HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٤٥٨

أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ، فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ قَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لَأَتْمَمْتُهَا، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَأَبَا بَكْرٍ، حَتَّى قُبِضَ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ كَذَلِكَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص468
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ١٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٣٧٧
شرح الحديث عن وبَرَة بن عبد الرحمن أنه (قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه لا يتم في السفر كما كان يُتمّ بعض الصحابة، ويحتمل أن يكون المعنى لا يتطوع زيادة على ركعتي الفريضة، بل يقتصر عليهما، وعلى الأول تكون جملة قوله (لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) مستأنفة بَيَّنَ بها أنه لا يصلي الرواتب القبلية، ولا البعدية، وعلى الثاني تكون الجملة تفسيرًا قوله: «لا يزيد في السفر على ركعتين». وأفرد الضمير في قوله: «قبلها، وبعدها» مع أن المرجع مثنى، وهو «ركعتين» باعتبار الصلاة (فَقَيلَ لَهُ: مَا هَذا؟) أي قيل لابن عمر: ما هذا الاقتصار على الركعتين، وترك السنن الرواتب كلها (قَالَ) أي ابن عمر - ﵄ - (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَصْنَعُ) أي من الاقتصار على الركعتين، وترك السنن الرواتب القبلية والبعدية. وإنما قيدنا بالقبلية والبعدية، لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يتطوع في السفر على راحلته، وأنه كان يصلي الوتر، وإنما ترك الراتب القبلية والبعدية. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٥/ ١٤٥٧ - وفي «الكبرى» - ٥/ ١٩١٥ - بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،. وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٨ - (أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ، فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ، قَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا لأَتْمَمْتُهَا، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ - ﵃ - كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نوح بن حَبيب) الْقُومَسيّ، أبو محمد الْبَذَشيّ، ثقة سنيّ [١٠] تقدم ٧٩/ ١٠١٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصري الإمام الحجة المثبت [٩] تقدم ٤/ ٤ ٣ - (عيسى بن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العَدَويّ، أبو زياد المدنيّ، لقبه رَبَاح -بموحدة- ثقة [٦]. روى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. وعنه يحيى القطان، وسليمان بن بلال، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. ونقل ابن خلفون أن العجلي وثقه. وقال الحاكم: قال فيه القعنبي: عيسى بن حفص الأنصاريّ، وكانت أمه ميمونة بنت داود الخزرجية، فربّما عرف بقبيلة أخواله. وقال ابن حبان، وابن قانع، والواقدي: مات سنة (١٥٧) زاد الواقدي: في خلافة أبي جعفر. روى له الجماعة، سوى الترمذي، له عندهم حديثان: أحدهما حديث الباب، والآخر حديثه عن نافع، عن ابن عمر في فضل المدينة. ٤ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمري المدني، ثقة [٣] تقدم ٦٠/ ٨٦٧. ٥ - (ابن عمر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في السند السابق. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها. أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عيسى بن حفص. ومنها: أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن حفص بن عاصم -﵀- أنه (قال: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ) ولفظ مسلم: «صحبتُ ابن عمر في طريق مكة …» (فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ركعتين) الظاهر أنه صلاهما جمعًا، وفي نسخة: «أو العصر» بـ «أو»، والظاهر أنه تصحيف، لأن ابن عمر لا يرى جواز النافلة بعد العصر، فلو رآهم يتنفلون بعد العصر لكان إنكاره في ذلك أشدّ. ولفظ مسلم: «فصلى لنا الظهر ركعتين» (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع من محل صلاته (إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ) مثلّثة الطاء، والفاء، وبكسر الطاء، وفتح الفاء، وبالعكس: واحدة الطنافس للبُسُط، والثياب، والحَصير، من سَعَف، عرضه ذراع. قاله المجد. وقال الفيّومي: «الطنفسة» بكسرتين في اللغة العالية، واقتصر عليها جماعة، منهم ابن السِّكِّيت، وفي لغة بفتحتين، وهي بساط له خَمْلٌ رَقيقٌ، وقيل: هو ما يُجعل تحت الرَّحْل على كتفي البعير، والجمع طَنَافس انتهى (فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ) أي يصلون النافلة، فالسبحة معناها النافلة (قَالَ) أي ابن عمر (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) «ما» استفهامية، والاستفهام هنا للإنكار (قُلْتُ) القائل حفص بن عاصم (يُسَبِّحُونَ، قَالَ) أي ابن عمر (لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا) أي قبل الركعتين اللتين صليتهما قصرًا (لأَتْمَمْتُهَا) أي أتممت المكتوبة، وأفرد الضمير في المواضع الثلاث باعتبار الصلاة، كما تقدم في الحديث الذي قبله. يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ. قاله في «الفتح». وقال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: لعلّ المعنى: لو كنت صليت النافلة على خلاف السنة لأتممت الفرض على خلافها، أي لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحبّ، وأولى من تركها لإتيان النفل، وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا، حتى يَردَ عليه ما قيل: إن شرع الفرض تامّةً يُفضي إلى الحرج، إذ يلزم حينئذ الإتمام، وأما شرع النفل، فلا يُفضي إلى حرج، لكونها إلى خيرة المصلي انتهى . (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيا، وهو ما يقع جوابًا لسؤال مقدّر، فكأنه قال له: لماذا قلت هذا الكلام؟، فأجابه بأنه صحب رسول اللَّه - ﷺ - (فَكَان لَا يَزِيدُ فِي السفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ) أي في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يُعترض على كلامه بالمغرب، حيث لا تُصلى ركعتين إجماعًا. قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل هذا اللفظ -يعني «كان لا يزيد في السفر على ركعتين«- أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويحتمل أن يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويدلّ على هذا الثاني رواية مسلم، ولفظه: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت»، فذكر المرفوع انتهى . قال النووي -﵀-: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة محتّمة، فلو شُرعت تامة لتحتَّم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، ويُخيّر فيها انتهى. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن مراد ابن عمر بقوله:«لو كنت مسبحًا لأتممت»يعني أنه لو كان مخيرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ انتهى. (وَأَبَا بَكْرٍ) بالنصب عطفًا على«رسول اللَّه»، أي وصحبت أبا بكر (حَتَّى قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي مات (وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ - ﵄ - كَذَلِكَ) أي حتى قُبضا، ولفظ مسلم:«يا ابن أخي صحبت رسول اللَّه - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، ثم صحبتُ عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] »انتهى . وإنما ذكر الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع ليُبيّن أن العمل استمرّ على ذلك، ولم يطرُق إليه نسخٌ، ولا مُعارض، ولا راجحٌ. واستُشكل قوله:«ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه»، لأنه ثبت فيما تقدم من حديث ابن عمر أن عثمان أتمها بعد ثماني سنين، أو ست. وأجيب بأن المراد في هذه الرواية أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصةً، وقد فسر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى. أفاده النووي -﵀ - في«شرح مسلم». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ١٤٥٨ - وفي«الكبرى»-٥/ ١٩١٦ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٧ (م) ٢/ ١٤٤ (د) ١٢٢٣ (ق) ١٠٧١ (أحمد) ٢/ ٢٤ ر ٢/ ٥٦ (عبد بن حميد) ٨٢٧ (ابن خزيمة) ١٢٥٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ترك السنن الرواتب في السفر. ومنها: بيان ملازمة النبي - ﷺ - للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتمّ في السفر حتى توفاه اللَّه تعالى، وكذا الخلفاء - ﵃ - بعده، ففيه الردّ على من قال: بأن الإتمام أفضل من القصر. ومنها: الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن واجبة. ومنها: فضل ابن عمر - ﵄ -، حيث كان شديد الاتباع للنبي - صلي اللَّه عليه وسلم -، في جميع أفعاله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في التطوع في السفر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في التطوع في السفر، فثبت أن ابن عمر لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئًا قبلها، ولا بعدها، إلا من جوف الليل. ورأت طائفة التطوع في السفر، فممن روينا عنه أنه كان يتطوع في السفر عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وابن عباس وأبو ذرّ، وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺيُسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. وممن رُوي عنه أنه كان يتطوع في السفر: القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد، والحارث بن سُويد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، والشعبي، ومكحول، والحسن البصري، والنخعي، وعروة بن الزبير، وعمرو بن ميمون، وجابر بن زيد، وأبو وائل، وهو قوله مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-. انتهي . وقال الإمام الترمذي -رحمه اللَّه تعالى-: ثم اختلف أهل العلم بعد النبي - صلي اللَّه عليه وسلم -، فرأى بعض أصحاب النبي - صلي اللَّه عليه وسلم - أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها، ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم، يختارون التطوع في السفر انتهى . وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر، وآخرون، واستحبها الشافعي، وأصحابه، والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامّة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته - ﷺ - الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن» والقياس على النوافل المطلقة انتهى. وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: كان من هديه - ﷺ - الاقتصار على الفرض، ولم يُحفظ عنه - ﷺ - أنه صلى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حضرًا، ولا سفرًا، قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة، ولا بعدها، إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي - ﷺ - كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة، ولا بعدها شيئًا، ولم يكن يمنع من التطوع قبلها، ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة، ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يُجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها، وقد خفف الفرض ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان التمام أولى به. وقال أيضًا:، كان أي النبي - ﷺ - كل يواظب على سنة الفجر، والوتر أشد من جميع النوافل، دون سائر السنن، ولم ينقل أنه - ﷺ - صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر في السفر؟ فقال: لو كنت مسبحًا لأتممت، وهذا من فقهه - ﵁ -، فإن اللَّه -﷾- خفف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شرع لها الركعتان قبلها، أو بعدها لكان الإتمام أولى به انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين بما ذُكر أن النفل المطلق ثابت عن النبي - ﷺ - في السفر، وكذا الوتر، ومن السنن الراتبة سنة الصبح، وما عدا ذلك، فأحاديثه متكلم فيها، وإن ثبتت فتحمل على أنه - ﷺ - فعلها لبيان الجواز، فالأولى للمسافر أن يلازم ما لازمه النبي - ﷺ -، وما عداه فعله في بعض الأحيان. هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». * * * ١٥ - (كِتَابُ الْكُسُوفِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الكسوف» لغةً: التغير إلى سواد، ومنه كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس: اسودت، وذهب شُعاعها. قال الفيومي -﵀-: كَسَفَت الشمسُ. من باب ضرب، كُسُوفًا، وكذلك القمر، قاله ابن فارس، والأزهريّ، وقال ابن الْقُوطيّة أيضًا: كسفَ القمرُ، والشمسُ، والوجهُ: تَغَيَّرَ، وكسَفَها اللَّه، كَسْفًا، من باب ضرب أيضًا، يتعدى، ولا يتعدّى، والمصدر فارق، ونُقل: انكسفت الشمسُ، فبعضهم يجعله مطاوعًا، مثل كسرته، فانكسر، وعليه حديث: «انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه - ﷺ -»، وبعضهم يجعله غلطًا، ويقول: كسفتُها، فكَسَفَتْ هي، لا غيرُ، وقيل: الكُسُوف ذَهَاب البعض، والخسوف ذَهَاب الكلّ، وإذا عدَّيتَ الفعلَ، نصبتَ عنه المفعول باسم الفاعل، كما تنصبه بالفعل، قال جَرير [من البسيط]: الشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةِ … تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا في البيت تقديم وتأخيرٌ، والتقديرُ: الشمسُ في حال طُلوعها، وبكائها عليك ليست تَكسف النجومَ والقمرَ، لعدم ضوئها. وقال أبو زيد: كسفت الشمسُ كُسُوفًا: اسودّت بالنهار، وكسفت الشمسُ النجومَ: غَلَبَ ضوءها على النجوم، فلم يبدُ منها شيء انتهى . وقال في مادة «خَسَفَ»: وخَسَفَه اللَّه -أي من باب ضرب- يتعدى، ولا يتعدى، وخسف القمرُ: ذهب ضوءه، أو نقص، وهو الكسوف أيضًا، وقال ثَعْلَبٌ: أجود الكلام: خسف القمرُ، وكسفت الشمسُ، وقال أبو حاتم في الفَرْق: إذا ذهب بعض الشمس، فهو الكُسُوف، وإذا ذهب جميعه، فهو الخُسُوفُ انتهى. وقال الإمام البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: «باب هل يقول: كسفت الشمس، أو خسفت؟»، وقال اللَّه تعالى. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]. انتهى. قال الزين ابن الْمُنَيِّر -﵀-: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء. قال الحافظ -﵀-: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن عروة،
مصادر المؤلف (٨)

١. «ق» و«المصباح» في مادّة «طنفس».

٢. «شرح السندي»جـ ٣ ص ١٢٣.

٣. «فتح»٣/ ٢٨٩.

٤. «صحيح مسلم» بشرح النووي ٦/ ١٩٧ - ١٩٩.

٥. «الأوسط» ٥/ ٢٤١ - ٢٤٤.

٦. «جامع الترمذي» بنسخة «تحفة الأحوذي» ٣/ ١١٨ - ١١٩.

٧. «زاد المعاد» ١/ ٤٧٣ - ٤٧٥.

٨. «المصباح» في مادّة «كسف».