HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٦١٩

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَحْوَلِ يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ. ثُمَّ ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً مَعْنَاهَا وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص527
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ٢٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٧ ص٣١٨
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند مسلم، وأصحاب السنن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ رَبيعَةَ بنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) وعند أحمد «كنتَ أنام» (عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي عند باب الحُجْرة التي فيها النبي - ﷺ -، وتقدم في ١٦٩/ ١١٣٨ قال: «كنت آتي رسول اللَّه - ﷺ - بوَضُوئه، وبحاجته، فقال …». وفي رواية لأحمد: قال: كنت أخدم رسول اللَّه - ﷺ -، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه - ﷺ - العشاء الآخرة، فأجلس ببابه، إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول اللَّه - ﷺ - حاجة، فما أزال أسمعه، يقول رسول اللَّه - ﷺ -: «سبحان اللَّه سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، وبحمده، حتى أَمَلَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني، فأرقد … وقد تقدّم بطوله في ١٦٩/ ١١٣٨. (فَكُنْتُ أَسْمَعُه) بصيغة المتكلّم، والضمير المنصوب للنبي - ﷺ - (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ)«من»بمعنى«في»، أو هي للتبعيض، أي قام يصلى في الليل، والظاهر أنه يقول ذلك بعد الدخول في الصلاة (يَقُولُ:«سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، الهَويَّ) بفتح الهاء، وكسر الواو، وتشدّد الياء، والنصب على الظرفية، قال: في«النهاية»:«الْهَويُّ: الحيُن الطويلُ من الزمان، وقيل: مختصّ بالليل. (ثم يَقُولُ. »سُبْحَانَ اللَّهِ وَبحَمْدِهِ«، الْهَوِيَّ) وفي رواية لأحمد فكنت أسمعه إذا قام من الليل، يصلي، يقول: »الحَمد للَّه رب العالمين« الهَويّ، قال: ثم يقول: »سبحان اللَّه العظيم وبحمده« الهويّ. وفي رواية له. أيضًا: كنت أبيت عند باب رسول اللَّه - ﷺ -، أعطيه وَضوءه، فأسمعه بعد هَوِيّ من الليل، يقول: »سمع اللَّه لمن حمده«، وأسمعه بعد هَويّ من الليل يقول: »الحمد للَّه رب العالمين« واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وتقدم في ١٦٩/ ١١٣٨ - وتقدم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦١٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَحْوَلِ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ». ثُمَّ ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: «وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيية بن سعيد) تقدم قبل بابين. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (سُليمان بن أبي مسلم الأحول) المكي، خال ابن أبي نَجيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقة [٥]. روى عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم. وعنه ابن جريج، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم. وثقه ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي، والعجليّ، وابن وضّاح، وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، وحديث رقم (٢٩٢٠) وأعاده برقم (٢٩٢١) و(٣٨١٠) و(٣٨١١) وحديث رقم (٥٦٥٠). ٤ - (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٧/ ٣١. ٥ - (ابن عباس) الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) في رواية مالك، عن أبي الزبير، عن طاوس: «إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل»، وظاهر السياق أنه كان يقوله أولَ ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة «الدليل على أن النبي - ﷺ - كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر»، ثم ساقه من طريق قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا قام للتهجّد، قال بعد ما يكبّر:»اللهم لك الحمد«. ولأبي داود من هذا الوجه: أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا قام للتهجّد قال بعد ما يقول:«اللَّه أكبر … ». (يَتَهَجَّدُ) أي يَسهَر بصلاة، قال الفيّومي: هَجَدَ هجُودًا، من باب قَعَد: نام بالليل، فهو هاجد، والجمع هُجُود، مثل راقد، ورُقُود، وقاعد، وقعود، وواقف، ووُقُوف، وهُجَّد أيضا مثل رُكَّع، وهَجَد أيضًا: صلى بالليل، فهو من الأضداد، وتهجّد: نام، وصلى، كذلك انتهى. وقال في«الفتح»: وتفسير التهجّد بالسَّهَر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تهجّد: إذا سَهِرَ، وتهجّد: إذا نام، حكاه الجوهريّ وغيره. ومنهم من فرّق بينهما، فقال: هَجَدتُ: نِمْتُ، وتهجّدتُ: سَهِرتُ، حكاه أبو عبيدة، وصاحب«العين»، فعلى هذا الهُجُود النوم، ومعنى تهجدت: طرحت عنّي النوم. وقال الطبريّ: التهجد السهَرُ بعد نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس المتهجّد المصلي ليلًا. وقال كراع: التهجّد صلاة الليل خاصّة انتهى . (قَالَ:) جملة في موضع نصب خبر«كان»، و«إذا»لمجرد الظرفية، أي كان - ﵇ - عند قيامه من الليل، متهجدًا، يقول. وقال الطيبيّ: الظاهر أن«قال»جواب«إذا»، والجملة الشرطية خبر«كان»انتهى. (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) قَدَّمَ الخبرَ للدلالة على التخصيص (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) أي منوّرهما، وبك يَهتدي من فيهما. وقيل: المعنى أنت المنزّه عن كلّ عيب، يقال: فلان مُنَوَّر، أي مبرّأ من كلّ عيب، ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نُورُ البلد، أي مزيّنه. قاله في«الفتح». وقال القرطبيّ: أي منوّرهما في قول الحسن، دليله قراءة عليّ - ﵁ -«اللَّه نَوّرَ السموات»بفتح النون، والواو مشدّدة، وقال ابن عباس - ﵄ -: هادي أهلهما، وقال مجاهد: مُدبّرهما، وقيل. هو المنزّه في السموات والأرض من كلّ عيب، من قول العرب: امرأة نَوارة، أي مبرّأة من كلّ ريبة. وقيل: اسم مدح، يقال: فلان نُور البلد، وشمس الزمان، كما قال النابغة: [من الطويل] فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ وقال الآخر: [من الطويل] إَذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَرْوَ لَيلَةَ … فَقد سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا وقال أبو العالية. مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى . ولفظ،«الكبرى»، وهي رواية لمسلم:«أنت رب السموات والأرض»بدل«نور السموات الخ»: أي مصلحهما، ومصلح مَن فيهما، مْأخوذ من الرّبّة، وهي نبت تصلح عليه المواشي، يقال: ربّ يرُبّ رَبّا، فهو رابّ، وربّ، ورَبَّى يرَبِّي تَرْبية، فهو مربّ، قال النابغة: [من الطويل] وَرَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ وقال آخر: [من الطويل] يَرُبُّ الَّذِي يَأتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ … إِذَا فَعَلَ الْمَعرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا والربّ أيضا السيّد، فيكون معناه أنه سيد من في السموات والأرض. والربّ المالك: أي هو مالكهما، ومالك من فيهما. قاله في «المفهم». (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) قَيّام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيّأ له ما يحتاج إليه، ويقال. قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ. القيّم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن جُبير. الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول. قاله في «المفهم». وفي «المرعاة»: أي القائم بأمرِ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها. وفي رواية «قيّم، وفي أخرى»قيّوم«، وهي من أبنية المبالغة، وهي من صفات اللَّه تعالى، ومعناها واحد. وقيل:»القيّم«: معناه القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم في جميع أحواله، و»القيّام«: القائم بنفسه، بتدبير خلقه المقيم لغيره، و»القيّوم«: من أسماء اللَّه تعالى المعدودةِ، وهو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كلّ موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به انتهى. وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حمدتك، لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به يَنتفع إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، ولِيُنَاط به كلَّ مرة معنى آخر. (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) بكسر اللام، أي المتصرّف فيهما تصرّفا كليّا، مُلكًا، ومِلكًا، ظاهرا وباطنا، لا نزاع في مُلكه، ولا شريك له في مِلكه. (وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ «من» تغليبًا للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ كلّ شيء، ومليكه (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ حَقٌّ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شكّ. وقال القرطبي: أي واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيء: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ الآية [السجدة: ١٣]، أي ثَبَت، ووجب. وهذا الوصف للَّه ﷾ بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم، مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجده، لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد: [من الطويل] أَلَا كُلُّ شَيْء مَا خلَا اللَّهَ بَاطِلُ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه. أنت الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلها فقد قال الحق انتهى. (وَوَعْدُكَ حَقٌّ) أي صادق لا يمكن التخلّف فيه، وفي رواية البخاري: «ووعدك الحقّ» بالتعريف، قال في «الفتح»: وعرّفه، ونكّر ما بعده، لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم قاله الطيبيّ. زاد في رواية الشيخين «ولقاءك حقّ» وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت. وقيل معنى «لقاؤك حقّ»: أي الموت، وأبطله النووي. وزاد أيضًا: «وقولك حقّ» أي مدلوله ثابت. (وَالجَنَّةُ حَقٌّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر، وما بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجنة والنار موجودتان الآن (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي يوم القيامة آتية لا ريب فيها، وأصل «الساعة» القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك. وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لابدّ من كونها، وأنها مما ينبغي أن يصدق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها انتهى. (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ) - ﷺ - (حَقٌّ) خصّه بالذكر تعظيما له، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزّل منزلة تغاير الذات. (لَكَ أَسْلَمْتُ) أي انقدت، وخضعت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي فوضت أمري إليك، لا إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ آخذا بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها (وَبِكَ آمنْتُ») أي صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت. زاد في رواية الشيخين:«وإليك أنبت»، أي أطلعت، ورجعت إلى عبادتك، أي أقبلت عليها، وقيل: معناه رجعت إليك. قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى-. قال المصنف -﵀- (ثُمَّ) بعد أن ذكر هذه الأشياء (ذَكَرَ قُتَيْبَةُ كَلِمَةً) الظاهر أن المراد بالكلمة الجمل الآتية (مَعْنَاهَا:«وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من الحجج خاصمت من عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي. وقال النووي -﵀-: أي كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من صنم، وكاهن، ونار، وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد غيره انتهى. وقال في «الفتح»: قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: «ولك الحمد» انتهى. (اغْفِرْ لِي) وفي رواية الشيخين: «فاغفر لي»، قال ذلك مع كونه مغفورًا له إما على سبيل التواضع، والهضم لنفسه، وإجلالا، وتعظيمًا لربّه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به فيه، كذا قيل. والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ذلك. أفاده في «الفتح» (مَا قَدَّمْتُ) أي قبل هذا الوقت (وَمَا أَخَّرْتُ) عنه (وَمَا أَعْلَنْتُ) هكذا نسخ «المجتبى» ليس فيها «وما أسررت»، والذي في «الكبرى»: «وما أسررت، وما أعلنت»، وهو الذي في «الصحيحين» وغيرهما، والظاهر أنه سقط سهوًا من بعض نُسّاخ «المجتبى». واللَّه تعالى أعلم. والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: «وما أنت أعلم به مني»، وهو من ذكر العام بعد الخاصّ. (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال المهلّب. أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخَّر في البعث في الدنيا. انتهى. وقال القاضي عياض -﵀-: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، وُيذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إن كلّ متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخر من شاء بقضائه، لشقاوته انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول مما ذكر عياض -﵀- هو الأظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم. قال الكرماني -﵀-: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ «القيّم» إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و«النور» إشارة إلى أن الأعراض أيضا منه، و«الملك» إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء، وكلّ ذلك من نعم اللَّه على عباده، فلهذا قَرَن كلاّ منها بالحمد، وخصّص الحمد به. ثم قوله: «أنت الحقّ» إشارة إلى المبدإ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان، والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى اللَّه، والخضوع له انتهى. (لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) أي لا معبود بحقّ إلا أنت الواحد الأحد الصمد (وَلَا حَوْلَ وَلَا قوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ») قيل معناه. لا حول عن المعصية، ولا قوّة على الطاعة، إلا بتوفيق اللَّه. قاله الفيومي. [تنبيه]: ظاهر سياق المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن قوله:«ولا حول، ولا قوّة، إلا باللَّه»من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن البخاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سليمان، عَقِبَ قوله:«لا إله إلا أنت»، أو«لا إله غيرك»: ما نصّه: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية:«ولا حول، ولا قوة إلا باللَّه»انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في«مسنده»عن سفيان، قال:«حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوسًا»، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان: وزاد عبد الكريم:«ولا حول، ولا قوّة إلا بك». ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نعيم في«المستخرج»من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد اللَّه بن المدينيّ، شيخ البخاري فيه، فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان«ولا إله غيرك»قال:«ولا حول، ولا قوّة إلا باللَّه»، قال سفيان. وليس هو في حديث سليمان انتهى. ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لم يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيلي، عن الحسن ابن سفيان، عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. قد تبين بهذا أن هذه الزيادة مدرجة في حديث سفيان، عن سليمان، في رواية المصنف، إما منه، أو من شيخه قتيبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق يهذا الحديث: المسألة الأولى. في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٩/ ١٦١٩ - وفي «الكبرى» ١٧/ ١٣١٩ - بالإسناد المذكور، وفي «عمل اليوم والليلة» ٨٦٨ - عن قتيبة، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، عن طاوس به. وفي «الكبرى» عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة- وعن محمود بن غيلان، وعبد الأعلي بن واصل، كلاهما عن يحيى بن آدم، عن الثوري، عن ابن جريج- كلاهما عن سليمان الأحول به. وعن محمد بن مَعمَر، عن حماد بن مسعدة، عن عمران بن مسلم، عن قيس بن سعد، عن طاوس به واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و٨/ ٨٦ و٩/ ١٤٤ و٩/ ١٦٢ و٩/ ١٧٦ (م) ٢/ ١٨٤ (د) ٧٧١ (ت) ٣٤١٨ (ق) ١٣٥٥ (مالك في الموطإ) ١٥٠ (الحميدي) ٤٩٥ (أحمد) ١/ ٢٩٨ و١/ ٣٠٨ و١٠/ ٣٥٨ و١٠/ ٣٦٦ (عبد بن حميد) ٦٢١ (الدارمي) ١٤٩٤ (البخاري) في «الأدب المفرد» ٦٩٧ وفي «خلق أفعال العباد» ٧٨ (ابن خزيمة) ١١٥٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -﵀-، وهو بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار. ومنها: زيادة معرفة النبي - ﷺ - بعظمة ربّه، وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده. ومنها. استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب، اقتداءً بالنبي - ﷺ -. واللَّه
مصادر المؤلف (٧)

١. - انظر «المسند» ج ٤ ص ٥٧.

٢. -«فتح»ج ٣ ص ٣٠٦.

٣. -«فتح»ج ٣ ص ٣٠٦.

٤. -«المفهم» ج ٢ ص ٣٩٦ - ٣٩٧.

٥. - انظر«زهر الربى» ج ٣ ص ٢١٠ - ٢١١.

٦. - «فتح» ج ٣ ص ٣٠٨.

٧. - هذه الأسانيد التي عزوتها لـ «الكبرى» لم أرها فيه، وإنما ذكرها في «تحفة الأشراف». واللَّه أعلم.