HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٦٧٧

أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي شِمْرٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: النَّوْمِ عَلَى وِتْرٍ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص542
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ٢٢٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٨ ص١٤
٥ - (طلحة بن يزيد الأنصاريّ) نزيل الكوفة، وثقه النسائيّ، وابن حبّان [٣] ٧٨/ ١٠٠٩. والصحابي تقدّم في السند الماضي. والحديث صحيح، وقد تقدم مستوفى الشرح برقم ٧٧/ ١٠٠٨ و١١٥/ ١٠٦٩ وكذا بيان مسائله، فليُراجَع هناك. وقوله: «وغيرُ العلاء الخ» تقدم ذلك من رواية شعبة، عن عمرو بن مرّة، فقال: «عن رجل، من بني عَبْس»، عن حذيفة، وتقدم أيضًا أن المصنّف قال في هذا المبهم: يشبه أن يكون صِلَة ابن زُفَر. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢٦ - بَابٌ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ ١٦٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا الأَزْدِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، مَثْنَى مَثْنَى». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي خَطَأٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصري، الثقة الحافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد بن جعفر) غُندر البصريّ الحافظ الثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي الإمام الحجة البصري [٩] تقدّم قبل بابين. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦. ٥ - (يعلي بن عطاء) الطائفي، ثقة [٤] ٤٠/ ٥٨٤. ٦ - (عليّ الأزديّ) ابن عبد اللَّه البارِقِيّ، أبو عبد اللَّه بن أبي الوليد، صدوق ربما أخطأ [٣]. روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه مجاهد، من أقرانه، ويعلي بن عطاء، وأبو الزبير، وغيرهم. قال ابن عدي: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به. وقال منصور، عن مجاهد: كان على الأزدي يختم القرآن في رمضان كلّ ليلة. ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه وثّقه. روى له الجماعة، سوى البخاري، وله في مسلم حديث واحد في الدعاء إذا استوى على الراحلة في السفر، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ١٦٦٦ و٢٥٢٦ وأعاده برقم ٤٩٨٦ وحديث رقم ٥٣٠٨. ٧ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ويعلى طائفيّ، وعلي بارقيّ، نسبة إلى بارق جبل باليمن، كما في «اللباب» ١/ ١٠٧، وابن عمر مدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ) العامريّ، ويقال: الليثيّ (أنهُ سَمِعَ عَلِيَّا الْأَزْدِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) زيادةُ»والنهار«سيأتي الكلام عليها قريبًا (مَثْنَى مَثْنَى)»صلاة«مبتدأ، و»مثنى«خبره، أي ركعتان ركعتان، وهذا معنى»مثنى«، لما فيه من التكرير، و»مثنى«الثاني تأكيد له. والمقصود أنه، ينبغي للمصلي أن يصليها كذلك، فهو خبر بمعنى الأمر، قيل: يحتمل أن المراد أن يسلّم في كلّ ركعتين، ويحتمل أن المراد أنه يتشهّد في كلّ ركعتين. قاله السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: الاحتمال الأول هو الراجح، والثاني يبعده تفسير الراوي، كما سيأتي قريبًا. وقال في«الفتح»: قوله:«مثنى مثنى»أي اثنين اثنين، وهو غير منصرف لتكرار العدل فيه، قاله صاحب«الكشاف». وقال آخرون: للعدل والوصف، وأما إعادة«مثنى» فللمبالغة في التأكيد، وقد فسّره ابن عمر راوي الحديث، فعند مسلم من طريق عقبة بن حُريث، قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تسلّم من كلّ ركعتين. وفيه ردّ على من زعم من الحنفيّة أن معنى مثنى أن يتشهد بين كلّ ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسّره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا: إنها مثنى. واستُدلّ بهذا على تعيّن الفضل بين كلّ ركعتين من صلاة الليل، قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق، لحصر المبتدإ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، لما صحّ من فعله - ﷺ - بخلافه، ولم يتعيّن أيضًا كونه لذلك، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخفّ، إذ السلام بين كلّ ركعتين أخفّ على المصلي من الأربع، فما فوقها، لما فيه من الراحة غالبًا، وقضاء ما يَعرض من أمر مهمّ، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لم يواظب عليه النبي - ﷺ -، ومن ادعى اختصاصه به، فعليه البيان، وقد صحّ عنه - ﷺ - الفضل، كما صحّ عنه الوصل، فعند أبي داود، ومحمد بن نصر من طريقي الأوزاعيّ وابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان يصلي ما بين أن يفرغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلّم من كلّ ركعتين»، وإسنادهما على شرط الشيخين. واستدلّ به أيضًا على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة ما عدا الوتر. قال ابن دقيق العيد: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع قصر الصبح في السفر إلى ركعة، يشير بذلك إلى الطحاويّ، فإنه استدلّ على منع التنفّل بركعة بذلك. واستدلّ بعض الشافعيّة للجواز بعموم قوله - ﷺ -: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر، ومن شاء استقلّ». صححه ابن حبّان. وقد اختلف السلف في الفصل والوصل في صلاة الليل أيهما أفضل، قال الأثرم عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلى بالنهار أربعًا فلا بأس. وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد صحّ عن النبي - ﷺ - أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على الوصل، إلا أنا نختار أن يسلّم من كلّ ركعتين، لكونه أجاب السائل، ولكون أحاديث الفضل أثبت، وأكثر طرقًا. وقد تضمّن كلامه الردّ على الداوديّ الشارح، ومن تبعه في دعواهم أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنَّه صلى النافلة أكثر من ركعتين ركعتين انتهى . (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي خَطَأٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) محلّ الخطأ فيه زيادة «والنهار». قال في «الفتح»: ما حاصله: قد أعلّ أكثر أئمة الحديث هذه الزيادة بأن الحفّاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائيّ على راويها بأنه أخطأ فيها، وقال يحيى ابن معين: مَنْ عليّ الأزديّ حتى أقبل منه؟، وادعى يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع أن ابن عمر كان يتطوّع بالنهار أربعًا، لا يفصل بينهنّ، ولو كان حديث الأزديّ صحيحًا لما خالفه ابن عمر، يعني مع شدة اتباعه، رواه عنه محمد بن نصر في سؤالاته، لكن روى ابن وهب بإسناد قويّ عن ابن عمر، قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، موقوف، أخرجه ابن عبد البرّ من طريقه، فلعلّ الأزديّ اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذّا، وقد روى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعا، وهذا موافق لما نقله ابن معين انتهى . وقال في «التلخيص الحبير»: حديث ابن عمر: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من حديث علي بن عبد اللَّه البارقيّ الأزديّ، عن ابن عمر بهذا، وأصله في «الصحيحين» بدون ذكر النهار. قال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن ابن عمر غير عليّ، وأنكروه عليه، وكان يحيى بن معين يضعّف حديثه هذا، ولا يحتجّ به، ويقول: إن نافعًا، وعبد اللَّه بن دينار، وجماعة رووه عن ابن عمر بدون ذكر النهار، ورَوَى بسنده عن يحيى بن معين، أنه قال: «صلاة النهار أربع، لا يفصل بينهنّ»، فقيل له: فإن أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فقال: بأيّ حديث؟ فقيل له: بحديث الأزديّ، فقال: ومَنْ الأزديّ حتى أقبل منه؟، وأَدَعَ يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يتطوّع بالنهار أربعا، لا يفصل بينهنّ، لو كان حديث الأزديّ صحيحًا لم يُخالفه ابن عمر. وقال الترمذيّ: اختلف أصحاب شعبة فيه، فوقفه بعضهم، ورفعه بعضهم، والصحيح ما رواه الثقات عن ابن عمر، فلم يذكروا فيه صلاة النهار. وقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ، وكذا قال الحاكم في «علوم الحديث». وقال النسائيّ في «الكبرى»: إسناده جيد، إلا أن جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزديّ، فلم يذكروا «في النهار». وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم في «المستدرك»، وقال: رواته ثقات. وقال الدارقطنيّ في «العلل»: ذكر «النهار» فيه وَهَم. وقال الخطابي: رَوَى هذا الحديث طاوس، ونافع، وغيرهما عن ابن عمر، فلم يذكر أحد فيه «النهار»، وإنما هو «صلاة الليل مثنى مثنى»، إلا أن سبيل الزيادة من الثقة أن تُقبل. وقال البيهقيّ: هذا حديث صحيح، وعلي البارقيّ احتجّ به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد صححه البخاريّ لَمّا سُئل عنه، ثم رَوَى ذلك بسنده إليه، قال: ورُوي عن محمد بن سيرين، عن ابن عمر مرفوعًا بإسناد كلهم ثقات. انتهى. وقد ساقه الحاكم في «علوم الحديث» من طريق نصر بن عليّ، عن أبيه، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين به، وقال: له علة يطول ذكرها. وله طرُقٌ أخَر: فمنها: ما أخرجه الطبراني في «الأوسط» من طريق نافع، عن ابن عمر، وقال: لم يروه عن العمري إلا إسحاق الْحُنَينيّ، وكذا قال الدارقطنيّ في غرائب مالك: تفرّد به الحنيني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. ومنها: ما أخرجه الدارقطني من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن ابن عمر، وفي إسناده نظر. وله شاهد من حديث عليّ، وآخرُ من حديث الفضل بن عباس، مرفوعًا، أخرجه أبو داود، والنسائيّ مرفوعًا: «الصلاة مثنى مثنى». الحديث. أنتهى ما في «التلخيص» ج ٢ ص ٤٧ - ٤٩. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي ترجيح ما ذهب إليه جمهور المحدثين من تضعيف زيادة «والنهار» في هذا الحديث؛ لتفرّد علي الأزديّ بها، ومخالفته الجماعة من أثبات رواة ابن عمر - ﵁ -، ومخالفته ما صحّ عن ابن عمر مع شدة اتباعه أنه كان يتطوع بالنهار أربعًا، لا يفصل بينهنّ، وما ذُكر من المتابعات، والشواهد لا تقوى قوّة ما صحّ عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه، غير الزيادة المذكورة. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا - ٢٦/ ١٦٦ بالإسناد المذكور، وفي ١٦٦٧ و١٦٦٨ و١٦٦٩ و٢٦٧٠ و١٦٧١ و١٦٧٢ و١٦٧٣ و١٦٧٤ و١٦٨٢ و١٦٨٩ و١٦٩٠ و١٦٩١ و١٦٩٢ و١٦٩٣ و١٦٩٤ و١٦٩٥ بالأسانيد الآتية إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) رقم ٤٧٢ و٤٧٣ و٩٩١ و٩٩٣ و٩٩٥ و٩٩٨ و١١٣٧. (م) ٧٤٩ و٥٧١ و٧٤٩ (د) ١٢٩٥ و١٣٢٦ و١٤٢١ و١٣٦ و١٤٣٨ (ت) ٤٣٧ و٤٦١ و٤٦٧ و٤٦٩ (ق) ١١٧٤ و١١٧٥ و١١٧٦ و١٣١٩ و١٣٢٠ و١٣٢٢ (أحمد) ٤٥٥٧ و٤٨٣٢ و٤٨٦٣ و٤٩٥١ (ابن خزيمة) ١٢١٠ (ابن حبان) ٢٤١٧ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الفصل بين كل ركعتين من صلاة النهار. قال الإمام ابن المنذر -﵀- بعد ذكر حديث ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة»: وبهذا قال كثير من أهل العلم. واختلفوا في صلاة النهار فقالت طائفة: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، روي هذا القول عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقال حماد في صلاة النهار مثنى مثنى، وممن قال: إن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، واحتج أحمد بأحاديث، منها حديث ابن عمر في تطوّع النبي - ﷺ -، ركعتين بعد الظهر، وركعتان، وركعتان ، وحديث العيد ركعتان، والاستسقاء ركعتان، و«إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، قبل أن يجلس»، والنبي - ﷺ - إذا دخل بيته صلى ركعتين، وذكر أحمد حديث ابن عمر الذي يرويه يعلي بن عطاء، قيل له: أو ليس قد رُوي أن النبي - ﷺ - صلى قبل الظهر أربعًا؟ قال: قد رُوي أن النبي - ﷺ - صلى الضحى ثماني ركعات، فتراه لم يسلّم فيها؟. وذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا، ثبت عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، ويصلي بالنهار أربعًا أربعًا، ثم يسلّم. وقال الأوزاعيّ: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار إن شاء أربعا قبل أن يسلّم. وقال النعمان في صلاة الليل: إن شئت فصل بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًا، وقال يعقوب، ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى، وقال النعمان: وأما صلاة النهار، فصل بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا. وكان إسحاق بن راهويه يقول: الذي نختار له أن تكون صلاته بالليل مثنى مثنى، إلا الوتر، فإن له أحكامًا مختلفة، وأما صلاة النهار، فاختار أن يصلي قبل الظهر أربعًا، وقبل العصر أربعًا، وضحوة أربعًا، لما جاء عن ابن مسعود، وعلي، وابن عمر من وجه واحد، فإن صلى بالنهار ركعتين ركعتين كان جائزًا. وذهبت طائفة: إلى أن صلاة الليل والنهار يجزيك التشهد في الصلاة إلا أن تكون لك حاجة، فتسلم، هكذا قال إبراهيم، وقال عطاء كذلك، وقال الأوزاعي: الرجل في سعة من صلاة النهار أن لا يسلّم من كل ثنتين، وإن يفصل بعضها عن بعض بعد أن يتشهد في كل ثنتين. قال ابن المنذر -﵀-: صلاة الليل مثنى مثنى لحديث ابن عمر. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي، استحباب صلاة الليل مثنى مثنى لأحاديث الباب، وغيرها، وأما صلاة النهار، فإن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَوَاحِدَةٌ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، من رواية طاوس عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه في الحديث السابق. ومحمد بن قُدَامة: هو المصّيصيّ. وجرير: هو ابن عبد الحميد. ومنصور: هو ابن المعتمر. وحبيب: هو ابن أبي ثابت. وقوله: «سأل رجل» قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسمه، ووقع في «المعجم الصغير» للطبرانيّ أن السائل هو ابن عمر، لكن يعكُر عليه رواية عبد اللَّه شقيق، عن ابن عمر: أن رجلا سأل النبي - ﷺ -، وأنا بينه وبين السائل، فذكر الحديث، وفيه: ثم سأله رجل على رأس الحول، وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجل، أو غيره. وعند النسائيّ من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية ، وعند محمد بن نصر في «كتاب أحكام الوتر» من رواية عطية، عن ابن عمر أن أعرابيّا سأل، فيحتمل أن يُجمع بتعدد من سأل. قاله في «الفتح». وقوله: «عن صلاة الليل» وفي رواية أيوب، عن نافع، عند البخاري «أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ -، وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟»، ونحوه في رواية سالم، عن أبيه، وقد تبيّن من الجواب أن السؤال وقع عن عددها، أو عن الفصل والوصل، وفي رواية محمد بن نصر من طريق أيوب عن نافع، عن ابن عمر، قال: «قال رجل: يا رسول اللَّه، كيف تأمرنا أن نصلي من الليل؟». وأما قول ابن بزيزة: جوابه بقوله: «مثنى» يدلّ على أنه فهم من السائل طلب كيفية العدد، لا مطلق الكيفية، ففيه نظر، وأولى ما فُسّر به الحديث من الحديث. واستُدلّ بمفهومه على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا، وهو عن الحنفية، وإسحاق. وتعقّب بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل، فقيد الجواب بذلك، مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبيّن من الحديث السابق «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به، لكن قد عرفت ما في الحديث من الكلام. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: «فإذا خشيت الصبح» وفي رواية نافع الآتية: «فإذا خشي أحدكم الصبح». استُدلّ به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، وأصرح منه ما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه أبو عوانة، وغيره من طريق سليمان بن موسى، عن نافع أنه حدّثه أن ابن عمر كان يقول: «من صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وترًا، فإن رسول اللَّه - ﷺ - كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر، فقد ذهب كلّ صلاة الليل والوتر» . وفي «صحيح ابن خُزيمة» من طريق قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مرفوعًا: «من أدركه الصبح، ولم يوتر، فلا وتر له». وهذا محمول على التعمد، أو على أنه لا يقع أداء، لما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد أيضًا مرفوعًا: «من نسي الوتر، أو نام عنه، فليصلّه إذا ذكر». وقيل: معنى قوله: «إذا خشي أحدكم الصبح -أي وهو في شفع- فلينصرف على وتر. وهذا ينبني على أن الوتر لا يفتقر إلى نية. وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح. وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. وقال ابن قُدَامة: لا ينبغي لأحد أن يتعمّد ترك الوتر حتى يُصبح. وفي إسناد الجميع عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهو ضعيف. واللَّه تعالى أعلم. واختلف السلف في مشروعية قضائه، فنفاه الأكثر، وفي مسلم وغيره عن عائشة - ﵂ - «أنه - ﷺ - كان إذا نام من الليل، من وجع، أو غيره، فلم يقم من الليل صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة». وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي - ﷺ - في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر، ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه - ﷺ - في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر، فلم يُصب. وعن عطاء، والأوزاعيّ: يقضي، ولو طلعت الشمس، وهو وجه عند الشافعي، حكاه النوويّ في «شرح مسلم». وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وعن الشافعية: يقضي مطلقًا، وُيستدلّ لهم بحديث أبي سعيد المتقدّم، واللَّه أعلم. ذكر هذا كله في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي قول من قال: يُقضىَ الوتر مطلقًا، لحديث «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها …»، فإن لفظ «صلاة» نكرة في سياق الشرط فيدخل فيه الوتر وغيره، مما له وقت معين. وأما الاستدلال بحديث أبي سعيد - ﵁ - المتقدم، فغير متجه، لأن في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، وهو ضعيف، وقد خالفه أخوه عبد اللَّه بن زيد -وهو صدوق، فيه لين-، فرواه عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا، بلفظ: «من نام عن وتره، فليصلّ إذا أصبح»، قال الترمذي: وهذا أصح من الحديث الأول. يعني حديث عبد الرحمن المتقدّم. واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: يؤخذ من سياق هذا الحديث أن ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس من النهار شرعًا، وقد روى ابن دُريد في «أماليه» بسند جيّد أن الخليل بن أحمد سئل عن حدّ النهار، فقال: من الفجر المستطير إلى بداءة الشفق. وحكى ثعلب عن الشعبى أنه وقت منفرد، لا من الليل، ولا من النهار. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فواحدة) بالرفع خبر لمحذوف، أي فهي ركعة واحدة، ويحتمل أن يكون بالنصب، مفعولا لمحذوف، أي صلّ ركعة واحدةً. وفي الروايات الآتية: «فأوتر بواحدة». واستُدلّ بهذا على أنه لا صلاة بعد الوتر. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح في «باب إباحة الصلاة بين الوتر وركعتي الفجر» ٥٥/ ١٧٥٦ إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٦٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، من رواية سالم عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه في الحديث الأول. و(محمد بن صدقة) هو الجُبْلاني -بضم الجيم، وسكون الموحدة- أبو عبد اللَّه الحمصي المكتب، صدوق [١١]. روى عن محمد بن حرب، ومحمد بن شعيب، وابن أبي فُديك، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال: لا بأس به، وأبو حاتم، وقال: صدوق. وابن بُجير، وغيرهم. وقال مسلمة: حمصي لا بأس به انتهى. وهو ممن انفرد بهم المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط، برقم ١٦٦٨ و٣٦٥٨. و(الزبيديّ) محمد بن الوليد الحمصي الحافظ المثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى الْمِنْبَرِ، يُسْأَلُ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما -، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه قريبًا. و«محمد بن منصور»: هو الجوّاز المكي. و«سفيان»: هو ابن عيينة. و«ابن أبي لَبيد» -بفتح اللام: هو عبد اللَّه المدني، أبو المغيرة نزيل الكوفة، ثقة رُمي بالقدر، تقدّم ٢٣/ ٥٤١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٧٠ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُمْ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِنْ خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق خامس لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، من رواية نافع عنه، وهو متفق عليه، وتقدم تخريجه قريبًا. و(موسى بن سعيد) بن النعمان بن بسام، الثّغْريّ، أبو بكر المعروف بالدَّنْدَانيّ- بمهملتين مفتوحتين، ونونين، الأولى ساكنة- صدوق [١١]. روى عن أبي اليمان، وعبد اللَّه بن رجاء، وأحمد بن عبد اللَّه بن يونس، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وقال: لا بأس به، وأبو عوانة الإسفرايينيّ، وأبو بشر الدُّولابي، وغيرهم. وهو من أفراد المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط برقم ١٦٧٠ و٣٦٥٣. و(أحمد بن عبد اللَّه بن يونس) هو التيميّ الكوفيّ الحافظ الثقة من كبار [١٠] ٩٣/ ١٣٥١. و(زُهير) هو ابن معاوية بن حُديج الكوفيّ الحافظ الثقة [٧]. و(الحسن بن الحُرّ) بن الحَكَم النخعي، ويقال: الجعفي، أبو محمد، ويقال: أبو الحكم الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقة فاضل [٥]. روى عن أبي الطفيل، والشعبيّ، ونافع، وغيرهم. وعنه ابن عجلان، من شيوخه، والأوزاعيّ، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ، وعبد الرحمن بن خِرَاش: ثقة، وكان بليغًا جوادًا. وقال الأوزاعيّ: ما قَدِم علينا من العراق أفضل من عبدة بن أبي لبابة، والحسن بن الحرّ. وقال زهير: حدثنا الصدوق العاقل الحسن بن الحُرّ. وقال الحاكم: ثقة مأمون مشهور. ووثقه العجليّ، وأبو الفضل الهرويّ، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات بمكة سنة (١٣٣). انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ١٦٧٠ و١٦٨٧ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٧١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق سادس لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما -، وهو متّفقٌ عليه، وتقدم تخريجه في حديث أول الباب. و(الليث) هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. والإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له كما تقدّم غير مرّة، وهو (١٠٣) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٧٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق سابع لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو متّفق عليه، وتقدم تخريجه قريبًا. و(أحمد بن محمد بن المغيرة) هو الأزدي الحمصي، صدوق [١١] ٦٩/ ٨٥. و(عثمان) هو ابن سعيد بن كثير بن دينار، أبو عمرو الحمصيّ ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و(شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي الحافظ المثبت [٧] ٦٩/ ٨٥ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلًا، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثامن لحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما -، وهو متفقٌ عليه، وتقدم تخريجه قريبًا. و(محمد بن يحيى) الذُّهْلي النيسابوريّ الإمام الحافظ الحجة [١١] ١٩٦/ ٣١٤. و(يعقوب بن إبراهيم) هو الزهريّ المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و(ابن أخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد اللَّه بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهري المدنيّ، صدوق له أوهام [٦]. روى عن أبيه، وعمه، وصالح بن عبد اللَّه بن أبي فَرْوة، وغيرهم. وعنه ابن إسحاق، أكبر منه، وإبراهيم بن سعد، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وغيرهم. قال أحمد: لا بأس به، وعنه: صالح الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وعنه ليس بذاك القويّ، وقال مرّة: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه. وسئل أبو داود عنه؟ فقال: ثقة، سمعت أحمد يُثني عليه، وأخبرني عباس عن يحيى بالثناء عليه. وقال ابن عديّ: لم أر بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثا منكرًا، فأذكرَه، إذا روى عنه ثقة. وقال الساجيّ: صدوق، تفرّد عن عمه بأحاديث لم يُتابَع عليها. وقال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد. وقال الحافظ: لم أر له في البخاري غير حديثين. وقال ابن معين: هو أمثل من أبي أويس، ويقال: إنه انفرد عن عمه بحديث «كلُّ أمتي مُعافًى إلا المجاهرون»، و«كان - ﷺ - يأكل بكفه كلها»، وقول أبي هريرة في خطبته: «كل ما هو آت قريب». ورَوى الواقديّ عنه، عن عمه حديثا آخر، والواقديّ غير حجة. قال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا قتله للميراث، في آخر خلافة أبي جعفر سنة (١٥٢) ثم وثب عليه غلمانه، فقتلوه أيضًا بعد سنين، وليس له عقب، وكان كثير الحديث صالحًا. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، وكثير الوَهَم، مات سنة (١٥٧). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و(حميد بن عبد الرحمن) هو ابن عوف الزهري المدني، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٧٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَاهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق تاسع لحديث ابن عمر - ﵁ -، وهو متّفقٌ عليه، وتقدم تخريجه أيضًا. و(أحمد بن الهيثم) بن حفص الثَّغْريّ -بالمثلّثة، والغين المعجمة- قاضي طَرَسُوس، صدوق [١٢]. روى عن حرملة، وموسى بن داود. وعنه النسائيّ حديثا واحدًا في الصوم ، وأبو عمر أحمد بن محمد الجلّيّ، وغيرهما. قال النسائيّ: لا بأس به. وانفرد هو به، روى عنه في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و(حَرْمَلة) هو بن يحيى بن عبد اللَّه بن حرملة بن عِمران التُّجِيبيّ، أبو حفص المصري، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١]. روى عن ابن وهب، فأكثر، وعن الشافعيّ، ولازمه، وأيوب بن سُويد، وغيرهم. وعنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن الهيثم، وغيرهم. قال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال الدُّوريّ، عن يحيى: شيخٌ بمصر، يقال له: حرملة، كان أعلم الناس بابن وهب. وقال ابن عديّ: سألت عبد اللَّه ابن محمد بن إبراهيم الفَرْهَادانيّ أن يُملي عليّ شيئًا من حديث حَرْملة، فقال لي: يا بُنيّ ما تصنع بحرملة؟ حرملةُ ضعيف. وقال أحمد بن صالح: صنّف ابنُ وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث، عند بعض الناس النصفُ -يعني نفسه- وعند بعض الناس منها الكلّ -يعني حرملة-. وقال ابن عديّ: وقد تبحّرتُ حديثَ حرملة، وفتّشته الكثيرَ، فلم أجد فيه ما يجب أن يضعّف من أجله، ورجل يكون حديث ابن وهب كله عنده، فليس ببعيد أن يُغْرب على غيره كُتُبًا ونُسَخًا، وأما حَمْلُ أحمد بن صالح عليه، فإن أحمد سمع في كتب حرملة من ابن وهب، فأعطاه نصف سماعه، ومنعه النصف، فتولّد بينهما العداوة من هذا، وكان مَن يبدأ بحرملة إذا دخل مصر لا يُحدثه أحمد بن صالح، وما رأينا أحدًا جمع بينهما. قال الحافظ: كذا قال، وقد جمع بينهما أحمد بن رِشْدِين شيخُ الطبرانيّ، لكن يُحمل قول ابن عديّ على الغرباء. مات حرملة سنة (٢٤٤) كذا قال. وقال ابن يونس: ولد سنة (١٦٦) وتوفي لتسع بقين من شوّال سنة (٤٣). وكان مِنْ أَمْلَى الناس بما روى ابن وهب. ونقل أبو عمر الكنديّ أن سبب كثرة سماعه من ابن وهب أن ابن وهب استَخفَى عندهم لَمّا طُلِب للقضاء. قال: ونظر إليه أشهب، فقال: هذا خير أهل المسجد. وقال العُقيليّ: كان من أعلم الناس بابن وهب، وهو ثقة إن شاء اللَّه تعالى. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال أبو عبد اللَّه البُوشَنجيّ: سمعت عبد العزيز بن عمران المصريّ يقول: لقيتُ حرملة بعد موت الشافعيّ، فقلت له: أَخرِجْ إلي فهرست كتب الشافعيّ، قال: فأخرجه إليّ، فقلت: ما سمعتم من هذه الكتب؟ قال: فسمّى لي سبعة كتب، أو ثمانية، فقال: هذا كل شيء عندنا عن الشافعي عَرْضًا وسماعًا. قال أبو عبد اللَّه البُوشنجيّ: فرَوَى عنه الكتب كلها سبعين كتابا، أو أكثر، وزاد أيضًا ما لم يُصنّفه الشافعيّ، وذاك أنه رَوَى عنه فيما أخبرنا بعض أصحابنا «كتاب الفَرْق بين السحر والنبوّة»، وأنه قيل له في ذلك، فقال: هذا تصنيف حفص الفرد، وقد عرضته على الشافعي، فرضيه. روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و(ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/ ٩. و(عمرو بن الحارث) هو المصريّ الحافظ الثقة الفقيه [٧] ٦٣/ ٧٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب» ٢٧ - بَابُ الأَمْرِ بِالْوِتْرِ قال ابن منظور -﵀-: الوِتْر -بالكسر- والوَتْر -بالفتح-: الفرد، أو ما لم يتشفّع من العدد، وأوتره: أفَذّه، قال اللِّحْيانيّ: أهل الحجاز يُسمّون الفرد الوَتْر، وأهل نجد يكسرون الواو، وهي صلاة الوِتْر، والوَتْرِ لأهل الحجاز، ويقرءون: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، والكسر لتميم، وأهلِ نجد يقرءون ﴿وَاَلشَّفعِ وَالوَتْرِ﴾ وأوتر: صلّى الوتر، وقال اللِّحْيانيّ: أوتر في الصلاة فعدّاه بـ «في»، وقرأ حمزة، والكسائيّ: ﴿وَالوَتْرِ﴾ بالكسر، وقرأ عاصم، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ﴿وَالوَتْرِ﴾ بالفتح، وهما لغتان معروفتان. انتهى. . [فائدة]: قال ابن التين -﵀-: اختُلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النيّة فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابّة. وزاد الحافظ -﵀-: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسنّ ركعتان بعده، وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير ينبني على كونه مندوبًا، أو لا، وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوّع، أو الراتبُ أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ما ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن الأمر للاستحباب، حيث أتى بعد حديثِ «يا أهل القرآن أوتروا …» بقول علي - ﵁ -: «الوتر ليس بحتم …»، وهذا الذي ذهب إليه هو الحقّ -كما هو مذهب الجمهور- وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة من الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب ١٦٧٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، وَهُوَ ابْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- وِتْرٌ، يُحِبُّ الْوِتْرَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هنّاد بن السَّرِيّ) التيميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو بكر بن عيّاض) الأسديّ الكوفي المقرئ، مشهور بكيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: محمد، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: شعبة، وقيل: غير ذلك، ثقة عابد، كَبِرَ، فساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. ٣ - (أبو إسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد اللَّه الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] ٣٨/ ٤٢. ٤ - (عاصم بن ضمرة) السلُوليّ الكوفيّ، صدوق [٣] ٦٥/ ٨٧٤. ٥ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: أبي إسحاق، عن عاصم، وهو من رواية الأقران. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنة، وابن عمّ النبيّ - ﷺ -، وزوج ابنته - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَليِّ - ﵁ -) أنه (قَالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي صلى صلاة الوتر (ثمَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) يعني المؤمنين المصدّقين به، والمعتنين بحفظه وتلاوته. وقال القاري: أي أيها المؤمنون به، فإن الأهلية عامّة شاملة لمن آمن به، سواء قرأ، أو لم يقرأ، وإن كان الأكمل منهم من قرأ، وحَفِظَ، وعَلِم، وعمل، ممن تولّى قيام تلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه انتهى. وقال الخطابي في «المعالم» ج ١ ص ٢٨٥: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدلّ على أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبًا لكان عامّا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القرّاء، والحفّاظ، دون العوام، ويدلّ على ذلك أيضًا قوله للأعرابي: «ليس لك، ولا لأصحابك» انتهى. (أَوْتِرُوا) أمر بصلاة الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، أو يضيفها إلى ما قبلها من الركعات. كذا في «النهاية». وقال الطيبيّ: يريد بالوتر في هذا الحديث قيام الليل، فإن الوتر يُطلق عليه، كما يُفهم من الأحاديث، فلذا خصّ الخطاب بأهل القرآن انتهى. والأمر للندب، لا للوجوب بدليل قول علي - رضي اللَّه تعالى عنه - التالي: «الوتر ليس بحتم، كهيئة المكتوبة …» الحديث (فَإِن اللَّهَ -﷿-) الفاء للتعديل، أي لأنه تعالى (وِتْرٌ) قال الجزريّ: الوتر الفرد، وتكسر واوه، وتفتح، فاللَّه واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته، فلا شِبْه له، ولا مِثْل، واحد في أفعاله، فلا شريك له، ولا معين (يُحِبُّ الْوِتْرَ») فيه إثبات المحبة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأما تفسير من فسّره بأنه يُثيب عليه، ويَقبله، من عامله، -وهو تفسير باللازم- فإنه غير مرضيّ. قال القاضي: كل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحبّ إليه مما لم يكن له تلك المناسبة انتهى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: «في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٢٧/ ١٦٧٥ - وفي«الكبرى» ٤١/ ١٣٨٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) ٤٥٣ (ق) ١١٦٩ (أحمد) ١/ ١٠٠ و١٠٧ و١١٠ و١١٥ و١٢٠ (عبد بن حميد) ٧٠ (الدارميّ) ١٥٨٧ (ابن خزيمة) ١٠٦٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- وهو الأمر بصلاة الوتر، وسيأتي اختلاف العلماء، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟، في المسألة الرابعة من مسائل الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: تأكد الطلب بالوتر لحفظة كتاب اللَّه تعالى أشدّ من غيرهم، للعناية بالمحافظة- على كتاب اللَّه، والقيام به. ومنها: وصف اللَّه تعالى بأنه وتر، لكونه فردا في ذاته، وصفاته، وأفعاله. ومنها: محبة اللَّه تعالى لمن يصلي صلاة الوتر محبة خاصّة، وإن كان يحب المؤمنين عامة. ومنها: إثبات صفة المحبّة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٧٦ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ، كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ، سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) ابن عُليّة قاضي دمشق، ثقة حافظ [١١] ٢٢/ ٤٨٩. ٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه بصري، نزيل دمشق. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَليٍّ - ﵁ -) أنه (قَالَ: «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْم) أي واجب (كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ) أي كصفة الصلاة المفروضة، وهي كونها حتما لازمًا، لا تبرأ ذمّة المكلّف ما دام مكلّفًا إلا بأدائها، وهو ظاهر في عدم وجوب الوتر، كما هو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما يأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (وَلَكِنَّهُ) ولفظ »الكبرى« »ولكنها« بتأنيث الضمير، وإن كان عائدًا على »الوتر« باعتبار أنه صلاة (سُنَّةٌ، سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي طريقة شرعها رسول اللَّه - ﷺ - لأمته، بقوله: »أوتروا« .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث على - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٢٧/ ١٦٧٦ - بالإسناد المذكور، وفي «الكبرى»-٤١/ ١٣٨٥ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) ٤٥٤ (أحمد) ١/ ٨٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الوتر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: دلت الأخبار على أن فرائض الصلوات خمس، وسائرهنّ تطوّع، وهو قول عوامّ أهل العلم، غير النعمان، فإنه خالفهم، وزعم أن الوتر فرض، وهذا القول مع مخالفته للأخبار الثابتة عن النبيّ - ﷺ - خلاف ما عليه عوامّ أهل العلم، عالمهم، وجاهلهم، ولا نعلم أحدًا سبقه إلى ما قال، وخالفه أصحابه، فقالوا كقول سائر الناس. انتهى . وقال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي -رحمه اللَّه تعالى- في «كتاب الوتر»: افترض اللَّه على النبي - ﷺ -، وأمته أول ما افترض ليلة أُسري به خمس صلوات في اليوم والليلة، فأخبر النبيُّ - ﷺ - بذلك أمته، ثم لم يزل بعد هجرته، وقدومه المدينة، ونزول الفرائض عليه، فريضة بعد فريضة، من الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، يُخبر بمثل ذلك إلى أن توفّي- صلوات اللَّه، وسلامه عليه- وقَدِمتْ وفودُ العرب، بعد فتح مكة، ورجوعه إلى المدينة، وذلك في سنة تسع وعشر، من البادية، ونواحيها، يسألونه عن الفرائض، يخبرهم في كلّ ذلك أن عدد الصلوات المفترَضَات خمس، ووجّه معاذَ بنَ جبل إلى اليمن، وذلك قبل وفاته بقليل، فأمره أن يُخبرهم بأن فرض الصلوات خمس، ثم آخره ما خطب به بذلك في حجة الوداع ، فأخبرهم أن عدد الصلوات المفترَضات خمس، لا أكثر من ذلك، وفيها نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم لم ينزل بعد ذلك فريضة، ولا حرام، ولا حلال، فرجع رسول اللَّه - ﷺ -، فمات بعد رجوعه بأقلّ من ثلاثة أشهر، ثم أخبر أبو بكر - ﵁ - بذلك بعد وفاته، ثم أخبر علي بن أبي طالب - ﵁ - أن الوتر ليس بحتم، كالصلوات المكتوبة، ولكنه سنة، وغير جائز أن يكون مثل أبي بكر، وعلي - ﵄ - يجهلان فريضة صلاة من الصلوات المفروضات، وهما يحتاجان إليها في كلّ ليلة، حتى يجحدا فرضها، مَن ظنّ هذا بهما، فقد أساء الظنّ بهما. قال: وكان أبو حنيفة يوجب الوتر، قال الجامع: رجال هذا الإسناد ثقات، غير لقمان بن عامر الوصّابي، فإنه صدوق، وفرج بن فضالة، ضعّفوه في غير الشاميين، وهذا من أحاديث الشاميين، فالحديث حسن. واللَّه أعلم. وخالفه أصحابه في الوتر، فقالوا: هو سنة، وليس بفرض. انتهى كلام محمد بن نصر باختصار -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر، وابن نصر -رحمهما اللَّه تعالى- من كون الوتر سنة من السنن، وليس بواجب، هو الحقّ، كما هو مذهب جمهور أهل العلم --رحمهم اللَّه تعالى--. والحاصل أن الوتر سنة مؤكّدة، وليس بواجب، لهذه الأدلة الواضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢٨ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ ١٦٧٧ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي شِمْرٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي - ﷺ -، بِثَلَاثٍ النَّوْمِ عَلَى وِتْرٍ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سُليمان بن سَلْم) البلخي المصاحفيّ، ثقة [١١] ١١٨/ ١٠٧٥. ٢ - (محمد بن علي بن الحسن بن شَقيق) المروزي، ثقة [١١] ٢٢/ ١٠٦. ٣ - (النضر بن شُميل) أبو الحسن النحويّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٨] ٤١/ ٤٥. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [٧] ٢٤/ ٢٦. ٥ - (أبو شِمْر) -بكسر أوله، وسكون الميم- الضُّبَعيّ البصريّ، مقبول [٤]. رَوَى عن عائذ بن عمرو، وأبي عثمان النَّهْديّ، وابن أبي مُليكة، وأرسل عن عبادة ابن الصامت. وعنه شعبة، والصَّلْت بن طَرِيف البصريّ. ذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال ابن المدينيّ: أبو شِمْر لم يرو عنه غير شُعبة. وفرق الحاكم أبو أحمد بين أبي شمر عن أبي عثمان النّهدي، وعنه شعبة، وبين أبي شمر روى عن ابن أبي مليكة، وعنه الصَّلْت- بن طَرِيف. وقال الطبراني: هما واحد، كذا قال. روى لي مسلم، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أبو عثمان) النهديّ عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقة ثبت عابد مخضرم، من كبار [٢] ١١/ ٦٤١. ٧ - (أبو هريرة) الدوسيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بلخيّ، والثاني مروزي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أبَيِ هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قالَ: أوصَانِي) أي عَهد إليّ، وأمرني أمرًا مؤكّدًا (خَلِيلي - ﷺ -) يعني رسولَ اللَّه - ﷺ -، والخليلُ: الصَّدِيق الخالص الذي تخلّلت محبّته القلبَ، فصارت في خلاله، أي في باطنه، واختُلف هل الخُلّة أرفع من المحبّة، أو بالعكس، وقول أبي هريرة هذا لا يعارضه قوله - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر …» لأن الممتنع هو أن يتخذ النبي - ﷺ - غيره تعالى خليلًا، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبي - ﷺ - خليلًا. ولا يقال: إن المخاللة لا تتمّ حتى تكون من الجانبين، لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين، فأطلق ذلك، أو لعلّه أراد مجرّد الصحبة، أو المحبّة (بِثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، زاد في رواية البخاري: «لا أدعهنّ حتى أموت»، قال في «الفتح»: يحتمل أن يكون قوله: (لا أدعهنّ) الخ من جملة الوصية، أي أوصاني أن لا أدعهنّ، ويحتمل أن يكون من إخبار الصحابي بذلك عن نفسه. ولفظ أبي داود: «لا أدعهنّ في سفر، ولا حضر» (النَّوْمِ عَلَى وِتْرٍ) بجر «النوم» على أنه بدل تفصيل من «ثلاث»، أو نصبه على أنه مفعول لمحذوف، أي أعني. ومعنى «النوم على وتر» أن يصلي الوتر قبل أن ينام، لا أنه لا بدّ من نوم بعده، وفي رواية: «وأن أوتر قبل أن أنام»- ولعله أوصاه بذلك لأنه خاف عليه الفوت بالنوم، ففيه أن من خاف فوات الوتر، فالأفضل له التقديم، وأما من لا يخاف منه، فالتأخير في حقّه أفضل. قال الحافظ -﵀-: لا معارضة بين وصيّة أبي هريرة بالوتر قبل النوم، وبين قول عائشة: «وانتهى وتره إلى السحر»، لأن الأول لإرادة الاحتياط، والآخر لمن علم من نفسه قوّة، كما ورد في حديث جابر - ﵁ - عند مسلم. انتهى. (وَصِيَامِ ثَلَاَثةِ أَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرِ) أي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، يعني الأيام البيض، هذا هو الظاهر، كما قاله في «الفتح». وقيل: يوما من أوله، ويومًا من وسطه، ويومًا من آخره، وقيل: يوما من أول كلّ عشر. وإعراب «صيام» كسابقه (وَرَكْعَتَي الضُّحَى) زاد أحمد فى روايته: «كلّ يوم». وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: لعله ذكر الأقلّ الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي - ﷺ - على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلّة القول والفعل، لكن ما واظب النبي - ﷺ - على فعله مرجَّحٌ على ما لم يواظب عليه . ومن فوائد ركعتي الضحى أنهما يجزئان عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كلّ يوم، وهي ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذرّ - ﵁ -، وقال فيه: «ويجزىء عن ذلك ركعتا الضحى». [تنبيه]: حكى الحافظ أبو الفضل العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح الترمذيّ» أنه اشتهر بين العوامّ أن من صلّى الضحى، ثم قطعها يَعْمَى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوامّ، ليَحْرِمهم الخيرَ الكثيرَ، لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرّ - ﵁ - انتهى . [تنبيه آخر]: هذه الوصيّة لأبي هريرة - ﵁ - ورد مثلها لأبي الدرداء - ﵁ -، فيما رواه مسلم، ولأبي ذرّ - ﵁ - فيما رواه النسائي. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة، والصيام، ليدخل في الواجب منها بانشراح، ولينجبر ما لعلّه يقع فيه من نقص. قال: واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة، لأن الصلاة، والصيام أشرف العبادات البدنيّة، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال، وخُصّت الصلاة بشيئين لأنها تقع ليلًا ونهارًا، بخلاف الصيام. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له: أخرجه هنا-٢٨/ ١٦٧٧ - وفي «الكبرى» ٤٢/ ١٣٩٦ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦٧٨ - و«الكبرى» ١٣٩٧ - عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عباس الْجُرَيريّ، عن أبي عثمان به. وفي «الكبرى» أيضًا عن بشر بن هلال الصّوّاف البصريّ، عن عبد الوارث، عن أبي التّيّاح، عن أبي عثمان به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٧٣ و٣/ ٥٣ (م) ٢/ ١٥٨ (أحمد) ٢/ ٤٥٩ (الدارمي) ١٤٦٢ و١٧٥٣ (ابن خزيمة) ٢١٢٣ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على صلاة الوتر قبل النوم، وهذا في حقّ من يغلبه النوم آخر الليل، وإلا فالآخر أفضل. ومنها: ما قاله ابن أبي جمرة -﵀-: في إفراده بهذه الوصية إشارةً إلى أن القدر الموصى به هو اللائق بحاله. ومنها: أن في قوله: «خليلي» إشارة إلى موافقته في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا؛ لأن أبا هريرة صبر على الجوع في ملازمته للنبي - ﷺ -، كما ثبت في «صحيح البخاري» عنه، أنه قال: «أمّا إخواني من المهاجرين، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول اللَّه - ﷺ - بملء بطني … الحديث، فشابه حالَ النبي - ﷺ - في إيثاره الفقر على الغنى، والعبوديّة على الملك. ومنها: أنه يؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدّث بالنعمة، والشكر للَّه تعالى، لا على وجه المباهاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم هل الوتر أول الليل أفضل، أم آخره؟: أخرج مسلم -﵀- في «صحيحه» عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من خاف أن لا يقوم، من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل»، وقال أبو معاوية: «محضورة». وأخرج ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه» عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر: «متى توتر؟» قال: أُوتِر، ثم أَنَام، قال: «بالحزم أخذت»، وسأل عمر، فقال: «متى توتر؟»، قال: أنام، ثم أقوم من الليل، فأُوتر، قال. «فِعْلِي فَعَلْتَ»، وفي رواية: «بفعل القويّ فعلتَ». قال الإمام ابن المنذر -﵀- بعد أن أخرج الحديثين: ما نصّه: فدلّ قوله: «وذلك أفضل» على أن الوتر في آخر الليل أفضل. وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان أبو بكر الصدّيق - ﵁ - يوتر أول الليل، وكان عثمان بن عفّان - ﵁ - ينام قبل أن يوتر، ورُوي معنى ذلك عن رافع بن خَدِيج - ﵁ -، وفعل ذلك عائذ بن عمرو - ﵁ - لمّا أسنّ، وروينا عن عمر بن الخطّاب - ﵁ - أنه قال: الأكياس الذين إذا علموا أنهم لا يقومون أوتروا من قبل أن يناموا، وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل، وهو أفضل. قال: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه لما نظر إلى تباشير الفجر، قال: نعم ساعة الوتر هذه، وكان عائذ بن عمرو يوتر آخر الليل، فلما أسنّ أوتر، ثم نام، وكان عبد اللَّه ابن مسعود يوتر آخر الليل، وممن استحبّ الوتر آخر الليل النخعيّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. قال: ويشبه أن يكون من حجة من رأى أن الوتر أول الليل أفضل حديث أبي هريرة - ﵁ -: «ثلاث أوصاني بهنّ، أن أنام على وتر»، فلما قال النبي - ﷺ - «من طَمِعَ في أن يستيقظ من آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل»، دلّ على أن قول أبي هريرة - ﵁ -: «ثلاث أوصاني بهنّ: الوتر قبل النوم»، إنما هنّ على معنى الحَذَرِ، والوثيقة، تخوّفًا أن لا يستيقظ، فيوترَ آخر الليل. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الأفضل لمن يشق بالانتباه آخر الليل فالأفضل أن يؤخّر الوتر إلى آخر الليل، ومن خاف أن لا يقوم فيه، فالأفضل له أن يوتر قبل النوم. والحاصل أن الأحاديث المطلقة، في الوصية بالوتر قبل النوم، كحديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور في الباب مقيدة بمخافة ذوات الوتر باستغراقه في النوم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. - (فتح) ج ٣ ص ١٦٢ - ١٦٣.

٢. - هكذا نسخة «الفتح» ابن معين، ولعل الصواب لما نقله يحيى بن سعيد، كما تقدّم قريبًا.

٣. - «فتح» ج٣ ص ١٦٢.

٤. أي روى ابن عبد البرّ.

٥. - هكذا النسخة، ولعل المعنى وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.

٦. - «الأوسط» ج ٥ ص ٢٣٥ - ٢٣٧.

٧. - يأتي برقم ٣٤/ ١٦٩١.

٨. - يأتي للمصنف ٣٠/ ١٦٨٢ بلفظ:«من صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وترًا، فإن رسول اللَّه - ﷺ - كان يفعل ذلك».

٩. - هكذا عزاه في«الفتح»إلى أبي داود، ولا أظنه أخرجه أبو داود، وإنما أخرجه أحمد في«مسنده»برقم-١١٠٠٢ - وأخرجه أيضًا بلفظ (من نام عن الوتر …« برقم ١٠٨٧ وأخرجه بنحوه الترمذي رقم ٤٦٥ وابن ماجه رقم ١١٨٨. فليُتنبّه.

١٠. - تقدم للمصنف برقم ٢/ ١٦٠١.

١١. - «فتح» ج ٣ ص ١٦٣.

١٢. هكذا قال في «تهذيب التهذيب» «في الصوم» ورمز للنسائي في «المجتبى»، وفيه نظر؛ لأنه ما أخرج له النسائي في «المجتبى» إلا حديث الباب، وهو في الصلاة، لا في الصوم، أما حديث الصوم فأخرجه في «الكبرى» جـ٢ ص ١٨٦: رقم (٢٩٧٦) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة - ﵂ -، قالت: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يصبح جنبًا من جماع، لا حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي».

١٣. -«لسان العرب» مادة وتر.

١٤. -«فتح» ج ٣ ص ١٦١.

١٥. - انظر «المرعاة» ج ٤ ص ٢٧٥ - ٢٧٦.

١٦. - «الأوسط» ج ٥ ص ١٦٧ - ١٦٨.

١٧. - قال محمد بن نصر: حدثنا علي بن حُجر، أخبرنا فَرَج بن فَضَالة، عن لقمان، عن أبي أمامة - ﵁ -، قال: خطبنا النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فقال: ألا لعلكم لا تروني بعد عامكم هذا، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول اللَّه، ما الذي تَعهَد إلينا؟ قال: «اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحُجوا بيتكم، وأدوا زكاتكم، طيّبة بها أنفسكم، تدخلوا الجنة». انتهى.

١٨. - «مختصر قيام الليل» للمقريزي ص ١١٥ - ١١٩.

١٩. - «فتح» ج ٣ ص ٣٧٥.

٢٠. - «فتح» ج ٣ ص ٣٧٥.

٢١. - المصدر المذكور.

٢٢. - هكذا عزاه إليه بعضهم، ولم أجده.

٢٣. - «الأوسط» ج ٥ ص ١٧١ - ١٧٤.