقدّم: ما نصّه: وكلّ ما ورد من هذه الأعداد، فحسن، إلا أنه ينبغي الأخذ بالزائد، فالزائد. وقال الحافظ العراقي ﵀ في «شرح الترمذي»: كان بعض مشايخنا يقول: إن هذه الأعداد الواردة عقب الصلاة أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء، وغير ذلك إذا ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها في أعدادها عمدًا لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص، فلعلّ لتلك الأعداد حكمة وخاصيّةً، تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعدّيها، ولذلك نُهي عن الاعتداء في الدعاء. قال: وفيما قاله نظر، لأنه قد أَتَى بالمقدار الذي رُتّب على الإتيان به ذلك الثوابُ، فلا تكون الزيادة عليه مُزيلة له بعد الحصول بذلك العدد الوارد. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على ذلك، ففي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيّئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومَهُ ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك …» الحديث. ولمسلم من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من قال حين يصبح، وحين يُمسي: سبحان الله، وبحمده مائة مرّة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثلَ ما قال، أو زاد عليه». وقد يقال: إن هذا واضح في الذكر الواحد الوارد بعدد مخصوص، وأما الأذكار التي يعقب كلّ عدد منها عدد مخصوص من نوع آخر، كالتسبيح، والتحميد، والتكبير عقب الصلوات، فقد يقال: إن الزيادة في كلّ عدد زيادةً لم يرد بها نص يقطع التتابع بينه وبين ما بعده من الأذكار، وربّما كان لتلك الأعداد المتوالية حكمة خاصة، فينبغي أن لا يزاد فيها على المشروع. قال العراقي ﵀: وهذا محتمل لا تأباه النصوص الواردة في ذلك، وفي التعبّد بالألفاظ الواردة في الأذكار والأدعية، كقوله -ﷺ- للبراء -﵁-: «قل: ونبيك الذي أرسلت» انتهى. قال الشوكاني ﵀: وهذا مسلّم في التعبّد بالألفاظ، لأن العدول إلى لفظ آخر لا يتحقق معه الامتثال، وأما الزيادة في العدد، فالامتثال متحقق، لأن المأمور به قد حصل على الصفة التي وقع الأمر بها، وكون الزيادة مغيّرةً له غير معقول. وقيل: إن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد أتى بالزيادة، فقد حصل الامتثال، وإن زاد بغير نيّة لم يُعَدّ ممتثلا انتهى . وقال في «الفتح»: وقد بالغ القرافي ﵀ في «القواعد»، فقال: من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا، لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئًا أن يوقف عنده، ويُعدّ الخارج عنه مسيئًا للأدب انتهى. وقد مثله بعض العلماء بالدواء، يكون مثلًا فيه أُوقية سكّر، فلو زيد فيه أوقيّة أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقيّة في الدواء، ثم أستعمل من السكّر بعد ذلك ما شاء لم يتخلّف الانتفاع. ويؤيّد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكلّ منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بمجموعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص، لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصة، تفوت بفواتها. والله أعلم انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح أن لا يزاد على العدد المخصوص، تأدّبًا مع الشارع، ولأن الئواب المعلّق بذلك العدد المعيّن لا يوجد يقينًا إلا بالمقدار الذي علّق عليه، فإذا زيد عليه كان محلّ شكّ، ولأن الظاهر أن التعبد يكون بالعدد كما يكون بالألفاظ، وقد أنكر النبي -ﷺ- على البراء -﵁- قوله: «ورسولك الذي أرسلت»، فقال: «لا، ونبيك الذي أرسلت»، فتفريق الشوكاني ﵀ بين الألفاظ والعدد في ذلك محلّ نظر. وأما استدلالهم بحديث «الصحيحين» حيث قال: «إلا أحد عمل أكثر من ذلك»، فمن أبعد الاستدلال، لأنه نُصّ فيه على أن الزيادة مطلوبة، وإنما المائة أقلّ ما يحصل به الأجر المذكور، فكيف يقاس عليه ما حُدّ بعدد معين من غير إشارة إلى الزيادة، فهيهات هيهات؟. والحاصل أن الوقوف عند التعليم النبوي كيفًا أو كَمًّا هو المتعين، لكونه محلّ يقين في الامتثال، وحصول الأجر المرتّب عليه، وأما المخالفة في الكيف، أو في الكمّ، فمحلّ شك، والعاقل يبني أمره على اليقين، لا على الشك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب». …
مصادر المؤلف (٤)

١. «شرح مسلم» جـ ٥ ص ٩٥ - ٩٦.

٢. «شرح مسلم» جـ ٥ ص ٩٥.

٣. راجع «نيل الأوطار» جـ ٢ ص ٣٥٥ - ٣٥٧.

٤. «فتح» جـ ٢ ص ٥٩٨ - ٥٩٩.