صحتها لأن شعبة رواها عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، وقد وقع التصريح بذلك في رواية المصنّف هنا. وأما روايته لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وإن كان فيها عنعنته، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية -وهي صحيحة كما ذكرناه آنفًا- تشهد لها.
والحاصل أن الحديث صحيح مرويّ عن كلّ من عائشة، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى - عنهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٥٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي، وَهُوَ صَائِمٌ، وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، ثُمَّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، مَا دَامَ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. خَالَفَهُ يُونُسُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفَلاّس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (أبو عاصم) الضحّاك بن مَخلَد النَّبِيل الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤.
[تنبيه]: قوله: «عن حديث أبي عاصم» أي أخبرنا عمرو بن عليّ عما حدّثه به أبو عاصم النبيل. ووقع في نسخة «الكبرى» «عن حريث أبي عاصم» بالراء بدل «حديث أبي عاصم»، وهو غلطٌ فاحش، وأما ما كتبه محقق «السنن الكبرى» في الهامش فلا فائدة فيه، بل هو كلام ساقط. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (عُمر بن أبي زائدة) الهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، أكبر منه، صدوق [٦].
روى عن أبي إسحاق، وقيس بن أبي حازم، والشعبيّ، وغيرهم. وعنه ابن أخيه يحيى بن زكريا، وبهز بن أسد، وزيد بن الْحُباب، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: كان كَيّس الحفظ. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: عُمر يرى القدر. وقال في موضع آخر: زكريّا أعلى من أخيه عمر بكثير. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال العُقيليّ: كان يرى القدر، وهو في الحديث مستقيم. وقال يعقوب بن سُفيان: عمر لا بأس به، وزكريّا ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». مات بعد (١٥٠). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفيّ، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحين وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي) أي من تقبيل وجهي (وَهُوَ صَائِمٌ) تعنى أنه - ﷺ - كان لا يمتنع من التقبيل لأجل الصوم؛ لأنه غير مانع من ذلك.
وفيه جواز القبلة للصائم، وسيأتي تمام البحث فيه في «كتاب الصيام» إن شاء اللَّه تعالى.
(وَمَا مَاتَ حتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاِتهِ قَاعِدًا) أي لأجل ضعفه عن القيام الطويل (ثُمَّ ذَكرَتْ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ) أي ذكرت عائشة - ﵂ - في حديثها كلمة، لم يحفظ الأسود لفظها، بل معناها، وهو «إلا المكتوبة»، والمعنى أنه - ﷺ - كان أكثر صلاته النافلة، في أواخر حياته بعد ما ضعف قاعدا، وأما المكتوبة فإنه لا يصليها إلا قائما.
وفيه دليل على جواز النافلة قاعدًا، وأما المكتوبة فلا تجوز إلا بالقيام للقادر عليه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَل إِلَيْهِ) أي إلى النبي - ﷺ - (مَا دَامَ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ) أي واظب، وثبت عليه، ولم ينقطع عنه إلا بعذر (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا) أي وإن كان ذلك العمل الدائم قليلا، وقد تقدّم وجه كونه أحب من العمل الكثير المنقطع قبل باب، فراجعه، تستفد، واللَّه تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا في إسناده عنعنة أبي إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية تشهد له، فهو صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٢ - وفي «الكبرى» ٢٩/