HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٦٧

أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ ﷿ لَهُ - يَعْنِي: يَوْمَ الْجُمُعَةِ -، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص441
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٣ ص ٨٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٥١
غريب. وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة من الباب الماضي، وبالله تعالى التوفيق. وقال الزين ابن المنيّر رحمه الله تعالى: وجه الدلالة من الآية الكريمة مشروعية النداء لها، إذ الأذان من خواصّ الفرائض، وكذا النهي عن البيع؛ لأنه لا يُنهى عن المباح -يعني نهي تحريم- إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويُضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها. قال: وأما وجه الدلالة من الحديث، فهو من التعبير بالفرض، لأنه للإلزام، وإن أطلق على غير الإلزام كالتقدير، لكنه متعيّن له لاشتماله على ذلك الصرف لأهل الكتاب عن اختياره، وتعيينه لهذه الأمة، سواء كان ذلك وقع لهم بالتنصيص، أم بالاجتهاد. وفي سياق القصّة إشعار بأن فرضيتها على الأعيان، لا على الكفاية، وهو من جهة إطلاق الفرضية، ومن التعميم في قوله: «فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع». انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٧ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ ﷿ لَهُ -يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سعيد بن عبد الرحمن المخزُوميّ) أبو عبد الله المكّيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٤١/ ١٢٧٧. ٢ - (سفيان) بن عُيينة الإِمام الحجة المثبت المشهور [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدني، ثقة فقيه [٥] تقدم ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧. ٥ - (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابدًا [٦] تقدم ٤٩/ ٩٥٨. ٦ - (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدّم ٢٧/ ٣١. ٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذي، ومنها: أن قوله: «وابن طاوس الخ» بالجرّ عطف على «أبي الزناد»، فسفيان له في هذا الحديث شيخان: أبو الزناد، وعبد الله بن طاوس. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه قال (قَالَ: رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: نَحْنُ الآخرُونَ السَّابقُونَ) زاد في رواية الشيخين: «يوم القيامة». وفي رواية لمسلم: «نحن الآخرون، ونحن السابقون». و«الآخرون» -بكسر الخاء المعجمة، والمعنى نحن المتأخرون زمانًا، والأولون منزلةً. والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحشر، وأول من يُحاسب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة. وفي حديث حذيفة -﵁- عند مسلم: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق ، وسيأتي للمصنف في الحديث التالي. وقال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: والتقييد بيوم القيامة يردّ قولَ من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تبع له، وقولَ من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا وعصينا. وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف الاعتبار لم يكن في ذلك تناف. فإن قلت: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟. قلت: يحتمل أنه ذُكر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخروية، بل سابقون فيها. ويحتمل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر الدهر، ما دام التكليف موجودًا، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة، وهذا الاحتمال أمكن من الأوّل، لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف، كما أن في وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئه. والله تعالى أعلم انتهى . (بَيْدَ أَنَّهُمْ) بموحّدة، ثم تحتانيّة سا كنة، مثل «غير» وزنًا ومعنًى. وبه جزم الخليل والكسائيّ، ورجحه ابن سيده. وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى «بيد» «من أجل». وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزني، عن الشافعيّ. وقد استبعده عياض، ولا بعد فيه، بل معناه إنا سبقنا بالفضل، إذ هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم، ويشهد له ما في «فوائد ابن المقري» من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁-، بلفظ: «نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا». وفي «موطأ» سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ. «ذلك بأنهم أوتوا الكتاب». وقال الداوديّ: هي بمعنى «على»، أو «مع». قال القرطبيّ: إن كانت بمعنى «غير»، فنصب على الاستثناء، هان كانت بمعنى «مع»، فنصب على الظرفية. وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، والمعنى نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتو الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: «نحن الآخرون» مع كونه أمرًا واضحًا. قاله في «الفتح». وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: «بيد» بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهلمة، وحكى بعضهم أنه يقال فيها «ميد» بالميم، والمشهور أنها بمعنى «غير»، وقد جزم بذلك في «الصحاح»، وقال: يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في «المحكم» مثل ذلك عن حكاية ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى «على»، حكاه أبو عُبيد، والأول أعلى، وحكى في «المشارق» قولًا آخر أنها بيعنى «إلّا»، ثم قال: وقد تأتي بمعنى «من أجل»، ومنه قوله -ﷺ-: «بيد أني من قريش»، وقد قيل ذلك في الحديث الأول، وهو بعيد انتهى. وأنشدوا على مجيئها بمعنى «من أجل» قولَ الشاعر [من الرجز]: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي … أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنّي وقد ذكر ابن مالك أن «بيد» في قوله -ﷺ-: «بيد أني من قُريش» بمعنى «غير»، مثل قوله [من الطويل]: وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في «النهاية»، وإنما استبعد القاضي عياض كون «بيد» في الحديث الذي نشرحه بمعنى «من أجل»، لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو «السابقون»، فهو استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى من سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد في المعنى كونها بمعنى «غير»، وكونها بمعنى «على»، وكونها بمعنى «إلّا». أما إذا جعلناه متعلّقًا بقوله: «الآخرون» اتجه كونها بمعنى «من أجل»، أي نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بين وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة. وقد يقال: إذا كان السبق مقيدًا بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإذا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأُخروية، أي إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر. وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم «بأيد» بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، أي بقوة أعطاناها الله، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون «إنهم» مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صحّت، والصواب الأول عند أكثرهم انتهى. [واعلم]: أن الحديث في «مسند الشافعي» من طريق طاوس، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ «بَيْدَ» كما هو الرواية المشهورة. ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ «بايد»، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل «بيد»، إلا أنه زاد ألفًا بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي بعضها «بأيد»، ومعناه بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في «النهاية»، فقال: وجاء في بعض الروايات «بايد أنهم»، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها «بأيد» أي بقوّة. ورواه البيهقي في «سننه» من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد «بايد»، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى . (أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي أعطوه. واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: «وأوتيناه» للقرآن. وقال القرطبي: المراد بـ«الكتاب» التوراة. وفيه نظر، لقوله:«وأوتيناه من بعدهم»، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن. قاله في «الفتح». (وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي الكتاب، والمراد القرآن (وَهَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ«هذا» لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة -﵄-، قال: قال رسول -ﷺ-: «أضلّ الله ﷿ عن الجمعة من كان قبلنا …» الحديث. (الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِمْ) لابدّ من تقدير مضاف؛ لأنه لا يصحّ وصف اليوم بأنه كُتب عليهم، فيقدّر: إما افتراضَ تعظيمه، وإما افتراضَ عبادة فيه، إما هذه العبادة المخصوصة المشروعة، وإما غيرها. أفاده ولي الدين. وفي قوله: «كتب» دليل لوجوب الجمعة، فإن «كَتَب» معناه أوجب، وكذا استدلّ البخاري ﵀ في «صحيحه» على فرض الجمعة، مع أن لفظه «فُرض عليهم». فإن قلت: إن أريد صلاة الجمعة على الوجه المخصوص، فكيف صحّ الاستدل له بهذا الحديث، وليس فيه تعيين شيء؟. أجيب: بأنه لما ذكر في الحديث أن المكتوب علينا هُدينا له، والذي عرفنا من شرعنا هدايتنا له هو الصلاة على الوجه المخصوص، مع ما لذلك من سوابق ولواحق دلّ ذلك على أن هذا هو المكتوب عليهم. والله تعالى أعلم. أفاده ولي الدين رحمه الله تعالى . (فَاخْتَلَفُوا فيه) أي اختلف أهل الكتاب في شأن ذلك اليوم المكتوب عليهم، هل يلزم تعيينه، أم يجوز استبداله بغيره؟. قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فُرض عليهم بعينه، فتركوه؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه، وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- أنه فُرض عليهم يوم من الجمعة، ووُكل إلى اختيارهم، ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أيّ الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة. ومال عياض إلى هذا، ورجحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فـ«خالفوا»، بدل «فاختلفوا». وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا، فاختلفوا، هل يلزم تعيّنه، أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك، فأخطؤوا انتهى. قال الحافظ: ويشهد له ما رواه الطبريّ بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] قال: أرادوا الجمعة، فأخطؤوا، وأخذوا السبت مكانه. ويحتمل أن يُراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق السدّيّ التصريح بأنهم فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: «إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا، وقالوا: ياموسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئًا، فاجعله لنا، فجُعل عليهم». وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وغير ذلك، وكيف لا، وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؟. قاله في «الفتح». (فَهَدَانَا اللَّهُ ﷿ لَهُ) أي بالثبات عليه حين شرع لنا العبادة فيه. وقال في «الفتح»: قوله: «فهدانا الله له»: يحتمل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول الله -ﷺ-، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: «كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول الله -ﷺ- المدينة أسعد بن زُرَارة …» الحديث. فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبي -ﷺ- علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس -﵄- عند الدارقطني، ولذلك جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. وقيل في الحكمة في أختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه انتهى. (-يَعْني يَوْمَ الْجُمُعَةِ-) كلام جيء به لبيان مرجع اسم الإشارة في قوله: «وهذا اليوم الذي كتب الله ﷿ عليهم»، أي يقصد النبي -ﷺ- بقوله: «وهذا اليوم» يومَ الجمعة. والعناية يحتمل أن تكون من أبي هريرة -﵁-، أو ممن دونه. والله تعالى أعلم. (فَالنَّاسُ لَنَا فيه تَبَعٌ) بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة، جمع تابع، كالخَدَم جمع خادم. قال الحافظ ولي الدين ﵀: الظاهر أن معناه إنا أول من هداه الله للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تبع لنا. وفي «صحيح مسلم» وغيره -وهوالحديث التالي عند المصنف- عن أبي هريرة وحذيفة -﵄-، قالا: قال رسول الله -ﷺ-: «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم»، وفي رواية: «بينهم قبل الخلائق». ورواه البزّار في «مسنده» بلفظ: «المغفور لهم قبل الخلائق». ويحتمل أن يُسْتدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلا به، والله أعلم انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى. (الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَد) وفي رواية أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- عند ابن خُزيمة: «فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد». والمعنى أنه لنا بهداية الله تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم. قال القرطبيّ ﵀: «غدًا» هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غدًا، وكذا قوله: «وبَعدَ غد»، ولابد من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة انتهى. وقال ابن مالك: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما، أي تعييد اليهود غدًا، وتعييد النصارى بعد غد انتهى، وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبي. قاله في «الفتح». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ١٣٦٧ - وفي «الكبرى» -٢/ ١٦٥٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١/ ٦٨ و٢/ ٢ و٤/ ٦٠ و٩/ ٨ و١٧٥ (م) ٣/ ٦ (الحميدي) ٩٤٥ (أحمد) ٢/ ٢٤٣ و٢٤٩ (ابن خزيمة) ١٧٢٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب الجمعة. ومنها: أن الهداية والإضلال من الله تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. ومنها: أن سلامة الإجماع من الخطإ مخصوص بهذه الأمة. ومنها: أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل. ومنها: أن القياس مع وجود النصّ فاسد. ومنها: أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز. ومنها: أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدلّ على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك. ومنها: أن فيه بيانًا واضحًا لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها الله تعالى شَرَفًا وفضلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجمعة: قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين الذين لا عُذر لهم انتهى . وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قُدامة ﵀ في «المغني»: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وقد حكى الخطابي الخلاف في أنها من فُروض الأعيان، أو من فُروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول للشافعيّ، وقد حكاه المرعشيّ عن قوله القديم، قال الدارمي: وغلّطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزيّ: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم، وغلّطه. قال العراقي: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادعاه الخطّابي من أن أكثر الفقهاء قالو: إن الجمعة فرض على الكفاية، ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كلّ مذهب. وقال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة. ثم قال: قلنا: له تأويلان: أحدهما: أن مالكًا يطلق السنة على الفرض. الثاني: أنه أراد سنة على صفتها، لا يشاركها فيه سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول الله -ﷺ-، وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمةُ الجمعة على كلّ من سمع النداء انتهى. ومن جملة الأدلّة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ومنها: حديث أبي هريرة المذكور في الباب. وقد استنبط منه البخاري في «صحيحه» فرضية صلاة الجمعة، وبوّب عليه «باب فرض الجمعة»، وصرّح النووي، والحافظ بأنه يدلّ على الفرضية. ومنها حديث طارق بن شهاب -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض». رواه أبو داود. وصححه غير واحد. ومنها: حديث حفصة -﵂- الآتي -٢/ ١٣٧١ - عن النبي -ﷺ-، قال: «رواح الجمعة واجب على كلّ محتلم». وهو حديث صحيح. ومنها: حديث ابن مسعود -﵁- أن النبي -ﷺ- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هَمَمت أن آمر رجلًا يُصلي بالناس، ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم». رواه أحمد، ومسلم. ومنها: حديث أبي هريرة، وابن عمر -﵃-، أنهما سمعا رسول الله -ﷺ- يقول على أعواد منبره: «لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليَختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين». رواه أحمد، ويأتي للمصنف -٢/ ١٣٧٠ - من حديث ابن عمر، وابن عباس -﵃-. ومنها: حديث أبي الْجَعْد الضَّمْري -وله صحبة- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من ترك ثلاثَ جُمع تهاونًا، طبع الله على قلبه». رواه الخمسة، ويأتي للمصنف -٢/ ١٣٦٩. قال العلامة الشوكاني ﵀: والحق أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق، وحفصة الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم، والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال قد ردّ بأنه إرسال صحابي، وبأنه يشهد له حديث حفصة المذكور. وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبي -ﷺ- كان صغيرًا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده -ﷺ- بأمره إلا في مسجده، وقبائلُ العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يُؤمروا بالحضور. مدفوع بأن تخلّف المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله تعالى به، وأمر رسوله -ﷺ- والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة، إلا على فرض تقريره -ﷺ- للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته -ﷺ- من المسلمين، وكلاهما باطل. أما الأول: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه بعد همه بإحراق المتخلفين عن الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب المنافقين. وأما الثاني: فمع كونه قصرًا للخطابات العامّة بدون برهان، تردّه أيضًا تلك التوعّدات، للقطع بأنه لا معنى لتوعّد الحاضرين، ولتصريحه -ﷺ- بأن ذلك الوعيد للمتخلفين. وضيق مسجده -ﷺ- لا يدل على عدم الفرضيّة، إلا على أن الطلب مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه، وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل. أما الأول، فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضًا، لإمكان إقامتها في تلك البقاع عقلًا وشرعًا. لا يقال: عدم أمره -ﷺ- بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنا نقول: الطلب العامّ يقتضي وجوب صلاة الجمعة على كلّ فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده -ﷺ-، لا يمكنه الوفاء بما طلبه الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كوجوبه، كما تقرر في الأصول انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما حققه العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو الحق الذي لا مرية فيه. وحاصله أن الجمعة فرض عين على الرجال الأحرار البالغين الذين لا عذر لهم، لوضوح أدلته المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة: (اعلم): أن جملة ما للعلماء من الأقوال في هذه المسألة -على ما ذكره في «الفتح»- خمسة عشر قولًا: (١) تصحّ من الواحد. نقله ابن حزم، وحكاه الدارمي عن القاشاني، وحكي عن الحسن بن صالح. (٢) اثنان كالجماعة، وهو قوله النخعيّ، وأهل الظاهر. (٣) اثنان مع الإمام، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحُكي عن الأوزاعي، وأبي ثور. (٤) ثلاثة معه، وهو قول أبي حنيفة، وروي عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضًا، واختاره المزني، والسيوطي، وحكاه عن الثوري، والليث. (٥) سبعة، وحكي عن عكرمة. (٦) تسعة. وحكي عن ربيعة. (٧) اثنا عشر. وحكي عن ربيعة في رواية، ونقل عن الزهري، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن. (٨) مثله غير الإِمام. نقل عن إسحاق. (٩) عشرون. وهو رواية ابن حبيب عن مالك. (١٠) ثلاثون، في روايته أيضًا عن مالك. (١١) أربعون، وهو قول الشافعي، وطائفة. (١٢) أربعون غير الإِمام، روي عن الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة. (١٣) خمسون. روي عن أحمد، وفي رواية عن عمر بن عبد العزيز. (١٤) ثمانون. حكاه المازريّ. (١٥) جمع كثير بغير قيد، حكى عن مالك. قال الحافظ: ولعلّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل انتهى. وقال العلامة الشوكاني ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: إنه لا مستند لاشتراط ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد. وأما من قال: إنها تصحّ باثنين، فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث، والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نصّ من رسول الله -ﷺ- بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي. وقال في موضع آخر: وقد انعقدت سائر الصلوات باثنين بالإجماع، والجمعه صلاة، فلا تختص بحكم يُخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها. وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث. وكذلك قال السيوطيّ: لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ حسن جدًّا. وحاصله أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق، لحديث طارق بن شهاب -﵁- مرفوعًا: «الجمعة حق واجب على كلّ مسلم في جماعة …» الحديث، وقد تقدم أنه حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا، إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الأماكن التي تجب الجمعة على أهلها: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الأمصار والقرى التي يجب على أهلها الجمعة: فقال طائفة: كل قرية فيها جماعة أن يصلّوا الجمعة، روينا عن ابن عباس -﵄- أنه قال: «إن أول جمعة جمّعت بعد جمعة بالمدينة، لَجُمعة جمّعت بجُوَاثَى من البحرين». وروينا عن ابن عمر -﵄- أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمّعون، ولا يعيب ذلك عليهم. وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل المياه بين مكة والمدينة أن يُجمّعوا. وقال طائفة: كلّ قرية عليهم أمير يُجمّع فبها، وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أيما قرية فيها أمير، يقضي، ويقيم الحدود، فإنه يُجمّع فيها. وقال الأوزاعي: كل مدينة، أو قرية عليها أمير، أُمرُوا بالجمعة، فليجمّع بهم أميرهم. وقال الليث بن سعد: كل مدينة، أو قرية فيها جماعة، وعليهم أمير أُمروا بالجمعة، فليُجمّع بهم. وقالت طائفة: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، يُروى هذا القول عن علي -﵁-. وبه قال النخعي، وكان الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، يقولان: لا جمعة إلا في مصر، أو قال: في الأمصار. وقال الحسن: إن عمر مصّر سبعة أمصار، أو قال: مصّر الأمصار سبعة: المدينة، والبحربن، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر. وقال النعمان، وابن الحسن: لا تجب الجمعة، إلا على أهل الأمصار، والمدائن، وحكي عن يعقوب أنه قال: تفسير المصر الجامع والمدينة: كلّ مصر، ومدينة فيها منبر وقاض يُنفّذ الأحكام، ويجوز حكمه، ويقيم الحدود، قال: فهذا مصر جامع، فيه الجمعة. وقالت طائفة: كل قرية فيها أربعون رجلًا، والقرية: البناء بالحجارة، واللبن، والجريد، والشجر، وتكون بيوتها مجتمعة، ويكون أهلها لا يظعنون شتاءً، ولا صيفًا، إلا ظعن حاجة، فإذا كانوا أربعين رجلًا أحرارا بالغين رأيت -والله أعلم- أن عليهم الجمعةَ، فإذا صلّوا الجمعة أجزأت. هذا قوله الشافعي، ومال إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق، ولم يشترطا الشروط التي اشترطها الشافعي. وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز قولًا ثالثًا، أنه قال: أيما قرية فيها أربعون، فصاعدًا، عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب، وليصلّ ركعتين، ففي هذه الرواية عن عمر أنه ذكر إمامًا يقضي بينهم، ولم يشترط ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واشترط الشافعيّ شروطًا لم يذكرها عمر بن عبد العزيز، وأحمد، وإسحاق. وفيه قول خامس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبد العزيز، كتب عمر أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلًا، فليؤمّهم رجل منهم، وليخطب عليهم، وليصلّ يهم الجمعة. وفيه قول سادس: وهو إذا لم يحضر الإمامَ إلا ثلاثة صلى الإمام الجمعة. قال الوليد. سألت الأوزاعيّ عن إمام الجمعة لم يحضره جماعة؟ قال: فليُجمّع بهم، قلّوا أو كثروا، قيل له: وإن لم يكن إلا ثالث ثلاثة؟ قال: نعم. وحكى غير الوليد عن الأوزاعيّ أنه قال: إذا كانوا ثلاثة. فليُجمّعوا، إذا كان فيهم أميرهم. وكان أبو ثور يقول: الجمعة كسائر الصلوات، إلا أن فيها خطبة، وقصرًا من الأربع، فمتى كان إمام، وخطب بهم صلى الجمعة. واحتجّ بحديث أبي هريرة -﵁-، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب، يسأله عن الجمعة بالبحرين، فكتب إليه أن جمعوا حيثما كنتم. وقد روينا عن مكحول أنه قال: إذا كانت القرية فيها الجماعة صلّوا الجمعة ركعتين. وسئل مالك عن القرية التي تكون فيها جماعة المسلمين؟ قال مالك: إنا نقول: إذا كان فيها مسجد، يقيمون الصلاة يجمّعون فيه، وأسواقها قائمة، وبيوتها متصلة، ليس كبيوت أهل البادية، فأرى أن يجمّعوا، وقال مالك في القرية التي اتصل دُورها: فأرى أن يجمّعوا الجمعة، كان عليهم وال، أو لم يكن. قال ابن المنذر: ورأيت في حكاية الميموني، عن أحمد أنه قال: كان عكرمة يقول: إذا كانوا سبعة جمّعوا، قال: ورأيته كأنه يعجبه. وحكاية أحمد قولَ عكرمة قولٌ سابع. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أوجب الله تعالى على الخلق اتباع كتابه، وسنن نبيه -ﷺ-، قال الله جلّ ذكره: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقال الله جلّ ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] فاتباع ظاهر كتاب الله ﷿ يجب، ولا يجوز أن يُستثنى من ظاهر الكتاب جماعة، دون عدد جماعة بغير حُجّة، ولو كان لله في عدد دون عدد مراد لبيّن ذلك في كتابه، أو على لسان نبيه -ﷺ-، فلما عمّ، ولما يخصّ كانت الجمعة على كلّ جماعة في دار إقامة على ظاهر الكتاب، وليس لأحد مع عموم الكتاب أن يُخرج قومًا من جملته بغير حجة يُفزَعُ إليها، وهذا يلزم مَن مذهبُهُ القول بعموم الكتاب، وأن لا يُحال ظاهر منه إلى باطن، ولا عامّ إلى خاصّ، إلا بكتاب، أو سنة، أو اتفاق. وقد اختلفت الروايات عن عمر بن عبد العزيز، وقد ذكرناها، ولو لم تختلف الروايات عنه ما وجب الاستثناء من ظاهر الكتاب بقوله. وليس لاحتجاج من احتجّ بقصة أسعد في أن لا تجزىء جمعة بأقلّ من أربعين حجةٌ، إذ ليس في شيء من الأخبار أن النبي -ﷺ- أمرهم إذا كان عددهم كذا أن يُصلّوا، وإن نقصوا من ذلك العدد لم يُصلّوا، إنما كتب أن يصلى بمن معه، ولو ورد كتاب النبي -ﷺ-، وعددهم أقلّ من أربعين، فترك أن يصلي بهم لكان تاركًا لما أمره به. ودفع بعض أهل العلم قول من زعم أن الجمعة إنما تُصَلّى في مصر، أو مدينة يكون فيها قاض ينَفِّذ الأحكام، ويقيم الحدود بأن بعض أصحابه قد صلى بالمدينة الجمعة، وليس فيها منبر، ولا قاض، ولا كانت الحدود تُقام بها في ذلك الوقت. وقد صلى رسول الله -ﷺ- أول ما قدم المدينة، وليس فيها منبر، وليس المنبر، والقاضي، والحدود من أمر الصلاة بسبيل. وقال أحمد بن حنبل في قول علي -﵁-: «لا جمعة، ولا تشريق، إلا في مصر جامع»: الأعمش لم يسمعه من سعد انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى مختصرًا . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الإِمام ابن المنذر من وجوب الجمعة على كل جماعة في مكان، سواء كان مدينة، أو قرية بدون عدد معين، هو
مصادر المؤلف (١١)

١. «فتح» جـ ٣ ص ٤ - ٥.

٢. «فتح» جـ ٣ ص٥.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» جـ ٣ ص ١٥٢ - ١٥٣.

٤. في نسخة «الطرح» «أن تزني»، وفي «اللسان» «لم تُرِنِّي»، ولعله الصواب، ومعناه: لم تصيحي بالبكاء.

٥. هكذا نخسة «الطرح» «ويتحد» ولعل الصَّواب «ويَتَّجِهُ» والله أعلم.

٦. «طرح التثريب» جـ ٣ ص ١٣١ - ١٥٤.

٧. «طرح» جـ ٣ ص ١٥٦.

٨. «الأوسط» جـ ٤ ص ١٧.

٩. هكذا نسخة «الأوسط» «منبر»، ولعل الصواب «أمير». والله أعلم.

١٠. في نسخة «الأوسط» «سعد»، والصواب «أسعد»، وهو ابن زرارة، وقد تقدم حديثه.

١١. «الأوسط» جـ ٤ ص ٢٦ - ٣٠.