HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٩٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». قَالَ شُعْبَةُ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص449
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ١٠١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص١٨٨
المؤذنين، منهم بلال، وابن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة. وأجيب بأنه أراد الجمعة، وفي مسجد المدينة، ولم يُنقل أن ابن أم مكتوم كان يؤذن يوم الجمعة، بل الذي ورد عنه التأذين يوم الجمعة بلال، وأبو محذورة جعله -ﷺ- مؤذنًا بمكة، وسعد جعله بقباء . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ، ثُمَّ كَانَ كَذَلِكَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ -﵄-). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (المعتمر) بن سليمان البصري، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠/ ١٠. ٣ - (سليمان) بن طَرْخان التيمي البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٨٧/ ١٠٧. والباقيان تقدما قريبًا، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وهو متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٦ - (بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ) ١٣٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ، وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» -قَالَ شُعْبَةُ-: «يَوْمَ الْجُمُعَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) المذكور في السند الماضي. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصريّ، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الناقد البصري [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عمرو بن دينار) الجُمَحي مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (جابر بن عبد الله) -﵄- تقدم قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وعمرو مكي، وجابر مدني. ومنها: أن فيه جابرا من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ) أي إلى المسجد يوم الجمعة. ورواية المصنف رحمه الله تعالى مختصرة، ففي أوله قصة، وقد ساقه بتمامه مسلم في«صحيحه»من رواية أبي الزبير، عن جابر -﵁-، أنه قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله -ﷺ- قاعد على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يُصلي، فقال له النبي -ﷺ-:«أركعت ركعتين؟ »قال: لا، قال:«قم، فاركعهما». وفي رواية أبي سفيان، عن جابر -﵁-، قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله -ﷺ- يخطب، فجلس، فقال له:«يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوز فيهما»، ثم قال:«إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما». (وَقَدْ خَرَجَ الإمَامُ) أي صعد المنبر للخطبة، سواء شرع في الخطبة، أم لا. وفي رواية لمسلم:«والإمام يخطب»، وموضع الجملة نصب على الحال من«أحدكم»، والرابط الواو (فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية مسلم المذكورة:«وليتجوز فيهما»، أي ليخفف الركعتين، حتى يتفرغ لاستماع الخطبة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأمر فيه للندب، لا للوجوب للنصوص الدالّة على أنه لا يجب ما عدا الصلوات الخمس، كما مرّ تحقيقه في محله في«باب كم فُرضت الصلاة في اليوم والليلة» -٤/ ٤٥٨ و٤٥٩. وفيه دليل على مشروعية تحية المسجد بركعتين خفيفتين، واستحبابها حال الخطبة للداخل في تلك الحالة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وهو الحق، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. (قَالَ شُعْبَةَ: يَوْمَ الْجُمُعَة) يعني أن شعبة الراوي عن عمرو بن دينار بَيّن أن المراد بالمجيء المذكور في هذا الحديث هو المجيء يوم الجمعة. وظاهر هذه الرواية أن قوله: «يوم الجمعة» من كلام شعبة، وليس مرفوعًا، لكن رواية مسلم صريحة في كونه مرفوعًا، ولفظه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليُصلّ ركعتين». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ١٣٩٥ - وفي «الكبرى» -١٦/ ١٧٠٣ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢/ ٧١ (م) ٣/ ١٤ (أحمد) ٣٦٩. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، وقد خرج الإِمام، وذلك أنه يستحبّ له أن يركع ركعتين. ومنها: جواز صلاة تحية المسجد في الأوقات المكروهة، لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها، فغيرها أولى. ومنها: أن التحية لا تفوت بالقعود، لأنه ثبت أن سُليكًا دخل المسجد، فقعد، فقاله النبي -ﷺ-: «قم، فاركع ركعتين»، لكن الظاهر أن هذا مقيد بالجاهل، والناسي، كما قاله بعضهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «لكن الظاهر إلخ» فيه نظر، بل عدم التقييد هو الظاهر؛ لأنه لو كان مقيدًا لبينه النبي -ﷺ-، ولم يثبت ذلك منه. والحاصل أن الجلوس لا يقطع مشروعية ركعتي تحية المسجد؛ إذ لا دليل عليه. والله تعالى أعلم. ومنها: أن للخطيب أن يأمر وينهى، ويُبَيّن الأحكام في أثناء خطبته، ولا يقطع ذلك توالي الخطبة، بل إن ذلك من جملة الخطبة. ومنها: ما قاله بعضهم: أنه يدلّ على أن المسجد شرط للجمعة، للاتفاق على أنه لا تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر . ومنها: أنه يدلّ على جواز ردّ السلام، وتشميت العاطس في حال الخطبة، لأن أمرهما أخفّ، وزمنهما أقصر، ولاسيما رد السلام، فإنه واجب. قاله في «الفتح» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في المرء يدخل المسجد يوم الجمعة، والإمام على المنبر، فقالت طائفة: يركع ركعتين، ويجلس، كذلك قال الحسن البصري، وفعل ذلك مكحول، وهو قول ابن عيينة، و-عبد الله بن يزيد- المقرىء، والشافعي، والحميديّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، ونفر من أهل الحديث. وقالت طائفة: يجلس، ولا يصلي، هذا قول محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وشُريح، وقتادة، والنخعيّ، ومالك، والليث بن سعد، والثوريّ، وسعيد بن عبد العزيز، والنعمان. وفيه قول ثالث، قاله أبو مِجْلَز، قال: إن شئت ركعت، وإن شئت جلست. وفيه قول رابع، قاله الأوزاعيّ، قال: كان من هدي الناس أن يركع الرجل في منزله ركعتين عند خروجه إلى الجمعة، فمتى ركعهما، ثم جاء المسجد، فوجد الإِمام يخطب قعد، ولم يركع، وإن لم يكن ركع قبل خروجه، فلا يجلس حين يدخل المسجد حتى يركع. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يصلي إذا دخل، والإمام يخطب ركعتين خفيفتين، صلى في منزله، أو لم يصلّ، لأن النبي -ﷺ- أمر بذلك الداخل في المسجد، وأَمْرُهُ على العموم، ويؤكد ذلك حديث أبي قتادة -﵁- . ولا يقولنّ قائل: إن النبي -ﷺ- خَصَّ بهما سُليكًا، لأن في حديث جابر -﵁- جاء سُليكٌ الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله -ﷺ- يخطب، فجلس، فقال له النبي -ﷺ-: «قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما»، ثم قال: «إذا دخل أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ويتجوّز فيهما». قال: ومما يزيد ذلك ثباتًا فعل أبي سعيد الخدريّ -﵁- ذلك، وهو الراوي بهذه القصة، دخل، ومروان يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، وقال: ما كنت أدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله -ﷺ-، وذكر الحديث. قال ابن المنذر ﵀: وفي قوله: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين» بعد أن علّم سُليكًا أبينُ البيان بأن ذلك عامّ للناس انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى في هذه المسألة، ورجحه حسنٌ جدًّا. وقد حقق البحث في هذه المسألة الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح»، فذكر أدلّة الفريقين، وناقشها بما لا يوجد في غيره، فقال: واستُدلّ به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. وتُعُقّب بأنها واقعة عين لا عُموم لها، فيحتمل اختصاصها بسُليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: «جاء رجل، والنبي -ﷺ- يخطب، والرجل في هيئة بذَّة، فقال له:»أصليت؟ «، قال: لا، قال:»صلّ ركعتين، وحَضَّ الناس على الصدقة … «الحديث، فأَمَرَهُ أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم، فيُتَصدَّق عليه. ويؤيِّده أن في الحديث عند أحمد أن النبي -ﷺ- قال:«إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذّة، فأمرته أن يُصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يَفطن له رجل، فيُتَصدَّقَ عليه». وعُرف بهذه الرواية الردّ على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بَذَّةٍ، فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذّة، فليقم، فليركع حتى يتصدّق الناس عليه. والذي يظهر أنه -ﷺ- كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند المعاتبة. ومما يُضعف الاستدلال به أيضًا على جواز التحية في تلك الحال أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس. وورد أيضًا ما يُؤكّد الخصوصية، وهو قوله -ﷺ- لسليك في آخر الحديث:«ولا تعودنّ لمثل هذا». أخرجه ابن حبان. انتهى ما اعتلّ به من طعن في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التحيّة. وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصيّة، والتعليل بكونه -ﷺ- قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يُجيزون التطوّع لعلة التصدّق. قال ابن المنيّر في«الحاشية»: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوّع عند طلوع الشمس، وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به. ومما يدلّ على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدّق معاودته -ﷺ- بأمره بالصلاة أيضًا في الجمعة الثانية بعد أن حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدّق بأحدهما، فنهاه النبي -ﷺ- عن ذلك، أخرجه النسائي ، وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا، ولأحمد، وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرّات في ثلاث جمع، فدلّ على أن قصد التصدّق عليه جزء علّة، لا علّة كاملة. وأما إطلاق من أطلق أن التحيّة تفوت بالجلوس، فقد حَكَى النووي في «شرح مسلم» عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم ، أما الجاهل، أو الناسي فلا، وحالُ هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرّتين الأخريين على النسيان. والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات، والاستماع للخطبة. قال ابن العربي: عارض قصّةَ سُليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله -ﷺ-: «إذا قلتَ لصاحبك: أنصتْ، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت»، متفق عليه. قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحيّة مع طول زمنها أولى. وعارضوا أيضًا بقوله -ﷺ-، وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: «اجلس، فقد آذيت»، أخرجه أبو داود، والنسائيّ ، وصححه ابن خزيمة، وغيره من حديث عبد الله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحيّة. وروى الطبرانيّ من حديث ابن عمر، رفعه: «إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة، ولا كلام، حتى يفرُغ الإِمام». والجواب عن ذلك كلّه أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يُعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن: أما الآية، فليست الخطبة كلها قرآنًا، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل. وأيضًا فمصلي التحيّة يجوز أن يُطلق عليه أنه منصت، فقد تقدّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة -﵁-، أنه قال: «يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟» فأطلق على القول سرًا السكوتَ. وأما حديث ابن بُسْر -﵁-، فهو أيضًا واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحيّة قبل مشروعيتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سُليك بمثل ذلك. ويحتمل أن يُجمَعَ بينهما بأن يكون قوله له: «اجلس» أجب بشرطه، وقد عرف قوله للداخل: «فلا تجلس حتى تصلي ركعتين»، فمعنى قوله: «اجلس»، أي لا تتخطّ، أو ترك أمره بالتحيّة لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحيّة، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الوجه هو الأولى والأقرب في الجواب من جميع الاحتمالات المذكورة. والله تعالى أعلم. قال: والجواب عن حديث ابن عمر -﵁- بأنه ضعيف، فيه أيوب ابن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثله. وأما قصّة سُليك، فقد ذكر الترمذيّ أنها أصح شيء رُوي في هذا الباب، وأقوى. وإجاب المانعون أيضًا بأجوبة غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة، أوردتها مُلخّصةً مع الجواب عنها، لتُستَفاد: الأول: قالوا: إنه -ﷺ- لما خاطب سُليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سُليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع سُليك بين سماع الخطبة، وصلاة التحية، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية، والخطيب يخطب. والجواب أن الدارقطني الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه، وقال: إن الصواب أنه من رواية سليمان التيميّ مرسلًا، أو معضَلًا. وقد تعقبه ابن المنير في «الحاشية» بأنه لو ثبت لم يسغ على قاعدتهم، لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه، لا سيما إذا كان واجبًا. الثاني: لما تشاغل النبي -ﷺ- بمخاطبة سُليك سقط فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة. قاله ابن العربي، وادعى أنه أقوى الأجوبة. وتُعُقّب بأنه من أضعفها، لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول الله -ﷺ- إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أَمَره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى في حال الخطبة. الثالث: قيل: كانت هذه القصة قبل شروعه -ﷺ- في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم: «والنبي -ﷺ- قاعد على المنبر». وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضًا، فيكون كلمه بذلك، وهو قاعد، فلما قام يصلي قام النبي -ﷺ- للخطبة، لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول. ويحتمل أيضًا أن يكون الراوي تجوّز في قوله: «قاعد»، لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل، والنبي -ﷺ- يخطب. الرابع قيل: كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصلاة. وتُعقّب بأن سُليكًا متأخر الإِسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدِّم، كما مرّ في موضعه، فكيف يُدّعَى نسخ المتأخر بالمتقدّم، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه، وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به، وهو ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر -﵂-: «إذا خرج الإمام، فلا صلاة، ولا كلام»، لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحيّة، والأولى في هذا أن يُقال على تقدير تسليم ثبوت رفعه يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة، كما تقدَّم. الخامس: قيل: اتفقوا على أنّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفّل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك. قاله الطحاويّ. وتُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النَّصَّ، فهو فاسد. وما نقله من الاتفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره. وقد شذّ بعض الشافعية، فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع التنفّل، وإلا فلا. السادس. قيل: اتفقوا على أن الداخل، والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شكّ أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا. وتُعُقّب بأن الخطبة ليست صلاةً من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: «إذا أقيصت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة»، وقد وقع في بعض طرقه: «فلا صلاة إلا التي أُقيمت»، ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة. السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى. وتُعُقّب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّدًا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب. وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة. الثامن: قيل: لا نُسلم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحية المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة، كالصبح مثلًا، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في «الحاشية»، وقال: لعله -ﷺ- كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةَ لم يحتج إلى استفهامه، لأنه قد رآه لمّا دخل. وقد تولّى رده ابن حبان في «صحيحه»، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة أخرى، ومن هذه المادّة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ماجه: «أصليت قبل أن تجيء»؛ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا. ويحتمل أن يكون معنى: «قبل أن تجيء» أي إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم: «أصليت الركعتين» بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سيأتي في بابه. التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: «أصليت»، لأن وقت الصلاة لم يكن دخل. وهذا ينبنى على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب ، وفي الذي يعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة. قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا. وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدري، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضًا. فروى الترمذي، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح: «أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله -ﷺ- يأمر بهما» انتهى. ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر، وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة ابن أبي مالك: «أدركت عمر، وعثمان -وكان الإِمام- إذا خرج تركنا الصلاة». ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصّة. قال الحافظ العراقي في «شرح الترمذيّ»: كلّ من نقل عنه -يعني من الصحابة- منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد، لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال انتهى. قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحًا عن أحد من الصحابة. وأما ما رواه الطحاويّ عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع. وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد استدلّ به الطحاويّ، فقال: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية دلّ على صحة ما قلناه. وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم. وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام، لأن تحيته الطواف؟ فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط. وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله -ﷺ- في حديث أبي قتادة: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين». متفق عليه. وقد تقدّم الكلام عليه. وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله -ﷺ-، وهو يخطب: «إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب -أو قد خرج- فليُصلّ ركعتين» متفق عليه أيضًا، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله: «فاركعهما، وتَجَوَّزْ فيهما» ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما». قال النووي: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحًا، فيخالفه. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل. وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره. وكأنه يُشير الى بعض ما تقدّم من إدعاء النسخ، أو التخصيص. وقد عارض بعض الحنفية الشافعيّةَ بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك، لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه. وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد -﵁- رفعه: «لا تصلّوا، والإمام يخطب». وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة. وبعضهم بأن عمر -﵁- لم يأمر عثمان -﵁- بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما.
مصادر المؤلف (١١)

١. «نيل الأوطار» ٣/ ٣١٢ - ٣١٣.

٢. قال الجامع: لا نظر فيه، بل هو الحق، فتأمل. والله تعالى أعلم.

٣. جـ ٣ ص ٧٦ - ٧٧.

٤. عبارة ابن حزم في «المحلى» جـ ٥ ص ٧٠: «وجمهور أهل الحديث».

٥. يعني حديث عمرو بن سُليمٍ، عن أبي قتادة مرفوعًا: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». متفق عليه.

٦. هكذا نسخة«الأوسط»بالباء، ولعل الأولى«لهذه القصة»باللام.

٧. «الأوسط»جـ ٤ ص ٩٤ - ٩٦.

٨. سيأتي برقم ٢٦/ ٤٠٨ إن شاء الله تعالى.

٩. قد سبق ترجيح القول بعدم الفوات بالجلوس للعامد أيضًا، فلا تغفل.

١٠. سيأتي برقم ٢٠/ ١٣٩٩.

١١. يعني رواية البخاري، ولفظه: «جاء رجل، والنبي -ﷺ- يخطب الناس يوم الجمعة …» الحديث.