HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٤٠٤

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: الْحَمْدُ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص452
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ٣ ص ١٠٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٢٣٠
«ثم ينصت» فدلّ على تقدم ذلك على الخطبة، وقد بينه أحمد من حديث نُبيشة الهذلي بلفظ: «فإن لم يجد الإِمام خرج صلى ما بدا له». ومنها: جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، كذا قيل، وفيه نظر. ومنها: أن التبكير ليس من ابتداء الزوال، لأن خروج الإمام يعقب الزوال، فلا يسع وقتًا يتنفّل فيه. ومنها: أنه قد تبين بمجموع ما ذكر من الروايات أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدّم، من غسل، وتنظيف، وتطّيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفّل، والإنصات، وترك اللغو. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو: «فمن تخطّى، أو لغا كانت له ظهرًا». ودلّ التقييد بعدم غشيان الكبائر على أن الذي يُكفَّر من الذنوب هو الصغائر، فتحمل الروايات المطلقة كلها على هذا المقيّد، وذلك أن معنى قوله: «ما لم تُغْشَ الكبائر»، أي فإنها إذا غُشيت لا تُكفّر، وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر، إذ اجتناب الكبائر بمجرّده يكفّرها، كما نطق به القرآن، ولا يلزم من ذلك أن لا يكفّرها إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن للمرء صغائر تُكفّر رُجي له أن يُكفّر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، وإلا أُعطي من الثواب بمقدار ذلك، وهو جارٍ في جميع ما ورد في نظائر ذلك. قال في «الفتح» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢٤ - (بَابُ كيفِيَّةِ الْخُطْبَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقع في نسخة «بَابٌ كيف الخطبةُ»، فعلى الأول فـ«باب» مضاف إلى «كيفية»، وعلى الثاني يحتمل أن يكون مضافًا إلى جملة «كيف الخطبة»، ويحتمل أن يكون منوّنًا، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ:»الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ«، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، شَيْئًا وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ). رجال هذا الإسناد. سبعة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدّم ٦٤/ ٨٠. ٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر المعروف بـ«بُندَار» البصريّ، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧. ٣ - (محمد بن جعفر) غُندر تقدم قبل خمسة أبواب. ٤ - (شعبة) بن الحجاج، تقدم قبل خمسة أبواب أيضًا. ٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفي، ثقة عابد اختلط في آخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢. ٦ - (أبو عُبيدة) بن عبد الله بن مسعود الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة، لا يعرف اسمه، تقدم ٥٥/ ٦٢٢. ٧ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣/ ٣٩. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ) الضمير يعود إلى عبد الله، أي قال عبد الله بن مسعود، حال كونه راويًا عن النبي -ﷺ- (عَلَّمَنَا) الضمير الفاعل يعود إلى النبيﷺ-، والجملة مقول القول (خُطْبَةَ الْحَاجَةِ) أي الخطبة التي تقال عند افتتاح الكلام لقضاء الحاجة، من النكاح وغيره. قال السنديّ ﵀: الظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره، فينبغىِ للإنسان أن يأتي بهذا ليستعين به على قضائها وتمامها، ولذلك قال الشافعي ﵀: الخطبة سنة في أول العقود كلها، مثل البيع، والنكاح، وغيرهما، والحاجة إشارة إليها. ويحتمل أن المراد بالحاجة النكاح، إذ هو الذي تعارف فيه الخطبة، دون سائر الحاجات، وعلى كلّ تقدير فوجه ذكر المصنف الحديث في هذا الباب، لأن الأصل اتحاد الخطبة، فما جاز، أو جاء في موضع جاز في موضع آخر أيضًا، وكأنه جاء فيه، والله تعالى أعلم انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: بل الاحتمال الأول هو الصواب، لأن في سنن أبي داود التصريح بذلك، فقد أخرجه من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود: «في خطبة الحاجة، في النكاح وغيره»، والله تعالى أعلم. (الْحَمْدُ للهِ) وفي رواية «عمل اليوم والليلة» من طريق إسماعيل بن حمّاد بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق: «ان الحمد لله، نحمده»، قال الجزري في «تصحيح المصابيح»: يجوز تخفيف «أن»، وتشديدها، ومع التشديد يجوز رفع «الحمد»، ونصبه، ورويناه بذلك انتهى. وقال الطيبي: «أن» مخفّفة من الثقيلة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. والحمد هنا يجب أن يُحمل على الثناء الجميل من نعمة، أو غيرها، من أوصاف الكمال والجلال والجمال، والإكرام، والأفعال العظام، والتعريفُ على استغراق الجنس، فيفيد أن كلّ نعمة من النعم الدنيوية والأخروية ليست إلا منه، وكلّ صفة من صفات الكمال، وفضائل الأعمال له، ومنه، وإليه، لتترتب عليه الأفعال المتناسقة بعده، من الاستعانة، والاستغفار، والاستعاذة. أفاده القاري . (نَسْتَعِينُهُ) أي في جميع الأمور، قال القاري ﵀: أي في حمده، وغيره، وهو، وما بعده جُملٌ مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين انتهى. (وَنَسْتَغْفِرُهُ) أي من تقصير عبادته، وتأخير طاعته (وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) أي نعتصم بالله من ظهور شرور أخلاق أنفسنا الرديّة، وأحوال طَباع أهوائنا الدَّنية (وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) وفي رواية بزيادة «من»، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي من أعمالنا السيّئة (مَنْ يَهْدِهِ الله) بإثبات الضمير، وفي رواية بحذفه، أي من يُوفّقهُ الله لاتباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أي من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) بحذف الضمير المنصوب، أي من يُزغه عن اتباع الحقّ، يقال: ضلّ الرجلُ الطريقَ، وضلّ عنه يَضلّ من باب ضرب، ضَلَالًا، وضلالةً: زلْ عنه، فلم يهتد إليه، وأضله الله يتعدى بالهمزة (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي لا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، ومن جهة أحد من الخلق. قال الطيبي ﵀: أضاف الشرّ إلى الأنفس أوّلًا كسبًا، والإضلال إلى الله تعالى ثانيًا خلقًا وتقديرًا. انتهى. (وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) زاد في رواية «عمل اليوم والليلة»: «وحده لا شريك له» (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدم معنى الشهادتين في «كتاب الأذان». (ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتِ) قال الطيبيّ: هذا يقتضي معطوفًا عليه، فالتقدير يقول: «الحمد لله»، ثم يقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن مسعود -﵁-، موقوفًا، قال: هو أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. وقد ذهب سعيد بن جُبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم، والسُّدّيّ، وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- إنها لم تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يُجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم. ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي حافظوا على الإِسلام في حال صحّتكم وسلامتكم، لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى سنته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هي حواء ﵍، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس -﵄-، قال: «خُلقت المرأة من الرجل، فجُعلت نهمتها في الرجل، وخُلق الرجل من الأرض، فجُعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم». وفي الصحيح من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تُقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج». وفي لفظ لمسلم: «إن المرأة خُلقت من ضلع، لن تستقيم على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها». ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي وذرأ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساء، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. ﴿وَاَتَّقُواْ اَللهَ﴾ بطاعتكم إياه ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين، وبتشديد السين، قرءتان متواترتان (بِه) أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم بالله، كما تقولون: أسألك بالله، قال إبراهيم، ومجاهد، والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي كما يقال: أسألك بالله وبالرحم. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عند عامة القرّاء، أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفيه المبالغة في اجتناب قطع الرحم. وقال الضحّاك: واتقوا الله الذي تعاقدون، وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن برّوها، وصلوها. وقرأ حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجرّ على العطف على الضمير في «به»، أي تساءلون بالله، وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره. والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ فصيح على الصحيح، كما قال ابن مالك: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ علَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحيحِ مُثْبَتَا وفي قراءة شاذة عن ابن مسعود: «وبالأرحام». وقيل: الجرّ للجوار، وقيل: الواو للقسم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي هو مراقبٌ لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وفي الصحيح: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك»، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب. وإنما ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد، وأمّ واحدة ليُعَطِّفَ بعضهم على بعض، ويَحُثَّهُم على ضعفائهم. (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾) أي مستقيمًا لا اعوجاج فيه، ولا انحراف ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هذا وَعْد منه ﷾ أنهم إن فعلوا ذلك أثابهم عليه، بأن يُصلح لهم أعمالهم، أي يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يُلهمهم التوبة منها. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾: أي بامتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي بأن يُجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم . زاد الطبراني بعد ذكر الآيات: «أما بعد» ثم يذكر حاجته. (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي (أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ) عبد الله بن مسعود -﵁-. وغرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان أن هذا السند فيه انقطاع، حيث إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. وهذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى قد ثبت عن أبي عبيدة نفسه، فقد ذكر الترمذيّ عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سألت أبا عُبيدة، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا . (وَلَا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود) يعني أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وهو أخو أبي عُبيدة لم يسمع من أبيه أيضًا. وهذا الذي قاله المصنف ﵀، قد اختلف فيه أهل العلم بالآثار، فمنهم من أثبت سماعه، ومنه من نفاه: قال يعقوب بن شَيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلّموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا. فأما علي بن المديني، فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن، وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد: مات عبد الله، وعبد الرحمن ابن ست سنين، أو نحوها. وقال أحمد، أما سفيان الثوريّ، وشريك، فإنهما يقولان: سمع، وأما إسرائيل، فإنه يقول في حديث الضبّ: سمعت. وقال العجلي: يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: «محرّم الحلال كمستحلّ الحرام». وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: سمع من أبيه، وعن عليّ. وروى البخاريّ في «التاريخ الصغير» بإسناد لا بأس به، عن القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: لمّا حَضرَ عبدَ الله الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: «ابْك من خطيئتك». وروى البخاريّ أيضًا في «التاريخ الكبير»، وفي «الأوسط» من طريق ابن خُثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: إني مع أبي، فذكر الحديث في تأخير الصلاة، زاد في «الأوسط»: قال شعبة: لم يسمع من أبيه. وحديث ابن خُثيم أولى عندي. وقال ابن المديني في «العلل»: سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأسند حديثه: «محرم الحلال» من طريق سماك عنه. وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة. وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه انتهى. قال الحافظ: وهو نقل غير مستقيم. وقال خليفة: مات مقدم الْحَجَّاج العراق سنة (٧٩) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر من كلام الأكثرين أنه سمع من أبيه قليلًا، بخلاف أبي عبيدة، فإنه لم يسمع شيئًا. والله تعالى أعلم. (وَلَا عَبْدُ الْجَبارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْر) يعني أن عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه. وهذا الذي قاله المصنف ثبت عن غيره أيضًا، فذكر الدُّوريّ عن ابن معين، قال: لم يسمع من أبيه شيئًا. وقال أبو داود، عن ابن معين: مات أبوه، وهو حَمْل. وقال الترمذيّ. سمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولا أدركه. وقال ابن حبان في «الثقات»: من زعم أنه سمع أباه، فقد وهم، لأن أباه مات، وأمه حامل به. وقال البخاريّ: لا يصحّ سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون لم يلقه. وبمعنى هذا قال أبو حاتم، وابن جرير الطبري، والْجُريري، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، والدارقطنيّ، والحاكم، وقبلهم ابن المدينيّ، وآخرون . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أنهم اتفقوا على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا. وأما ما قاله في «تهذيب الكمال»: إنه قد صحّ عنه أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي. فقد رَدّه الحافظ بما نص عليه البزّار من أن هذا القول لعلقمة بن وائل، لا لأخيه عبد الجبار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. فإن قيل: كيف يصح، وفيه انقطاع، كما بينه المصنف؟. أجيب: بأنه موصول من طريق آخر صحيح، فقد أخرجه المصنف ١٩٠/ ١١٦٤ - عن أبي الأحوص، عن عبد الله -﵁-. وله طريق أخرى عن عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود -﵁-، بلفظ: أن رسول الله -ﷺكان إذا تشهد قال: «الحمد لله، نستعينه، ونستغفره …» الحديث، إلى قوله: «عبده ورسوله»، وزاد: «أرسله بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، بين يدي الساعة، من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا». أخرجه أبو داود، والبيهقيّ، والطبرانيّ في «الكبير». وسنده ضعيف، فأبو عياض مدني مجهول، كما في «ت». وله شواهد من حديث أبي موسى الأشعريّ، وابن عباس، وجابر، وتُبَيط بن شَريط، وعائشة رضي الله تعالى عنهم. وقد تكلم على أحاديث هؤلاء الصحابة -﵃- العلامةُ المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى في رسالة نافعة جامعة، فأحسن، وأجاد، وأسهب وأعاد، فجزاه الله عن خدمة كتب السنة، والعناية بها أتمَّ عناية خيرَ الجزاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٤/ ١٤٠٤ - وفي «عمل اليوم والليلة» ٤٩١ - عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عنه. وفي «عمل اليوم والليلة» عن زكريا بن يحيى السجزيّ، عن وهب بن بقية، عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق به. قال أبو عبيدة: وسمعت أبا موسى، يقول: كان رسول الله -ﷺ- يقول: «فإن شئت أن تَصلَ حطبتك بآي من القرآن، فقل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد، ثم تكلّم بحاجتك». وفي ٤٩٣ - عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: علّمنا رسول الله -ﷺ- خطبة الحاجة: «الحمد لله نحمده، ونستعينه … ثم ذكر مثله سواءٌ، وقال: قال عبد الله: ثم تصل خطبتك بثلاث آيات، وساق الحديث. وأخرجه (د) ٢١١٨ و٢١١٩. (الطيالسي) ٣٣٨ (أحمد) رقم ٣٧٢٠ و٤١١٥ (أبو يعلى» والطبراني في «المعجم الكبير»، والبيهقي في «سننه» ٧/ ١٤٦ من طرق. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية الخطبة، فينبغي للخطيب أن يستنّ بهذه السنة التي كادت تموت، فيحييها، فيكون له أجر من أحيى سنة أميتت. ومنها: أن الحاجة يستحبّ افتتاحها بهذه الخطبة، فإنها سوف تنجح ببركة هذا الذكر. ومنها: أن الخطبة ينبغي أن تكون مشتملة على الحمد، والشهادتين، وبعض الآيات القرآنية. وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى في «شرح المهذب» أن فروض الخطبة خمسة: (أحدها): حمد الله تعالى (الثاني): الصلاة على رسول الله -ﷺ-. (الثالث): الوصيّة بتقوى الله تعالى. (الرابع): قراءة القرآن. (الخامس): الدعاء للمؤمنين. وقد ذكر هذه الأمور مفصلة، فراجعه . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى كون هذه الأمور كلها من فروض الخطبة يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». …
مصادر المؤلف (١٠)

١. «فتح» ٣/ ٢٥ - ٢٧.

٢. «شرح السندي» ٣/ ١٠٥.

٣. لعل الصواب «الثناء بالجميل إلخ» بزيادة الباء.

٤. «المرقاة شرح المشكاة» جـ ٦ ص ٣٠٨.

٥. راجع «شرح ابن كثير» في «تفسير سورة آل عمران» جـ ١ ص ٣٩٦.

٦. «تفسير ابن كثير» في «سورة الأحزاب» جـ ٣ ص ٥٢٩

٧. انظر «تت» في ترجمة «عامر بن عبد الله بن مسعود».

٨. «تت» في ترجمة «عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود».

٩. «تت» في ترجمة «عبد الجبار بن وائل».

١٠. «المجموع» جـ ٤ ص ٣٨٨ - ٣٩٠.