عن رتبتها، لأن التيمن مستحبّ في كل شيء، أي من أمور العبادة، لكن لمّا خشي ابن مسعود -﵁- أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته. والله أعلم انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٦١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ، أَنَّ مَكْحُولًا حَدَّثَهُ، أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الأَجْدَعِ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَيُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا، وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزي الإمام الحجة المشهور [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (بقيّة) بن الوليد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، لكنه هنا صرح بالتحديث [٨] تقدم ٤٥/ ٥٩٢.
٣ - (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الّهُذيل الحمصيّ القاضي. ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري [٧] تقدّم ٤٥٥/ ٥٦.
٤ - (مكحول) الشاميّ، أبو عبد الله، ثقة فقيه، كثير الإرسال مشهور [٥] تقدم ٤/ ٦٣٥.
٥ - (مسروق بن الأجدع) بن مالك الهَمْدانيّ الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] تقدم ٩٠/ ١١٢.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تقدّمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وبقية قد صرّح بالتحديث، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا) أي يشرب أحيانًا قائمًا، وأحيانًا قاعدًا، وكذا التقدير فيما بعده.
وفيه جواز الشرب قائمًا وقاعدًا، ويُجمع بينه وبين حديث النهي عن الشرب قائمًا
بحمل النهي على التنزيه بدليل هذا الحديث، ونحوه، وهذا هو المذهب الراجح، وإليه أشار الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في «ألفية السيرة» حيث قال:
يَشْرَبُ قَاعِدًا وَمِنْ قِيَامِ … كشُرْبِهِ مِن زَمْزَمِ الْحَرَامِ
وَشُرْبِهِ مِنْ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَهْ … دَلَّ بِهِ لِلرُّخْصَةِ الْمُحَقَّقَهْ
وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى في ١٠٣/ ١٣٦ - فراجعه تستفدْ، وبالله تعالى التوفيق.
(وَيُصَلِّى حَافِيًا) أي بلا لبس نعل، ولا خُفّ، يقال: حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ، حَفَاءً، مثل سَلَام: مَشَى بغير نعل، ولا خُفّ، فهو حافٍ، والجمع حُفَاة مثل قاض وقُضاة (وَمُنْتَعِلًا) أي لابسًا نَعْلًا، وفيه جواز الصلاة حافيًا ومنتعلًا، وقد تقدم تمام البحث فيه في -٢٤/ ٧٧٥ - فراجعه تستفد (وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا محل الترجمة، حيث دلّ على مشروعية الانصراف من الصلاة عن جهتي اليمين واليسار. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح، انفرد به المصنف ﵀ عن أصحاب الأصول، أخرجه هنا -١٠٠/ ١٣٦١ - وفي «الكبرى» -١٣٤/ ١٢٨٤ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه أحمد ٦/ ٨٧. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث من رواية بقية بن الوليد، وقد صرّح بالتحديث.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وهذا إسناد جيِّد.
لكن رواه عبد الله بن سالم الحمصيّ -وهو ثقة ثبت- عن الزبيديّ، عن سليمان بن موسى، عن مكحول بهذا الإسناد. قال الدارقطني: وقوله: أشبه بالصواب انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أعلّ الدارقطني رحمه الله تعالى رواية بقية هذه، برواية عبد الله بن سالم، حيث أدخل بين الزُّبيديّ ومكحول سليمان بن موسى، ورجح روايته على رواية بقية، لأنه أوثق منه.
قلت: لكن العلة هذه لا تؤثّر في صحة الحديث، لأن سند عبد الله بن سالم صحيح، فيصحّ الحديث به على أنه يمكن الجمع بأن الزُّبيديّ سمعه أولًا بواسطة سليمان، ثم لقي مكحولًا فحدثه به، كما سبق نظيره غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.