HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٩٢

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ «أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ أَوَّلُ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، وَكَثُرَ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٣ ص ١٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, صحيح البخاري
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص١٧٩
يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها. وقوله: «نتتبع الفيء» إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه. وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير. وقوله: «وليس للحيطان فيء يُستظلّ به» موافق لهذا، فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يُستظلّ به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما تقدّم أن أكثر هذه التأويلات فيها تكلّف ظاهر، لا حاجة إليه، فبعض الأحاديث يدل على صحة الجمعة قبل الزوال. وأما ما قاله القاضي عياض، من أنه لم يصحّ عن الصحابة شيء، فغير صحيح، فقد تقدم في المسألة الثانية من شرح حديث أبي هريرة -﵁- المذكور أول الباب إثباته عن كثير من السلف. فتنبّه. والحاصل أن الراجح صحتها قبل الزوال، وإن كان الأولى كونها بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذاالحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ١٣٩١ - وفي «الكبرى» -١٤/ ١٦٩٨ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٥/ ١٥٩ (م) ٣/ ٩ (د) ١٥٨٥ (ق) ١١٠٠ (أحمد) ٤/ ٤٦ و٤/ ٥٤ (الدارمي) ١٥٥٤ (ابن خزيمة) ١٨٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توِفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». ١٥ - (بَابُ الأذَانِ للْجُمُعَةِ) ١٣٩٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ الأَذَانَ كَانَ أَوَّلُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةَ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَثُرَ النَّاسُ، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله تقدم في الباب الماضي. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلىّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) الزهري، تقدم قبل باب. ٥ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمَامة بن الأسود الكنديّ، ويقال: الأسديّ، أو الليثيّ، أو الْهذَليّ. وقال الزهريّ: هو من الأزد، عداده في كنانة، وهو ابن أخت النمر، لا يُعْرَفون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة. قال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد: حجّ أبي مع النبي -ﷺ-، وأنا ابن سبع سنين. روى عن النبي -ﷺ- وعن حُويطب بن عبد العزّى، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن السعدي، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، والزهريّ، والجعد بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال الواقديّ: توفي بالمدينة سنة (٩١) وقال غيره: سنة (٦)، وقيل: سنة (٨٨)، وقال ابن عبد البرّ: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة. وقال أبو نعيم: توفي سنة (٨٢)، وذكره البخاري في «فصل» من مات ما بين التسعين إلى المائة. وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة -﵃-. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيان. ومنها: أن السائب هذا أول محل ذكره من الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) -﵄- (أَنَّ الأَذَانَ) أراد به النداء الشامل للإقامة. وفي رواية للبخاري: «كان النداء يوم الجمعة»، وعند ابن خزيمة من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري: «كان ابتداء النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة». وله في رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب: «كان الأذان على عهد رسول الله -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر أذانين يوم الجمعة». قال ابن خُزيمة: قوله: «أذانين» يريد الأذان والإقامة. يعني تغليبًا، أو لاشتراكهما في الإعلام، كما تقدّم في أبواب الأذان. (كَانَ أَوَّلُ) يحتمل أن يكون مرفوعًا على أنه اسم «كان»، والمضاف إليه مقدرٌ لفظًا، أي أولُهُ، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أبي داود، فقد أخرجه من طريق المصنف، ولفظه: «أنّ الأذان كان أولُهُ حين يجلس الإِمام على المنبر …». ويحتمل أن يكون مبنيًا على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، ونية معناها، فإن للفظ «أول» أربعةَ أحوال، أن يضاف لفظًا، أو يُحذف المضاف إليه، ويُنوى لفظه، أو يُقطع لفظًا ومعنًى، ففي هذه الأحوال الثلاثة يُعرب، والحالة الرابعة أن يقطع لفظه عن الإضافة، وينوى معناها، ففي هذه الحالة يُبنى على الضمّ، ونظيره «غير»، و«قبل» و«بعد»، و«حسبُ»، و«دونُ»، وأسماء الجهات الست، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» بقوله: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا إنْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا … قَبْلًا وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَد ذُكِرَا ويحتمل أن يكون منصوبا على الظرفية بتقدير لفظ المضاف إليه، أي أوّلَ الأمر، وهو متعلق بـ«كان»؛ لأنها -وإن كانت ناقصة- تُعلّق الظرف، والجارّ والمجرور على الأصح، ويؤيد هذا الوجه أنه وقع في «الكبرى» بلفظ «كان أوّلًا». (حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) بكسر الميم، سمي به لارتفاعه، وكُسرت ميمه تشبيهًا له بالآلة. قاله الفيومي رحمه الله تعالى. وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي عامر، عن ابن أبي ذئب: «إذا خرج الإِمام، وإذا أقييت الصلاة»، وكذا للبيهقي من طريق ابن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئب. وفي رواية المصنف الآتية بعد حديث، من طريق سليمان التيمي، عن الزهري: «كان بلال يؤذّن إذا جلس النبي -ﷺ- على المنبر، فإذا نزل أقام». قال المهلّب رحمه الله تعالى: الحكمة في جعل الأذان في هذا المحلّ ليَعرف الناسُ بجلوس الإِمام على المنبر، فينصتوا له إذا خطب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه نظر، فإن في سياق ابن إسحاق عند الطبراني وغيره عن الزهريّ في هذا الحديث: إن بلالًا كان يؤذن على باب المسجد»، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام، لا لخصوص الإنصات، نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات انتهى . (يَومَ الْجُمُعَة) منصوب على الظرفية متعلق بـ«يجلس»(في عَهْد رَسُول الله -ﷺ-) متعلّق بـ«يجلس»أيضًا، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كائن في زمنه -ﷺ- (وَأَبي بَكْر، وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (فَلَمَّا كَانَ في خلَافَة عُثْمَانَ) اسم«كان»ضمير يعود إلى«عهد»، والجارّ والمجرور خبرها، أي فلما كان هو أي العهد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وفي نسخة بإسقاط لفظة«في»، وعليه فـ«كان»تامّة، و«خلافة»فاعلها، أي فلما جاء خلافة عثمان (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي بالمدينة، وصُرّح به في رواية عند البخاريّ، وظاهره أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في رواية أبي ضمرة، عن يونس عند أبي نعيم في«المستخرج»أن ذلك كان بعد مضيّ مدة من خلافته. والجملة في محلّ نصب على الحال بتقدير«قد»، أي والحال أن الناس قد كثروا، ولم يكفهم الأذان المعهود (أَمَرَ عُثْمَانُ) رضي الله تعالى عنه (يَوْمَ الْجُمُعَة) فيه بيانُ أن أمره صدر في يوم الجمعة (بِالأذَان الثَّالث) وفي رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة:«فأمر عثمان بالأذان الأول»، ونحوه للشافعي ﵀، ولا تنافى بين الروايتين، لأنه باعتبار كونه مزيدًا على الأذان والإقامة يسمّى ثالثًا وباعتبار كونه جُعل مقدّمًا عليهما في الفعل يسمّى أوّلًا، فهو أول في الفعل، ثالث في المشروعية، ووصف بالثاني في رواية للبخاري من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، نظرًا للأذان دون الإقامة. (فَأُذِّنَ به) ببناء الفعل للمفعول، وفي نسخة«يؤذن به»(عَلَى الزَّوْاء) -بفتح الزاي، وسكون الواو بعدها راء ممدودة- موضع بالسوق بالمدينة. هكذا فسره البخاري ﵀ في«صحيحه»، قال الحافظ: وهو المعتمد، وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر، لما في رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ، عند ابن خزيمة، وابن ماجه بلفظ«زاد النداء الثالث على دار في السوق، يقال لها: الزوراء»، وفي روايته عند الطبراني:«فأمر بالنداء الأول على دار له، يقال لها: الزوراء، فكان يُؤذّن له عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة». وفي رواية له من هذا الوجه:«فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت». ونحوه في مرسل مكحول. وفي«صحيح مسلم»من حديث أنس -﵁-:«أن نبي الله -ﷺ- وأصحابه كانوا بالزوراء -والزوراء بالمدينة عند السوق- … «الحديث. (فَثَبَتَ) وفي نسخة«وثبت»بالواو (الأَمْرُ عَلَى ذَلكَ) أي استمرّ أمر الأذان على ما أحدثه عثمان -﵁-. وفي رواية أبي عامر، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة:«فثبت ذلك حتى الساعةَ». قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد، إذ ذاك، لكونه خليفةَ مُطاعَ الأمر، لكن ذكر الفاكهانيّ أن أول من أحدث الأذان الأول بمكّة الْحَجّاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. ورى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر، قال:«الأذان الأول يوم الجمعة بدعة»، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي -ﷺ-، وكلّ ما لم يكن في زمنه يُسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتبيّن بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله. وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر، والصلاة على النبي -ﷺ-، فهو في بعض البلاد، دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى انتهى. [تنبيهان] ذكرهما الحافظ رحمه الله تعالى: [الأول]: ورد ما يخالف هذا الخبر أن عمر -﵁- هو الذي زاد الأذان، ففي تفسير جُويبر، عن الضحّاك، من زيادة الراوي، عن بُرد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ -﵁-: «أن عمر أمر مؤذّنَين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا من المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه، كما كان في عهد النبي -ﷺ-، وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين انتهى. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت؛ لأن معاذا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام، واستمرّ إلى أن مات بها في طاعون عمواس. وقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده، فهو المعتمد. قال: ثم وجدت لهذا الأثر ما يُقوّيه ، فقد أخرج عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: قال سليمان بن موسى: «أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلّا، إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد انتهى. وعطاء لم يدرك عثمان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زمن عمر، واستمرّ على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانًا، وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه، لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان فعله عمر، لكونه مجرّد إعلام. [الثاني]: تواردت الشُّرّاح على أن معنى قوله: «الأذان الثالث» أن الأولين الأذانُ والإِقامةُ، لكن نقل الداوديّ أن الأذان أوّلًا كان في سُفل المسجد، فلما كان عثمان جَعَل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام -يعني ابن عبد الملك- جعل من يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك. انتهى وهذا الذي ذكره يُغني ذكره عن تكلف ردّه، فليس له فيما قاله سلف، ثم هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثًا يستدعي سبق اثنين قبله، وهشام إنما كان بعد عثمان بثمانين سنة انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ١٣٩٢ - وفي «الكبرى» ١٥/ ١٧٠٠ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عنه. وفي ١٥/ ١٣٩٣ - و«الكبرى» -١٥/ ١٧٠٢ - عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به. وفي -١٥/ ١٣٩٤ - و«الكبرى» ١٧٠١ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الزهريّ به. وأخرجه (خ) ٢/ ١٠ و٢/ ١١ (د) ١٠٨٧ و١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠ (ت) ٥١٦ (ق) ١١٣٥ (أحمد) ٣/ ٤٤٩ و٣/ ٤٥٠ (ابن خزيمة) ١٧٧٣ و١٧٧٤ و١٨٣٧. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الأذان للجمعة. ومنها: استحباب جلوس الإِمام على المنبر، خلافا لبعض الحنفية، واختُلف هل هو للأذان، أو لراحة الخطيب؟ فعلى الأول لا يسنّ في العيد، إذ لا أذان هناك. قاله في «الفتح». ومنها: أن التأذين يكونْ قُبيل الخطبة. ومنها: عدم مشروعية تأذين اثنين معًا، لقوله في الرواية التالية: «ولم يكن لرسول الله -ﷺ- غير مؤذن واحد». ومنها: أن الخطبة يوم الجمعة سابقة على الصلاة، ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإِمام على المنبر دلّ على سبق الخطبة على الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في حكم الأذان للجمعة: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دلّ الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، هو النداء الذي بين يدي الإِمام عند جلوسه على المنبر. وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء، ولهذا قال أكثرهم: إنه هو الأذان الذي يمنع البيع، ويوجب السعي إلى الجمعة، حيث لم يكن على عهد النبي -ﷺ- سواه. وما ذكره ابن عبد البرّ عن طائفة من أصحابهم: أن هذا الأذان الذي يمنع البيع لم يكن على عهد النبي -ﷺ-، وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك، فقد بيّن ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله، لعدم معرفته بالسنة والآثار، فإن قال هذا الجاهل: إنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة، فقد باهتَ، ويكذّبه قول الله ﷿: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإِمام، فقد أبطل، ويكذبه هذا الحديث، وإجماع العلماء على ذلك. وقد أنكر عطاء الأذان الأول، وقال: إنما زاده الحجاج، قال: وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاءً. أخرجه عبد الرزاق. وقال عمرو بن دينار: إنما أراد عثمان الأذان بالمدينة، وأما مكة، فأول من زاده الحجاج، قال: ورأيت ابن الزبير لا يُؤَذَّنُ له حتى يجلس على المنبر، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة. أخرجه عبد الرزاق أيضًا. وروى مصعب بن سَلّام، عن هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنما كان رسول الله -ﷺ- إذا قعد على المنبر أذّن بلال، فإذا فرغ النبي -ﷺ- من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة. وروى وكيع في «كتابه»، عن هشام راد الغاز، قال: سألت نافعًا عن الأذان يوم الجمعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسنًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يكن في زمان النبي -ﷺ- إلا أذانان، أذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة، قال: وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعدُ. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال سفيان الثوري: لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس، وإذا أذن المؤذن قام الإِمام على المنبر، فخطب، وإذا نزل أقام الصلاة، قال: والأذان الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر أذان وإقامة، وهذا الأذان الذي زادوه محدث. وقال الشافعي -فيما حكاه ابن عبد البرّ- أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر بين يفيه، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان، فإذا فرغ، قام، فخطب، قال: وكان عطاء يُنكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني، وقال: إنما أحدثه معاوية. قال الشافعي: وأيهما كان فالأذان الذي كان على عهد النبي -ﷺ-، هو الذي يُنهَى الناسُ عنده عن البيع . ونقل حرب، عن إسحاق بن راهويه أن الأذان الأول للجمعة مُحدث، أحدثه عثمان، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين ليُعلِمَ الأبعدين ذلك، فصار سنة، لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناس. قال الحافظ ابن رجب: وهذا يُفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإِمام، فإن احتاج إليه لكثرة الناس فعله، وإلا فلا حاجة إليه انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما سبق أن ما زاده عثمان رضي الله من الأذان ليس محل إجماع، فقد ثبت إنكاره عن ابن عمر -﵄- وغيره، فما اقتضاه كلام ابن المنذر ﵀ من دعوى اتفاق الأمة عليه، غير صحيح . والحاصل أن الأولى اتباع ما كان عدى عهد رسول الله -ﷺ-، كما قال الشافعي رحمه
مصادر المؤلف (٩)

١. «شرح مسلم» ٦/ ١٤٨ - ١٤٩.

٢. «فتح» ٣/ ٥٤.

٣. هكذا نسخة «الفتح» الجمعة، ولعل الأولى (في الجمعة).

٤. قال الجامع: في تقوية هذا الأثر لما قبل له نظر.

٥. «فتح» ٣/ ٥٥ - ٥٦.

٦. وقع في «الكبرى» تقديم وتأخير لترتيب «المجتبى»، فجعل الحديث الثاني في «المجتبى» ثالثًا، وبالعكس، فتنبه.

٧. «الأم» جـ ١ ص ١٧٢ - ١٧٣.

٨. «شرح صحيح البخاري» ٨/ ٢١٥ - ٢٢١.

٩. راجع «الأوسط» ٤/ ٥٦.