HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٥٦٨

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَيَقْرَأُ بِهِمَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص509
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٣ ص ١٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٧ ص١٥٤
الجاهلية، فلا يجوز لمسلم أن يعظّم أعياد الكفرة. قال الحافظ في «الفتح»: استنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين، والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفيّ من الحنفية، فقال: من أهدى فيه، أي في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيما لليوم، فقد كفر باللَّه تعالى انتهى . وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفيّ: من اشترى فيه شيئًا لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم، كما يعظّمه الكفرة، فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعّم والتنزّه، وبالإهداء التحابّ جريًا على العادة، لم يكن كفرًا، لكنه مكروه للتشبه بالكفرة حينئذ، فينبغي التحرّز عنه انتهى. . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢ - بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدَيْنِ مِنَ الْغَدِ ١٥٦٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ، أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْعِيدِ مِنَ الْغَدِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بشر) بن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس البصريّ، ثقة [٥] ١٣/ ٥٢٠. ٢ - (أبو عُمير بن أنس) بن مالك الأنصاريّ، وكان أكبر أولاد أنس، ثقة [٤]. قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد اللَّه. روى عن عمومة له من الأنصار، من أصحاب النبي - ﷺ - في رؤية الهلال، والأذان. وعنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشيّة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبَّان في «الثقات». وصحح حديثه أبو بكر بن المنذر، وغير واحد. وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتجّ به. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقون تقدموا قريبًا، سوى شيوخ أبي عمير، وهم من الصحابة، كما ذُكر آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى أبي عمير، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ) بن مالك (عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ) زاد في رواية أبي داود: «من أصحاب النبي - ﷺ -. والعمومة جمع عمّ، كالخؤولة جمع خال (أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الْهِلَالَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -) ولفظ أبي داود:»أن ركبا جاءوا إلى النبي - ﷺ -، يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم«. وفي رواية ابن ماجه:«عن أبي عمير، قال: حدثني عمومتي من الأنصار، من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، قالوا: أُغمي علينا هلال شوّال، وأصحبنا صيامًا، فجاء ركب، من آخر النهار، فشهدوا عند رسول اللَّه - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول اللَّه - ﷺ - أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد». (فَأَمَرَهُمْ) أي أمر المسلمين عمومًا، لا أولئك القوم خصوصًا (أَنْ يُفْطِرُوا، بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ) أي بعد ما ارتفعت الشمس إلى وسط السماء في النهار، والظرف متعلق بـ«أمر» (وَأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْعِيدِ مِنَ الْغَدِ) قال السنديّ -﵀-. لعلّه ضاق الوقت عن إدراك الصلاة في وقتها مع الاستعداد، فأمر بالتأخير. واللَّه تعالى أعلم. وفيه دليل أنه إذا فات وقت صلاة العيد في أول اليوم تصلى في اليوم الثاني، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي عمير، عن عمومة له من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٢/ ١٥٥٧ - وفي «الكبرى» ٢/ ١٧٥٦ - بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ١١٥٧ (١) ١٦٥٣ (أحمد) ٥/ ٥٧٠ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في فوات صلاة العيد في اليوم الأول: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -﵀-: اختَلَف أهل العلم في طائفة تشهد يوم ثلاثين من هلال شهر رمضان أن الهلال رؤي بالأمس، فقالت طائفة: إن عُدِّلَا قبل الزوال صلى الإمام بالناس صلاة العيد، وإن عُدِّلا بعد الزوال لم يكن عليهم أن يصلّوا يومهم بعد الزوال، ولا من الغد، لأنه عمل في وقت إذا جاوز ذلك الوقت لم يعمل في غيره. هذا قول الشافعيّ ، وأبي ثور، وقال أبو ثور: لو ثبت الحديث قلنا به. وحكي عن مالك أنه قال: قد ذهب العيد لأول وقته أول نهارهم من يوم الفطر، فإذا ذهب يوم الفطر، فقد ذهب يومه. وقالت طائفة: إن شهدت بَيّنة قبل نصف النهار خرجوا، وأفطروا، وإن شهدت بعد نصف النهار أفطروا، وخرجوا إلى العيد من الغد. هذا قول الأوزاعيّ، وبه قال الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، واحتجّ أحمد بحديث أبي عُمَير بن أنس. قال ابن المنذر -﵀-: وحديث أبي عُمير بن أنس ثابت، والقول به يجب انتهى . وقال النوويّ في «شرح المهذّب»: الصحيح من مذهبنا أنه يستحبّ قضاؤها أبدًا، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وأبي ثور، وحكى العبدريّ عن مالك، وأبي حنيفة، والمزنيّ، وداود أنها لا تُقضى، وقال أبو يوسف، ومحمد: تقضى صلاة الفطر في اليوم الثاني، والأضحى في الثاني، والثالث، وقال أصحاب أبي حنيفة: مذهبه كمذهبما، وإذا صلاها من فاتته مع الإمام في وقتها، أو بعده صلاها ركعتين كصلاة الإمام، وبه قال أبو ثور، وهو رواية عن أحمد، وعنه رواية يصليها أربعًا بتسليمة، وإن شاء بتسليمتين، وبه جزم الْخِرَقيّ، والثالثة مخيّر بين ركعتين، وأربع، وهو مذهب الثوريّ، وقال ابن مسعود: يصليها أربعًا، وقال الأوزاعيّ: ركعتين بلا جهر، ولا تكبيرات زوائد، وقال إسحاق: إن صلاّها في المصلّى فكصلاة الإمام، وإلا أربعًا انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي قول من قال: إنها إن فاتت تصلّى في الغد؛ لصحة حديث الباب. قال الخطابي - ﷺ - بعد ذكر قول من قال: لا تصلى في اليوم الثاني: ما نصه: سنة النبي - ﷺ - أولى بالاتباع، وحديث أبي عُمير صحيح، فالمصير إليه واجب انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣ - خُرُوجُ الْعَوَاتِقِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فِي الْعِيدَيْنِ ١٥٥٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، إِلاَّ قَالَتْ بِأَبَا، فَقُلْتُ: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَذْكُرُ كَذَا وَكَذَا؟، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبَا، قَالَ: «لِيَخْرُجِ الْعَوَاتِقُ، وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، وَالْحُيَّضُ، وَيَشْهَدْنَ الْعِيدَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم للمصنف في «باب شهود الحيّض العيدين ودعوة المسلمين» برقم ٢٢/ ٣٩٠ سندًا ومتنًا، ومضى شرحه هناك مستوفًى، فلتراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و«إسماعيل»: هو ابن علية، و«أيوب»: هو السختياني، و«حفصة»: هي بنت سيرين، و«أم عطية»: هي نُسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث الأنصارية - رضي اللَّه تعالى عنها -. وقوله: «بأبا» أصله بأبي بالياء أبدلت ألفًا، والتقدير هو مَفْديّ بأبي، أو فديته بأبي، وقد تقدم الكلام فيه مستوفًى بالرقم المذكور. وقوله: «يقول: كذا وكذا» المكنيّ عنه هنا قد تبين في رواية أخرى عند البخاريّ وغيره، فقد أخرج البخاري -﵀-، من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، عن حفصة، قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فَقَدِمَتْ امرأةٌ، فنزلت قصر بني خَلَف، فحدّثت عن أختها - وكان زوج أختها غزا مع النبي - ﷺ - ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ستّ- قالت: كنّا نُدوي الكَلْمَى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي - ﷺ - أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جِلْبَاب أن تخرج؟ قال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولْتشهد الخير، ودعوة المسلمين»، فلَمّا قَدِمَتْ أم عطية سألتها أسمعتِ النَّبي - ﷺ - … «الحديث. وقوله:«ليخرج العواتق»بلام الأمر، والفعل مجزوم، وكسر لالتقاء الساكنين. و«العواتق»جمع عاتق، وهي مَنْ بلغت الحُلُم، أو قاربت، واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها. وقوله:«وذوات الخُدُور»أي النساء صواحبات الخدور، و«الخُدُور»جمع خِدْر - بكسر، فسكون - وهو سِتْرٌ يُتّخذ في البيت، تقعد الأبكار وراءه، صيانةً لهنّ، فيكون بين العواتق، وذوات الخدور عموم وخصوص وجهيّ، كما تقدم في الباب المذكور. وقوله.«الْحُيْض» جمع حائض. وإنما أُمَرَ هؤلاء باعتزال المصلّى لئلا يتلوّث مكان الصلاة بالدم، أو لئلا يَظْهَرن بمظهر من يَستهين بالصلاة إذا قعدن، والناس يُصلّون. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم تمام البحث لمحيه برقم ٢٢/ ٣٩٠ كما أشرت إليه آنفًا، وبقي البحث فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول: [مسألة]: في اختلاف العلماء في مشروعية خروج النساء للعيدين: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف أهل العلم في خروج النساء إلى الأعياد، فرَوَينا عن أبي بكر، وعليّ أنهما قالا: حقّ على كلّ ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ورُوي عن عليّ أنه قال: الخروج إلى العيدين سنة للرجال والنساء، وكان ابن عمر يُخرج من استطاع من أهله في العيد. وكَرِهَتْ طائفة خروج النساء إلى العيدين، كره ذلك إبراهيم النخعيّ، وكان عروة بن الزبير لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر، ولا إلى أضحى، وقال يحيى الأنصاريّ: لا نعرف خروج المرأة الشابّة عندنا في العيدين. وقال أصحاب الرأي في خروج النساء إلى العيد: أما اليوم فإنا نكره لهنّ ذلك، ونرخّص للعجوز الكبيرة بأن تشهد العشاء والفجر، والعيدين، وأما غير ذلك فلا. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ ما قاله الأولون؛ لحديث الباب، ولا مُتَمَسَّكَ للمانع، إلا مجرّد النظر لتغير الزمان، وهذا غير مانع، فإن الشارع لَمَّا أمر بخروج النساء مطلقًا، شابّة كانت أو عجوزا شرط عليها أن تتجلبب، وأن لا تخرج متطيّبة، ولا متبخّرة، فإذا وجد الشرط لا تُمنع، وأما إذا لم تلتزم بما اشترط عليها الشارع فقد منعت نفسها من الخروج، لا أن الشارع منعها، فإن حكم الشارع مستمرّ إلى قيام الساعة، لا يتغير بتغيّر الزمان، فالقول بمنع الشوابّ، دون العجائز، أو التفريق بين الصلوات مما لا برهان له، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. والحاصل أن الصواب مشروعية خروج النساء إلى العيدين مطلقا، إذا التزمت ما أوجب عليها الشرع. واللَّه تعالى أعلم. ثم إن الجمهور على أن الأمر للاستحباب، وهو محلّ نظر؛ إذ الأمر للوجوب عند الجمهور، وهو الراجح، إلا لصارف، ولم يذكروا هنا صارفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤ - اعْتِزَالُ الْحُيَّضِ مُصَلَّى النَّاسِ ١٥٥٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أُمَّ عَطِيَّةَ، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ سَمِعْتِ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْهُ، قَالَتْ: بِأَبَا قَالَ: «أَخْرِجُوا الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ الْعِيدَ ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ مُصَلَّى النَّاسِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله، و«سفيان»: هو ابن عيينة، و«محمد»: هو ابن سيرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٥ - (بَابُ الزِّينَةِ لِلْعِيدَيْنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دلالة حديث الباب على الترجمة واضحة؛ حيث إن النبي - ﷺ - قرّر عمر - ﵁ - في قوله: «فتجمّلْ بها للعيد»، وإنما أنكر عليه كون التجمل بالحرير، حيث لا يحلّ لبسه للرجال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٥٦٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي اللَّه تعالى عنه - حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ بِالسُّوقِ، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ، فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ، وَالْوَفْدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، أَوْ «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ»، فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا، حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «بِعْهَا وَتُصِبْ بِهَا حَاجَتَكَ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم، في «باب الهيئة للجمعة» برقم ١١/ ١٣٨٢ - وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق. و«سليمان بن داود»: هو المهريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. و«ابن وهب»: هو عبد اللَّه المصري الحافظ الثقة [٩] ٩/ ٩ و«يونس بن يزيد»: هو الأيلي، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. و«عمرو بن الحارث»: هو أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩. و«ابن شهاب»: هو محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة المشهور [٤] ١/ ١. و«سالم»: هو ابن عبد اللَّه بن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. و«أبوه»: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. وقوله:، استبرق«هو الحرير الغليظ. وقوله:»ابتع«أي اشتر. وقوله:»فتجمّل بها للعيد«منه يعلم أن التجمّل يوم العيد كان عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي - ﷺ -، فعلم بقاؤها. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. وقوله:«من لا خلاق له»أي لا نصيب له في الآخرة في الحرير. وقوله:«الديباج» بكسر: ثوبٌ سَدَا٥، ولُحْمَتُهُ إِبْرَيْسَمٌ . وقوله:«وتصب بها حاجتك»هكذا معظم نسخ«المجتبى»بالجزم، وفي بعضها«واقض بها حاجتك»، وفي«الكبرى» «وتصيب»بالرفع، وهو واضح، وللأول أيضًا وجه، وهو أن يكون مجزومًا بلام الأمر المقدرة، أي لتصب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦ - الصَّلَاةُ قَبْلَ الإِمَام يَوْمَ الْعِيدِ ١٥٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، أَنَّ عَلِيًّا اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُودٍ عَلَى النَّاسِ، فَخَرَجَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُصَلَّى قَبْلَ الإِمَامِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق برق منصور) الكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الحافظ الحجة المشهور [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة المثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (الأشعث) بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود الكوفي، ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢. ٥ - (الأسود بن هلال) المحاربيّ الكوفي، ثقة مخضرم جليل [٢] ١٧/ ١٥٢٩. ٦ - (ثَعْلَبة بن زَهْدَم) الحنظلي الكوفيّ، مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي ثقة ١٧/ ١٥٢٩. ٧ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدري، الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، أَن عَلِيًّا) يعني ابن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - (اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُود عَلَى النَّاسِ) أي جعله خليفة له في الحكم، وإقامة الجُمَع، والأعياد، والقيام بأمور المسلمين، وذلك لما خرج إلى صفّين، فقد أخرج حديث الباب ابن المنذر -﵀- «الأوسط»، من طريق أبي الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهْدَم، قال: لما خرج عليّ إلى صفين استعمل أبا مسعود الأنصاريّ على الناس، فكان يوم عيد، فخرج أبو مسعود، فأتى الْجَبّانَة، والناس بين مصلّ وقاعد، فلمّا توسطهم قال: «أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يخرج الإمام» (فَخَرَجَ) أي أبو مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّه لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُصَلَّى قَبْلَ الإمَامِ) ظاهره يدلّ على أنه لا صلاة قبله سواء كان في المصلَّى، أم في غيره، وظاهره أيضًا يدلّ على مشروعية الصلاة بعد صلاة الإمام، سواء كان في المصلَّى، أو في البيت، وقد اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيقه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٦/ ١٥٦١ - وفي «الكبرى» ٦/ ١٧٦١ - بالسند المذكور، وهو من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٢/ ١٧٨ وابن المنذر في «الأوسط» ٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: ثابت عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه خرج في يوم فطر، أو أضحى، فصلّى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها. وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا يُصَلَّى قبلها، ولا بعدها، وممن كان لا يصلي قبلها، ولا بعدها ابن عمر، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد اللَّه، ورَوينا عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال في الصلاة قبل العيد: ليس قبله، ولا بعده. ورأت طائفة أن يُصَلَّى قبلها وبعدها، هذا قول أنس بن مالك، ورُوي عن أبي هريرة. وهو قول الحسن البصريّ، وأخيه سعيد، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير، وبه قال الشافعيّ، وقال عطاء: إذا طلعت الشمس فصلّ. وفيه قول ثالث. وهو أن يصلي بعدها، ولا يصلي قبلها، روينا عن أبي مسعود البدري أنه قال في يوم عيد: أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يخرج الإمام. وروينا عن ابن مسعود أنه صلى بعد العيدين أربعًا. وممن مذهبه أن يصلَّى بعدها، ولا يصلى قبدها علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وسعيد، وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن الأوزاعيّ أنه قال: اجتمعت العامّة على أن لا صلاة قبل خروج الإمام يوم الفطر والأضحى، وُيصَلَّى بعدُ. وفيه قول رابع: وهو كراهية الصلاة في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، والرخصة في الصلاة في غير المصلى، هذا قول مالك، وكان إسحاق يقول: الفطر والأضحى ليس قبلهما صلاة، ويُصَلِّي بعدهما أربع ركعات، يفصل بينهنّ إذا رجع إلى بيته، ولا يصلي في الجَبّان أصلًا، لأن النبي - ﷺ - صلى ركعتين يوم الفطر، لم يصل قبلها ولا بعدها. ثم رجّح ابن المنذر قول من أباح الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، راجع كلامه في كتابه «الأوسط» ٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال بعدم مشروعيّة الصلاة قبل صلاة العيد، أو بعدها؛ لعدم ثبوته عن النبيّ - ﷺ -، وأصرح دليل على ذلك قول أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في حديث الباب: «إنه ليس من السنة أن يصلّى قبل الإمام؟»، فإنه من أهل اللغة يفهم مقاصد الشريعة، وقد أنكر على من رآهم يصلّون قبل صلاة العيد، وقال لهم: إنها ليست من السنة، فلا أدلّ على عدم مشروعيتها من هذا. والحاصل أنه لا يُشرع التنفّل قبل صلاة العيد، ولا بعدها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٧ - تَرْكُ الأذَانِ لِلْعِيدَيْنِ ١٥٦٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي عِيدٍ، قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي برقم (١٩/ ١٥٧٥) مطوّلًا، وسيأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى. و«أبو عوانة» هو الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي. و«عبد الملك بن أبي سليمان» هو: الْعَرْزَميّ. و«عطاء» هو: ابن أبي رباح: ودلالة الحديث على الترجمة واضحة؛ حيث صرح بعدم مشروعية الأذان والإقامة للعيدين. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وهو قول يحيى الأنصاريّ، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، وابن جابر، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا. وقال الشافعيّ: أرى أن يأمر المؤذّن أن يقول في الأعياد: الصلاة جامعة، أو الصلاة. وقد روينا عن ابن الزبير أنه أذّن، وأقام، وقال أبو قلابة: أول من أحدث الأذان في العيدين ابن الزبير. وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدثه معاوية. وقال حصين: أول من أذّن في العيد زياد انتهى . وعلّق الإمام البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء، أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذّن بالصلاة يوم الفطر، وإنما الخطبة بعد الصلاة. قال. وأخبرني عطاء، عن ابن عباس، وعن جابر ابن عبد اللَّه، قالا: لم يكن يؤذَّن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى انتهى. وأخرج مسلم من طريق عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: «لا أذان للصلاة يوم العيد، ولا إقامة، ولا شيء» انتهى. قال في «الفتح،: واستدلّ بقوله:»ولا إقامة، ولا شيء«على أنه لا يقال أمام صلاتها شيء من الكلام. لكن روى الشافعيّ، عن الثقة، عن الزهريّ، قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يأمر المؤذّن في العيدين أن يقول:«الصلاة جامعة»، وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف، لثبوت ذلك فيها. قال الشافعي: أُحِبُّ أن يقول: الصلاة، أو الصلاة جامعة، فإن قال: هلمّوا إلى الصلاة لم أكرهه، فإن قال: حيّ على الصلاة، أو غيرها من الألفاظ كرهت له ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اعترض بعض المحققين -وقد أصاب- على ما قاله الشافعيّ -﵀- بأن مراسيل الزهريّ ضعيفة عند أهل العلم، والقياسُ لا يصحّ اعتباره مع وجود النصّ الثابت الدّالّ على أنه لم يكن في عهد النبي - ﷺ - لصلاة العيد أذان، ولا إقامة، ولا شيء، ومن هنا يعلم أن النداء للعيد بدعة بأي لفظ كان. واللَّه تعالى أعلم. واختُلِف في أول من أحدث الأذان في العيد، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيّب أنه معاوية، وروى الشافعيّ، عن الثقة، عن الزهريّ مثله، وزاد: فأخذ به الحجّاج حين أُمِّر على المدينة. وروى ابن المنذر، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة. وقال الداوديّ: أول من أحدثه مروان. قال الحافظ -﵀-: وكل هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه، كما تقدّم في البداءة بالخطبة. وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام. وروى ابن المنذر عن أبي قلابة، قال: أول من أحدثه عبد اللَّه بن الزبير. وقد وقع عند البخاري أن ابن عباس أخبره أنه لم يكن يُؤذَّن لها. لكن في رواية يحيى القطّان أنه لَمّا ساء ما بينهما أذّن -يعني ابن الزبير- وأقام. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٨ - الْخُطْبَة يَوْمَ الْعِيدِ هذه الترجمة أحسن مما في «الكبرى»، حيث قال فيها: «الخطبةُ يوم النحر قبل الصلاة»، فقد اعتُرض عليه في ذلك، فقال ابن بطّال -كما في الفتح-: غَلِطَ النسائيّ، فترجم بحديث البراء، فقال. «باب الخطبة قبل الصلاة»، وخفي عليه أن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، وكأنه قال - ﷺ -: أول ما يكون به الابتداء في هذا اليوم الصلاة التي قدمنا فعلها، قال: وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ الآية [البروج: ٨]، أي الإيمان المتقدّم منهم انتهى. وقال الحافظ: وأما حديث البراء، فظاهره يخالف الترجمة -يعني ترجمة البخاري- بقوله: «باب الخطبة بعد العيد»، لأن قوله: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع، فننحر» مشعر بأن هذا الكلام وقع قبل إيقاع الصلاة، فيستلزم تقديم الخطبة على الصلاة، بناءً على أن هذا الكلام من الخطبة، ولأنه عقّب الصلاة بالنحر. والجواب أن المراد أنه - ﷺ - صلى العيد، ثم خطب، فقال: هذا الكلام، وأراد بقوله: «إن أول ما نبدأ به» أي في يوم العيد تقديم الصلاة في أيّ عيد كان. والتعقيب بـ «ثم» لا يستلزم عدم تخلّل أمر آخر بين الأمرين. قال: والمعتمد في صحة ما تأولناه رواية محمد بن طلحة، عن زُبَيد في هذا الحديث بعينه، بلفظ: «خرج النبي - ﷺ - يوم أضحى إلى البقيع، فصلّى ركعتين، ثمّ أقبل علينا بوجهه، وقال:»إن أول نسكنا في يومنا هذا، أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع، فننحر … « الحديث، فتبين أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة. وقال الكرماني: المستفاد من حديث البراء أن الخطبة مقدّمة على الصلاة، ثم قال في موضع آخر: فإن قلت: فما دلالته على الترجمة؟. قلت: لو قدم الخطبة على الصلاة لم تكن الصلاة أول ما بدىء به، ولا يلزم من كون هذا الكلام وقع قبل الصلاة أن تكون الخطبة وقعت قبلها انتهى. وحاصله أنه يجعل الكلام المذكور سابقًا على الصلاة، ويمنع كونه من الخطبة. قال الحافظ: لكن قد بيّنتْ رواية محمد بن طلحة، عن زبيد المذكورة أن الصلاة لم يتقدّمها شيء، لأنه عقّب الخروج إليها بالفاء. وصرّح منصور في روايته عن الشعبي في هذا الحديث بأن الكلام المذكور وقع في الخطبة، ولفظه: عن البراء بن عازب، قال: خطبنا النبيّ - ﷺ - يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال … «فذكر الحديث، فتعيّن التأويل الذي قدمناه انتهى ما في»الفتح«بتصرّف . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٥٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، عِنْدَ سَارِيَةٍ، مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ، فِي يَوْمِنَا هَذَا، أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ، يُقَدِّمُهُ لأَهْلِهِ»، فَذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، قَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عثمان) بن أبي صفوان الثقفي، أبو عبد اللَّه، أو أبو صفوان البصريّ، ثقة [١١] ١٠/ ٤٦٨. ٢ - (بهز) بن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٤. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج، تقدم قريبًا. ٤ - (زُبَيد) بن الحارث، أبو عبد الكريم الكوفي، ثقة ثبت عابد [٦] ٣٧/ ١٤٢٠. ٥ - (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهَمْداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٦ - (البراء بن عازب) الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن الشعبي -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال: (حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) - رضي اللَّه تعالى - عنهما (عِنْدَ سَارِيَةِ، من سَوَارِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه أراد مسجد الكوفة، لأن البراء - ﵁ - من الصحابة الذين نزلوا الكوفة، ومات بها زمن مصعب بن الزبير (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيَّ - ﷺ -) وفي نسخة: «خطبنا النبي - ﷺ -»، وفي أخرى: «خطبنا رسول اللَّه - ﷺ -» (يَوْمَ النَّحْرِ) أي اليوم العاشر من ذي الحجة، وهذا محل الترجمة، حيث إن ذلك اليوم يوم العيد، وقد خطب فيه النبي - ﷺ - (فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ) قال السنديّ -﵀-: قد يقال:»ما نبدأ به«هو الأول، فما معنى إضافة الأول إليه. والجواب أنه يمكن اعتبار أمور متعددة، مبتدأ بها باعتبار تقدّمها على غيرها، كأن يُعتبر جميع ما يقع أول النهار مبتدأ به، فما يكون منها متقدّما، يقال له: أولها. ثم قوله:«نذبح»ينبغي أن يكون معطوفًا على مقدّر، أي فنصلي، ثم نذبح، ولا يستقيم عطفه على«أن نصلي»لأنه خبر عن«أولُ»، والأول لا يتعّدد، إلا أن يُراد بالأول ما يعمّ الأول حقيقةً، وإضافةً، أي يكون أولَ بالنظر إلى ما بعده، وعلى هذا يُعتبر أوّلية الأمرين، أعني الصلاة، والذبح بالنظر إلى الأكل والشرب، اللذين هما من متعلّقات هذا اليوم دِينًا، فكأنه اعتبر الصلاة، والنحر، والأكل، والشرب مبتدأ بها، ثم اعتبر الصلاة، والنحر أول المبتدإ بها، على أن الصلاة أوّلٌ حقيقةً، والنحر أولٌ إضافة انتهى . (فِي يَوْمِنَا هَذَا) أي يوم النحر (أن نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) أي طريقتنا (وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ) أي قبل الصلاة (فَإِنّمَا هُوَ لَحْمٌ، يُقَدِّمُهُ لأَهْلِهِ) من التقديم، أي يجعله لأهله مقدّمًا (فَذَبَحَ) الظاهر أن الفاء لجواب شرط مقدّر، أي إذا عرفت ذلك، فاعرف أنه ذبح أبو بردة قبل ذلك، فقال الخ. قاله السنديّ (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ) بكسر النون، وتخفيف الياء المثناة من تحتُ، وآخره راء، واسمه هانئ، واسم جده عمرو بن عُبيد، وهو بَلَويّ، من حُلَفاء الأنصار، وقد قيل: إن اسمه الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هُبَيرة، والأول هو الأصحّ. وأخرج ابن منده من طريق جابر الجعفي، عن الشعبيّ، عن البراء، قال: كان اسم خالي قليلًا، فسماه النبي - ﷺ - كثيرًا، وقال:، «يا كثير إنما نسكنا بعد صلاتنا»، ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف، وأبو بردة ممن شهد العقبة، وبدرًا، والمشاهد، وعاش إلى سنة اثنتين، وقيل: خمس وأربعين. له في الكتب الستة حديث واحد: «لا يُجلد فوق عشر جلدات، إلا في حدّ من حدود اللَّه» ، وله عند المصنف خمسة أحاديث، الحديث المذكور، وحديثٌ في الذي تزوّج امرأة أبيه، وحديث الباب ، وحديث: «اشربوا في الظروف، ولا تَسْكَروا». وحديث: «من صلى علي من أمتي صلاة …» في «عمل اليوم والليلة». [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة «ابن دينار» بدل «ابن نيار»، وهو غلط، فتنبّه. واللَّه أعلم. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي جَذَعَةٌ) بفتح الجيم، والذال المعجمة: هي ما طعنت في السنة الثانية، والمراد أي من المعز، إذ الجذع من الضأن مُجزئة (خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ) هي ما طعنت في الثالثة (قَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُوفِيَ» من الإيفاء، وفي نسخة: «ولن تجَزي»، وهو بمعناه، قال في «المصباح»: جَزَى الأمرُ، يَجْزي، مثلُ قَضَى يَقضي قَضَاءً وزنًا ومعنىً، وفي التنزيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الدعاء: «جزاه اللَّه خيرًا: أي قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستعمل أجزأ بالألف والهمز بمعنى جزى، ونقلهما الأخفش بمعنىً واحد، فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم انتهى (عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ») يعني أنها رخصة لا تعمّ غير أبي بردة - ﵁ -، وسيأتي ما يتعلّق بالأضحية في بابه إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨/ ١٥٦٣ - وفي «الكبرى» ٨/ ١٧٦٤ - بالسند المذكور وفي -١٧/ ٤٣٩٤ - عن هناد بن السريّ، عن ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن فراس، وداود بن أبي هند، كلاهما، عن الشعبيّ، عنه. وفي ٢٣/ ١٥٨١ و١٧/ ٤٣٩٥ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن الشعبي، عنه. وفي ١٧/ ٤٣٩٧ - عن عُبيد اللَّه بن سعيد، وعمرو بن علي، كلاهما، عن يحيى القطّان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشَير ابن يسار، عن أبي بُرْدَةَ نفسه. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٢٠ و٢/ ٢٣ و٢/ ٢٤/ و٢/ ٢٨ و٧/ ١٢٨ و٧/ ١٣٢ (م) ٦/ ٧٤ و٧٥ (د) ٢٨٠٠ (ت) ١٥٠٨ (أحمد) ٤/ ٢٨١ و٤/ ١٨٧ و٤/ ٢٩٧ و٤/ ٣٠٣ (الدارمي) (١٩٦٨) (ابن خزيمة) ١٤٢٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- وهو مشروعية الخطبة للعيد. ومنها: أن ذبح الأضحية يكون بعد الصلاة، فلو قُدّم عليها أعيد بعد الصلاة، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: ما قاله في «الفتح»: إن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهّل عليه، حتى لو استفتاه اثنان في قضيّة واحدة جاز أن يفتي كلاّ منهما بما يُناسب حاله انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاَّ باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٩ - (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) ١٥٦٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ - ﵄ -، كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة حافظ ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عبدة بن سليمان) الكلابيّ، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه بن الخطاب - ﵄ - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي، وعبدة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَبَا بَكْرِ، وَعُمَرَ - ﵄ -، كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) ولفظ الشخين: «كان رسول اللَّه - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر - ﵄ - يُصلّون العيدين قبل الخطبة» انتهى. وفي حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند الجماعة إلا الترمذيّ، قال: «شهدت العيد مع رسول اللَّه - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم كانوا يُصلّون قبل الخطبة»، وفي لفظ: «أشهد على رسول اللَّه - ﷺ - لصلَّى قبل الخطبة» .. وعن أنس - ﵁ -: «أن رسول اللَّه - ﷺ - صلى يوم النحر، ثمّ خطب». متفق عليه. وعن البراء - ﵁ -: «خطب النبي - ﷺ - في يوم الأضحى بعد الصلاة». أخرجه الشيخان، وأبو داود. وعن جندب - ﵁ -: «صلى النبي - ﷺ - يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح». متفق عليه. وعن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: «خرج رسول اللَّه - ﷺ - يوم أضحى، أو فطر إلى المصلى، فصلى، ثم انصرف، فقام، فوعظ الناس …» الحديث. أخرجه الشيخان، والمصنف ، وابن ماجه. وعن عبد اللَّه بن السائب - ﵁ -، قال: «شهدت مع رسول اللَّه - ﷺ - العيد، فلمّا قضى الصلاة قال:»إنا نخطب، فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب«. رواه أبو داود، والمصنّف ، قال أبو داود: وهو مرسل. وقال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل. وعن عبد اللَّه بن الزبير - ﵁ -، أنه قال حين صلى قبل الخطبة، ثمّ قام يخطب: أيها الناس كلّ سنّة اللَّه، وسنّة رسوله - ﷺ -. رواه أحمد، قال الحافظ العراقي: إسناده جيّد. فهذه الأحاديث تدلّ على أن المشروع في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة، وسيأتي الكلام على أقوال أهل العلم في ذلك في المسألة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٩/ ١٥٦٤ - وفي «الكبرى»-٩/ ١٧٦٧ - بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٢٢ و٢/ ٢٣ (م) ٣/ ٢٠ (ت) ٥٣١ (ق) ١٢٧٦ (أحمد) ٢/ ١٢ و٢/ ٣٨ و٢/ ٩٢ (ابن خزيمة) ١٤٤٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في تقديم الصلاة على الخطبة: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد ثبت عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة في يوم العيد، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون المهديون، وعليه عوامّ علماء الأمصار. فممن كان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وابن مسعود، - ﵁ -، وهذا قول ابن عباس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال: وفيه قول سواه، روينا أن عثمان كان يخطب بعد الصلاة، فلما كثر الناس على عهده رآهم لا يدركون الصلاة خطب ثم صلى، وروينا عن ابن الزبير أنه فعل ذلك، وروي ذلك عن مروان بن الحكم. انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار . وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذا هو المتّفق عليه بين علماء الأمصار، وأئمّة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي - ﷺ -، والخلفاء الراشدين من بعده، إلا ما روي أن عمر في شطر خلافته الآخر قدّم الخطبة، لأنه رأى من الناس مَن تفوته الصلاة، وليس بصحيح، ثمّ قال: وقد فعله ابن الزبير في آخر أيامه. وقال ابن قُدَامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا نعلم خلافًا بين المسلمين إلا عن بني أميّة، قال: وابن عباس وابن الزبير - ﵄ - أنهما فعلاه، ولم يصحّ عنهما، قال: ولا يُعتدّ بخلاف بني أمية، لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنّة النبي - ﷺ - «الصحيحة» وقد أُنكر عليهم فعلهم، وعُدّ بدعةً، ومخالفا للسنّة. وقال العراقي -رحمه اللَّه تعالى-: إن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافّةً، وقال: إنّ ما روي عن عمر، وعثمان، وابن الزبير لم يصحّ عنهم. أما رواية ذلك عن عمر، فرواها ابن أبي شيبة أنه لما كان عمر، وكثر الناس في زمانه، فكان إذا ذهب ليخطب ذهب أكثر الناس، فلما رأى ذلك بدأ بالخطبة، وختم بالصلاة. قال: وهذا الأثر، وإن كان رجاله ثقات، فهو شاذّ، مخالف لما في «الصحيحين» عن عمر من رواية ابنه عبد اللَّه، وابن عباس، وروايتهما عنه أولى. قال: وأما رواية ذلك عن عثمان، فلم أجد لها إسنادًا . وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال: إن أوّل من قدّمها عثمان، وهو كذبٌ لا يُلتفت إليه انتهى. ويردّه ما ثبت في «الصحيحين» من رواية ابن عباس عن عثمان كما تقدّم. وقال الحافظ في «الفتح»: إنه روى ابن المنذر ذلك عن عثمان بإسناد صحيح إلى الحسن البصريّ، قال: أوّل من خطب الناس قبل الصلاة عثمان. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا، وقال بعد أن ساق الرواية المتقدّمة عن عمر، وعزاها إلى عبد الرزّاق، وابن أبي شيبة، وصحح إسنادها: إنه يحمل على أن ذلك وقع منه نادرًا. قال العراقي: وأما فعل ابن الزبير، فرواه ابن أبي شيبة في «المصنّف»، وإنما فعل ذلك لأمر وقع بينه وبين ابن عبّاس، ولعلّ ابن الزّبير كان يرى ذلك جائزًا، وقد تقدّم عن ابن الزبير أنه صلى قبل الخطبة. وثبت في «صحيح مسلم» عن عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أوّل ما بويع له أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر، فلا تؤذّن لها، قال: فلم يؤذّن لها ابن الزبير يومه، وأرسل إليه مع ذلك: إنما الخطبة بعد الصلاة، وإن ذلك قد كان يُفعل، قال: فصلّى ابن الزبير قبل الخطبة. قال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُقال: إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكَم انتهى. وقد ثبت في «صحيح مسلم» من رواية طارق بن شهاب، عن أبي سعيد - ﵁ - قال: أولُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. وقيل: أول من فعل ذلك معاوية حكاه القاضي عياض، وأخرجه الشافعيّ عن ابن عباس - ﵁ - بلفظ: «حتى قدم معاوية، فقدّم الخطبة». ورواه عبد الرزّاق عن الزهريّ بلفظ: «أول من قدم الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية». وقيل: أولُ من فَعَل ذلك زياد في البصرة في خلافة معاوية، حكاه القاضي عياض أيضًا. وروى ابن المنذر، عن ابن سيرين: أولُ من فعل ذلك زياد بالبصرة، قال: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان، لأنّ كلاّ من مروان وزياد كان عاملًا لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك، وتبعه عمّاله. قال العراقيّ: الصواب أنّ أول من فعله مروان بالمدينة في خلافة معاوية، كما ثبت في «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: ولم يصحّ فعله عن أحد من الصحابة، لا عمر، ولا عثمان، ولا معاوية، ولا ابن الزبير انتهى. قال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: وقد عرفت صحة بعض ذلك، فالمصير إلى الجمع أولى. وقد اختلف في صحّة صلاة العيدين مع تقدّم الخطبة، ففي «مختصر المزنيّ» عن الشافعيّ -﵀- ما يدل على عدم الاعتداد بها . قال النووي في «شرح المهذّب»: لو حْطب قبل صلاة العيد فهو مسيء، وفي الاعتداد بالخطبة احتمال لإمام الحرمين، والصحيح، بل الصواب أنه لا يُعتدّ بها، لقوله - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، وقياسًا على السنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدّمها عليها، وهذا الذي صححته هو ظاهر نصّ الشافعيّ في «الأمّ»، ونقله القاضي أبو الطيّب في «التجريد» عن نصّه في «الأمّ»، قال: فإن بدأ بالخطبة قبل الصلاة رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة، ولا كفّارة، كما لو صلى ولم يخطب. هذا نصّه بحروفه. وهو ظاهر في أن الخطبة غير محسوبة، ولهذا قال: كما لو صلّى ولم يخطب انتهى كلام النووي بتصرف يسير . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الستة تقديم الصلاة على الخطبة، وأنه إن بدأ بالخطبة قبل الصلاة لا يُعتدّ بها؛ لمخالفته السنةَ، لكن الصلاة صحيحة؛ لأن الخطبة ليست من شروط صحتها، بل هي سنة من سننها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٠ - (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَى الْعَنَزَةِ) «العنَزَة» بفتحات: عصًا أقصرُ من الرمح، ولها زُجٌّ من أسفلها، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَات، مثلُ قَصَبَة، وقَصَبٍ، وقَصَبَات. قاله في «المصباح». ١٥٦٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يُخْرِجُ الْعَنَزَةَ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الأَضْحَى، يُرْكِزُهَا، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الرّزّاق) بن همّام بن نافع الصنعانيّ، ثقة حافظ تغير في آخره [٩] ٦١/ ٧٧. ٢ - (معمر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، ثقة ثبت حجة [٥] ٤٢/ ٤٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم، لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يُخْرِجُ الْعَنَزَةَ) وتقدّم للمصنف -٤/ ٧٤٧ - بلفظ: «كان يركز الحربة، ثم يصلي إليها». ومعني قوله: «كان يخرج العنزة» أي يأمر بإخراجها، ففي رواية البخاري من طريق عُبيد اللَّه، عن نافع: «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها ..» الحديث، وفي رواية له من طريق الأوزاعيّ، عن نافع: «كان يَغْدُو إلى المصلَّى، والعنزة تحُمَل بين يديه، فيصلي إليها، زاد في رواية ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيليّ:»وذلك أنّ المصلّى كان فَضَاء، ليس فيه شيء يستره«. ولا تنافي بين رواية العنزة ورواية الرمح لإمكان الجمع بأنه استعمل كلاّ منهما في أوقات مختلفة، فقد ذكر في«الفتح»: أنه قد روى عمر بن شبّة في«أخبار المدينة» من حديث سعد القرظ: إنّ النجاشي أهدى إلى النبي - ﷺ - حربة، فأمسكها لنفسه، فهي التي يُمشَى بها مع الإمام يوم العيد. ومن طريق الليث أنه بلغه أن العَنَزَة التي كانت بين يدي النبي - ﷺ - كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوّام يوم أحد، فأخذها منه النبي - ﷺ -، فكان ينصبها بين يديه إذا صلّى. قال: ويحتمل الجمع بأن عنزة الزبير كانت أوّلًا قبل حربة النجاشي. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فإن قلت: إن الحربة من سلاح الحرب، وقد ورد النهي عن حمل السلاح يوم العيد، فكيف يجمع بينه، وبين حمل الحربة هنا؟. وقد بوّب البخاريّ -﵀-، في «صحيحه» «باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم». وقال الحسن: نهُوا أن يحملوا السلاح يوم عيد، إلا أن يخافوا عدوّا، ثم أخرج بسنده قصّة ابن عمر - ﵁ - مع الحجّاج بن يوسف حين أُصيب ابن عمر بسنان الرمح في أخمص قدمه، فجاء الحجاج ليعوده، فقال: لو نعلم من أصابك، فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يُحمَل فيه .. «الحديث، وفي رواية: أصابني من أمر يحمل السلاح في يوم لا يحلّ فيه حمله». أجيب بأن النهي عن حمل السلاح إنما هو عند خشية التأذّي به، فأما إذا أُمن من ذلك فلا حرج فيه . واللَّه تعالى أعلم. (يَومَ الْفِطْر، وَيوْمَ الأَضْحَى) الظرف متعلّق بـ«يخرج» (يَرْكِزُهَا) من بابي ضرب، وقتل، كما في «القاموس»، يقال: رَكَزتُ الرمح، رَكْزًا: أثبتُّهُ بالأرض، فارتكز، والمركِزُ وزان المسجد: موضع الثبوت. أفاده في «المصباح» (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) زاد في رواية الشيخين من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، «والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء». قال في «الفتح»: وهذه الجملة الأخيرة فصلها عليّ بن مُسهر من حديث ابن عمر - ﵁ -، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحتُهُ في كتاب «المدرج». انتهى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث : المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١٠/ ١٥٦٥ - وفي «الكبرى» ١٠/ ١٧٦٩ - بالسند المذكور، وتقدّم رقم ٤/ ٧٤٧ - و«الكبرى» ٢/ ٨٢٢ - عن عبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى القطّان، عن عبيد اللَّه ابن عمر، عن نافع، عنه بلفظ: «كان يَركز الحربة، ثم يصلي إليها». واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ١٣٣ و٢/ ٢٥ (م) ٢/ ٥٥ (د) ٦٨٧ (ق) ٩٤١١٣٠٤ (أحمد) ٢/ ١٨ و٢/ ٩٨ و٢/ ١٤٢ و٢/ ١٤٥ (ابن خزيمة) ٧٩٨ و٧٩٩ و١٤٣٣ وو ١٤٣٤ و١٤٣٥ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية صلاة العيدين إلى العنَزَة. ومنها: اتخاذ السترة لمن يصلي في الصحراء لئلا يقطع صلاتَه المارُّ بين يديه. ومنها: جواز الاستخدام. ومنها: أخذ آلة دفع الأعداء، فإن الحربة من آلات الدفع، وقد تقدّم الجمع بين حديث النهي عن حمل السلاح يوم العيد وحديث الباب، فلا تغفل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب«… ١١ - (عَدَدُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دلالة حديث الباب على الترجمة واضحة، فإنه صريح في كون صلاة العيدين ركعتين، وهذا مجمع عليه، كما صرّح به النووي في«المجموع». واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٥٦٦ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ زُبَيْدٍ الأَيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، قَالَ:«صَلَاةُ الأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ لَيْسَ بِقَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - ﷺ -». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث قد تقدّم في«كتاب الجمعة»برقم - ٣٧/ ١٤٢٠ - أورده هناك مستدلاّ على عدد صلاة الجمعة، رواه عن علي بن حُجر، عن شريك، عن زُبيد به، وأعاده في المسافر برقم - ١/ ١٤٤٠ - عن حميد بن مَسْعَدة، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن زبيد به، وهو حديث صحيح، وإن كان فيه انقطاع، حيث إن ابن أبي ليلى لم يسمع من عمر، كما تقدّم ذلك للمصنّف، لكن له سند آخر أخرجه به ابن ماجه في«سننه»، والمصنف في«الكبرى»، وصححه ابن خزيمة من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمر - ﵁ -، وقد تقدّم الكلام عليه مُستوفّى في«الجمعة»، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته هنا، وإنما أتكلّم فيما يتعلّق بما ترجم له المصنف -رحمه تعالى-، فأقول: [مسألة]: أجمع أهل العلم - كما سبق عن النووي -﵀- على أن صلاة العيدين ركعتان، وإنما اختلفوا في التكبيرات الزوائد فيهما: فقد اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال: (أحدها): أنه يكبّر في الأولى سبعًا، وفي الآخرة خمسًا، وبه قال كثير من أهل العلم: رُوي ذلك عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، وابن عمر - ﵄ -. وبه قال يحيى الأنصاريّ، والزهريّ، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، قال الشافعيّ: ليس من السبع تكبيرةُ الافتتاح، ولا من الخمس في الثانية تكبيرةُ القيام. وقال أبو ثور: يكبّر سبع تكبيرات مع تكبيرة الافتتاح، ويقوم في الثانية فيكبّر خمس تكبيرات. (الثاني): أن التكبير في العيدين تسعٌ تسعٌ، روي ذلك عن ابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وفسّر ذلك ابن مسعود لبعض الأمراء ، فقال: تقوم، فتكبّر أربعًا متواليات، ثم تقرأ، ثم تكبّر، فتركع، وتسجد، ثم تقوم، فتقرأ، ثم تكبّر تركع بآخرهن، وحضر قول ابن مسعود هذا حذيفة، وأبو موسى الأشعريّ، وأبو مسعود عقبة بن عمرو، فقالوا: صدق أبو عبد الرحمن، ورُوي هذا القول عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وبه قال النخعيّ، وأصحاب الرأي. وقال سفيان الثوريّ في التكبير في الفطر والأضحى: يكبر أربع تكبيرات قبل القراءة، ثم يقوم في الركعة الثانية، فيقرأ، ثم يكبّر أربع تكبيرات، ثم يركع بالرابعة. (الثالث): روي عن ابن عباس - ﵁ -، أن التكبير يوم الفطر ثلاث عشرة يكبرهنّ، وهو قائم سبع في الركعة الأولى منهن تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وتكبيرة الركوع، فهنّ ستّ قبل القراءة، وواحدة بعدها، وفي الآخرة ستّ تكبيرات، منهنّ تكبيرة الركعة، فهنّ خمس قبل القراءة، وواحدة بعدها. (الرابع): روي عن الحسن البصريّ، قال: في الأولى خمس تكبيرات، وفي الآخرة ثلاث، سوى تكبيرتي الركوع. (الخامس): أن التكبير في العيدين كالتكبيرات على الجنائز أربع أربع، روي هذا عن حذيفة، وأبي موسى، وابن مسعود، وابن الزبير. (السادس): أنه يكبّر في الأولى أربع تكبيرات قبل القراءة، سوى تكبيرة الصلاة، وفي الثانية ثلاث تكبيرات بعد القراءة، سوى تكبيرة الصلاة، وهو مرويّ عن جابر - ﵁ -. (السابع): أن يكبّر واحدة يفتتح بها الصلاة، ثم يكبّر ثلاثًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيركع ويسجد، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبّر ثلاثًا، ثم يكبّر أخرى، فيركع ويسجد. قاله ابن سيرين. (الثامن): يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة، ثم ثلاثًا، ثم يقرأ، ثم يكبّر، فيركع ويسجد، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبّر ثلاثًا، فيركع بالثالثة ويسجد. قاله الحسن البصري في رواية عنه. (التاسع): يكبّر في الفطر ثنتي عشرة تكبيرة، يفتتح بتكبيرة، ثم يقرأ، ثم يكبر خمسا يركع بإحداهنّ، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبّر خمسا يركع بإحداهنّ، وكان يكبّر خمسًا في الأضحى، يكبّر تكبيرة واحدة التي توجب بها الصلاة، ثم يقرأ، ثم يكبّر ثنتين يركع بإحداهما، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبر ثنتين يركع بإحداهما. يروى هذا القول عن علي - ﵁ -. (العاشر): روي عن يحيى بن يعمر أنه قال في الأضحى إذا دخلت المسجد، فكبر تكبيرين، ثم اقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وأسمع من حولك، ولا ترفع صوتك، وفي الأخرى مثل ذلك، وقال في الفطرة مثل قول ابن مسعود - ﵁ - في الأولى أربع أربع، وفي الأخرى ثلاث، سوى تكبيرتي الركوع، وأسمع من حولك. (الحادي عشر): قاله حماد بن أبي سليمان قال: ليس في تكبيرة العيد شيء مؤقّت. (الثاني عشر): وهي رواية أخرى عن ابن عباس أن التكبير يوم الفطر، ويوم النحر تسع تكبيرات، واحدى عشرة، وثلاث عشرة، وكلّ سنّة. قال ابن المنذر -﵀-: وبالقول الأول أقول، لحديث عبد اللَّه بن عمرو، وعمرو ابن عوف - ﵁ -. قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفي، أنه سمع عمرو بن شعيب، يحدّث عن أبيه، عن جدّه، «أن رسول - ﷺ - كبّر يوم الفطر في الركعة الأولى سبعًا، ثم قرأ، فكبّر تكبيرة الركوع، ثم كبّر في الأخرى خمسًا، ثم قرأ، ثم كبّر، ثم ركع». حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا ابن إدريس، عن كثير بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه، «أن النبيّ - ﷺ - كان يكبّر في العيدين في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة». انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرف واختصار . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵁ - المذكور فأخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، وفي إسناده عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفي، قال عنه في «ت»: صدوق يخطئ ويهم. لكن قال الحافظ في «التلخيص» بعد ذكر الحديث: صححه أحمد، وعلي -يعني ابن المديني-، والبخاريّ فيما حكاه الترمذيّ. انتهى. والظاهر -كما قال بعض المحققين- أن تصحيحهم لشواهده، فقد وردت أحاديث تشهد له: فمنها: حديث عائشة - ﵂ - عند أبي داود، والحاكم، والبيهقي، وفي سنده ابن لهيعة، لكن الراوي عنه عبد اللَّه بن وهب، فقد قال الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد الأزدفي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك، وابن وهب، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ انتهى، وزاد غيره عبد اللَّه بن مسلمة القعني، وقد نظمت ذلك بقولي: ابْنُ لَهِيعةَ ضَعِيفٌ غَيْرَ مَا … رَوَى الْعَبَادِلَةُ عَنْهُ فَاعْلَمَا أَبْنَاءُ وَهْبٍ وَيَزِيدَ مَسْلَمَهْ … وَابْنُ الْمُبَارَكِ حَلِيفُو الْمَكرَمَهْ والحاصل أن الحديث صحيح، ولا سيما وحديث الباب يقوّيه. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: عن عبد الرحمن سعد بن عمّار بن سعد مؤذّن رسول اللَّه - ﷺ - عن أبيه، عن جدّه، «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يكبّر في العيدين، في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة». أخرجه ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي. وفي سنده ضعف، واختلاف. ومنها: عن ابن عمر - ﵁ - عند الطحاويّ، والدارقطني، وفيه الفرج بن فَضَالة، وهو ضعيف. ومنها: عن عليّ - ﵁ -، رواه الضياء في «المنتقى من مسموعاته بمرو». ومنها: حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - ﷺ - كبّر في العيدين، في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة». رواه الترمذيّ، وابن ماجه، والطحاويّ، والدارقطنيّ، والبيهقي، وابن عديّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي - ﷺ -. كذا قال، لكن أنكر جماعة تحسينه، لأن كثير بن عبد اللَّه واه جدّا، حتى قال الشافعيّ: هو ركن من أركان الكذب. انتهى. وقال بعض المحققين: وأحسن أحاديث الباب حديث عائشة، وعبد اللَّه بن عمرو - ﵁ -، فإن الضعف الذي في سنديهما يسير، بحيث يصلح أن يتقوّى أحدهما بالآخر انتهى. والحاصل أن حديث الباب صحيح، بهذه الأحاديث، ويؤيده عمل كثير من الصحابة به، فقد تقدم ذلك عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنهم -. فتلخّص من هذا أن أصح المذاهب في هذه المسألة المذهب الأول، وهو أن يكبّر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٢ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ بِـ ﴿ق﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ ١٥٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ - ﵁ - يَوْمَ عِيدٍ، فَسَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: بِقَافْ وَاقْتَرَبَتْ. هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام المثبت الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (ضمرة بن سعيد) الأنصاريّ المدني، مقبول [٤] ٣٥/ ٥٦٦. ٤ - (عُبيد اللَّه بن عبد اللَه) بن عتبة المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٥/ ٥٦. ٥ - (أبو واقد الليثي) الصحابيّ - ﵁ -، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن وقيل: اسمه عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عُويمرة بن عبد مناة بن أشجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن عليّ بن كنانة. روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعمر - ﵁ -. وعنه ابناه عبد الملك، وواقد، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأبو مرّة مولى عَقيل بن أبي طالب، وعطاء ابن يسار، وغيرهم. قيل: إنه شهد بدرًا، قال الواقديّ: توفّي سنة (٦٨) وهو ابن (٦٥) وفيها أرّخه يحيى بن بُكير، وابن نُمير، وغير واحد، زاد ابن بُكير: وسنّه (٧٠) سنة، وقال غيرهم: وهو ابن (٧٥) سنة، وقال البخاريّ، وابن حبّان: شهد بدرًا، وقال ابن عبد البرّ: قيل: إنه شهد بدرًا، وتوفي، وسنه (٨٥) سنة، وقال الباورديّ في «الصحابة»: شهد بدرًا، ثم صفّين، ومات، وله (٨٧) سنة. انتهى. وصحح في «ت» أنه مات سنة (٦٨) وهو ابن (٨٥) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن افراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عبيد اللَّه من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة، أنه (قَالَ:) قال القاضي عياض -﵀-: هذا الحديث غير متصل، لأن عبيد اللَّه لا سماع له من عمر، وقد وصله مسلم من طريق فُليح، عن ضمرة ابن سعيد، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي واقد الليثيّ، قال: سألني عمر، فذكره انتهى. وسيأتىِ تمام الكلام عليه قريبا إن شاء اللَّه تعالى (خَرَجَ عُمَرُ) بن الخطّاب (- ﵁ - يَوْمَ عِيدٍ، فَسَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثيَّ، بِأَيّ شَيْءٍ كَانَ النبي - ﷺ - يَقْرَأ فِي هَذَا الْيَوْم؟) ولفظ «مسلم» من طريق مالك، عن ضمرة بن سعيد: أن عمر بن الخطاب سألَ أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول اللَّه - ﷺ - في الأضحى والفطر؟، فقال: كان يقرأ فيهما بقاف والقرآن المجيد«، و»اقتربت الساعة«،»وانشقّ القمر«. قال الباجيّ -﵀-: يحتمل أن يسأله على معنى الاختبار، أو نسي، فأراد أن يتذكّر. وقال النووي -﵀-: قالوا: يحتمل أنه شكّ في ذلك، فاستثبته، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو نحو هذا من المفاسد، قالوا: ويبعد أن عمر لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول اللَّه - ﷺ - مرَّات، وقربه منه انتهى . (فَقَالَ) أي أبو واقد الليثيّ -﵀- (بِقَافْ وَاقْتَرَبَتْ) متعلق بمحذوف يدلّ عليه السؤال، أي يقرأ بـ«قاف»في الركعة الأولى، و«اقتربت» في الركعة الثانية. قال العلماء: الحكمة في قراءتهما لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذّبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث، وخروجهم من الأجداث، كأنهّم جراد منتشر (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي واقد الليثيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه انقطاع؛ لأن عبيد اللَّه لم يُدرك عمر - ﵁ -؟. [قلت]: الانقطاع إنما هو في هذا الطريق فقط، فقد أخرجه مسلم بعد أن أخرجه من هذا الوجه من طريق فُليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد اللَّه، عن أبي واقد الليثي - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: سألني عمر بن الخطّاب … فذكره. قال النووي -﵀- بعد أن ذكر أن الرواية الأولى مرسلة، لأن عبيد اللَّه لم يدرك عمر: ما نصّه: ولكن الحديث صحيح بلا شكّ، متّصل من الرواية الثانية، فإنه أدرك أبا واقد بلا شكّ، وسمعه بلا خلاف، فلا عَتْبَ على مسلم حينئذ في روايته، فإنه صحيح متّصل، واللَّه أعلم انتهى. وقال الحافظ ابن عبد البرّ -﵀-: وقد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع، لأن عبيد اللَّه لم يلق عمر، وقال غيره: هو متّصل مسند، ولقاء عبيد اللَّه لأبي واقد الليثيّ غير مدفوع، وقد سمع عبيدُ اللَّه من جماعة من الصحابة، ولم يذكر أبو داود في «باب ما يقرأ به في العيدين» إلا هذا الحديث، وهذا يدلّ على أنه عنده متصل صحيح انتهى كلام ابن عبد البرّ . قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: الحاصل أن الحديث متصل صحيح من طريق فُليح كما أخرجه مسلم -﵀- في «صحيحه»، من الطريقين إشارةً إلى أن مثل هذا الانقطاع لا يضرّ بصحة الحديث. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-١٢/ ١٥٦٧ - وفي «الكبرى» ١٢/ ١٧٧٣ - بالسند المذكور، وفي «الكبرى» عن قتيبة، عن مالك، عن ضمرة به، وعن أحمد بن سعيد، عن يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي واقد الليثيّ، قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول اللَّه - ﷺ - في يوم العيد … فذكره. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٣/ ٢١. (د) ١١٥٤ (د) ٥٣٤ و٥٣٥ (ت) ١٢٨٢ (مالك في الموطإ) ص ١٢٨ (الحميدي) ٨٤٩ (أحمد) ٥/ ٢١٧ و٥/ ٢١٩ (ابن خزيمة) ١٤٤٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم فيما يقرأ في صلاة العيدين: قال الحافظ أبو عمر -﵀- تعالى: اختلفت الآثار في هذا الباب، وكذلك اختلف الفقهاء أيضا فيه، فقال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها. وقال الشافعيّ بحديث أبي واقد الليثيّ هذا في ﴿قاف﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وقال أبو حنيفة: يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وما قرأ من شيء أجزأه. وقال أبو ثور: يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وقد روي عن عمر بن الخطّاب - ﵁ - مثل ذلك. وعن ابن مسعود - ﵁ - أنه كان يقرأ فيهما بأمّ القرآن وسورة من المفصّل. وكان أبان بن عثمان يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد الليثيّ المذكور في هذا الباب، وحديث سمرة بن جندب - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ، وحديث حبيب بن أبي سالم، عن النعمان بن بشير - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - مثله. قال: وفي اختلاف الآثار في هذا الباب دليل على أن لا توقيت فيه. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال: الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر نحو ما تقدّم من الاختلاف: ما نصّه: الإمام بالخيار، إن شاء قرأ في صلاة العيدين بـ ﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وإن شاء قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ والاختلاف في هذا من الاختلاف المباح، وإن قرأ بفاتحة الكتاب وسورة سوى ما ذكرناه أجزأه. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث أنه يستحبّ للإمام أن يقرأ بهذه السور في العيدين، تارة بهذا وتارة بهذا، ولكن لا يتعيّن عليه ذلك، كما قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ، -رحمهما اللَّه تعالى- من أن هذا الاختلاف من الاختلاف المباح، فيجوز أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء من القرآن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٣ - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ١٥٦٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَقْرَأُ بِهِمَا». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح وقد تقدم في «الجمعة» ٤٠/ ١٤٢٤ - سندا ومتنًا، رواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الْهُجَيمي، عن شعبة، عن إبراهيم ابن المنتشر به، وتقدم الكلام عليه مُستوفًى هناك، فراجعه تستفد. وأبو عوانة: اسمه الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٤٢)

١. - «فتح» ج٣ ص ١١٦.

٢. - انظر «المرعاة» ج ٥ ص ٤٥.

٣. - هكذا قال ابن المنذر عن الشافعي، وهو مخالف لما يأتي عن النووي، فإن مذهب الشافعي أنها تقضى أبدا. اللَّهم إلا أن يكون للشافعي قولان، فليحرّر.

٤. - «الأوسط» ج ٤ ص ٢٩٥.

٥. - «المجموع» ج٥ ص ٣٥

٦. - وفي نسخة «فيخرج».

٧. - وفي نسخة «فيشهدن».

٨. - «الأوسط» ج٤ ص ٢٦٢ - ٢٦٣.

٩. - وفي نسخة «الخير».

١٠. - وفي نسخة«بحلّة».

١١. - «الإبريسم» بفتح السين، وضمّها: الحرير. قاله في «القاموس». وفي «المصباح»: فيه لغات، كسر الهمزة والراء والسين، واببن السكّيت يمنعها، ويقول: ليس في الكلام إِفْعِيلِلٌ بكسر اللام، بل بالفتح، مثل إهْليلَجٍ، وإطْرِيفَل، والثانية فتح الثلاثة، والثالثة كسر الهمزة، وفتح الراء والسين. انتهى.

١٢. - قال في «المصباح»: «الجبّانة» بفتح الجيم مثقل الباء، وثبوتُ الهاء أكثر من حذفها: هي المصلَّى في الصحراء، وربّما أطلقت على المقبرة، لأن المصلَّى غالبا تكون في المقبرة انتهى بزيادة يسيرة.

١٣. -«الأوسط»ج ٤ ص ٢٥٩.

١٤. - «فتح» ج ٣ ص ١٢٩.

١٥. -«فتح» ج٣ ص١٣١.

١٦. - انظر ترجمته في«تت»ج١ ص ٢١٥.

١٧. - «شرح السنديّ» ج ٣ ص ١٨٢.

١٨. - «فتح» ج ١١ ص ١٢٧ - ١٢٨.

١٩. أخرجه في «الأضاحي» برقم (١٧/ ٤٣٩٧).

٢٠. - «فتح» ج ٣ ص ١٢٤.

٢١. - يأتي للمصنف برقم ١٩/ ١٥٧٥.

٢٢. - يأتي برقم ٢٠/ ١٥٧٦.

٢٣. - سيأتي برقم ١٥/ ١٥٧١.

٢٤. - «الأوسط» ج ٤ ص ٢٧٠ - ٢٧٣.

٢٥. - تقدم في كلام ابن المنذر أنه عثمان، ولعله مرويّ عنهما.

٢٦. - بل رواه ابن المنذر في «الأوسط» بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، فانظره ج٤ ص ٢٧٢ - ٢٧٣، فالأولى الجمع بأنه فعل ذلك في بعض الأحيان. واللَّه تعالى أعلم.

٢٧. - «نيل الأوطار» ج ٣ ص ٣٤٩ - ٣٥٠.

٢٨. - «المجموع» ج٥ ص٣٠.

٢٩. - «فتح» ج١ ص ٦٨٣ نسخة طبعة دار الريان للتراث.

٣٠. - راجع «الفتح» ج٣ ص ١٤٢.

٣١. - تقدم تخريج هذا الحديث برقم ٤/ ٧٤٧ - حيث أورده المصنف -﵀- من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، بلفظ: «كان يركز الحربة، ثم يصلي إليها»، لكنه مختصر، فأعدته هنا استكمالا لما لم يُذكرهناك. فتنبّه.

٣٢. - هو سعيد بن العاص الأموي.

٣٣. - عبارة«الأوسط»:«وبالحديث الأول الخ»، والظاهر أن الصواب«القول الأول»فتنبه.

٣٤. - «الأوسط» ج ٤ ص ٢٧٣ - ٢٧٩.

٣٥. - «شرح مسلم» ج ٦ ص ١٨١ - ١٨٢.

٣٦. - في هذا الكلام نظر لا يخفى، لأن أبا داود -﵀- لم يلتزم أن يخرّج الصحيح المتصل عنده في كتابه حتى يُستدلّ بصنيعه هذا على صحة الحديث عنده، فتأمل.

٣٧. - «التمهيد» ج ١٦ ص ٣٢٨.

٣٨. - هكذا عزاه إلى الكبرى في «تحفة الأشراف» ج ١١/ ص ١٥٥١٣، ولم أره فيه.

٣٩. - أخرجه أحمد في «مسنده»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ج ٢/ ١٧٦ بسند صحيح ج ٥/ ٧.

٤٠. - يأتي للمصنف في الباب التالي.

٤١. - «التمهيد» ج ١٦ ص ٣٢٨ - ٣٢٩.

٤٢. - «الأوسط» ج٤ ص ٢٨٤ ببعض تصرّف.