قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم الكلام على هذا الحديث في الذي قبله، وساقه هنا لبيان متابعة محمد بن عبيد لقاسم بن يزيد.
و«أحمد بن يحيى»: هو الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد، ثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤. و«محمد بن عبيد»: هو الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة [٩] ٤٨/ ١٧٣٥. و«عبد الملك بن أبي سليمان»: هو العَرْزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: «خالفهما» الخ يعني خالف قاسمًا، ومحمد بن عُبيد أبو نُعيم، فزاد ذَرّا بين زُبيد، وسعيد بن عبد الرحمن، كما بيّنه بقوله:
١٧٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ، قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثًا، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو نُعَيْمٍ أَثْبَتُ عِنْدَنَا، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَمِنْ قَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَثْبَتُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عِنْدَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثُمَّ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثُمَّ أَبُو نُعَيْمٍ، ثُمَّ الأَسْوَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ زُبَيْدٍ، فَقَالَ: يَمُدُّ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، وَيَرْفَعُ.
«محمد بن إسماعيل بن إبراهيم»: هو المعروف أبوه بابن عُلية، قاضي دمشق، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩. و«أبو نعيم»: هو الفضل بن دُكين الكوفيّ الثقة الثبت [٩] ١١/ ٥١٦. و«ذرّ» هو ابن عبد اللَّه الْمُرْهبيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١٩٥/ ٣١٢.
وقوله: «قال أبو عبد الرحمن» الخ غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا ترجيح رواية أبي نعيم بزيادة ذَرّ بين زُبيد، وسعيد بن عبد الرحمن على رواية محمد بن عُبيد، وقاسم بن يزيد بحذفه، ثم أشار إلى وجه الترجيح بأن أبا نعيم من أثبت أصحاب سفيان، بخلافهما.
ثم رتب أصحابه بقوله: وأثبت أصحاب سفيان عندنا الخ، فقدم يحيى بن سعيد القطان، ثم ابن المبارك، ثم وكيعًا، ثم عبدالرحمن بن مهديّ، ثم أبا نعيم، ثم الأسود، هكذا رتبهم.
والظاهر أنه أراد بالأسود الأسود بن عامر الملقّب بشاذان، أبا عبد الرحمن الشاميّ، نزيل بغداد، وثقه ابن المدينيّ، وابن حبّان، وقال ابن معين: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. توفّي سنة (٢٠٨).
وقوله: «في هذا الحديث»، وفي نسخة «في حديث الوتر». ظاهره أن الجارّ
والمجرور متعلق بـ «أثبت»، من قوله: «وأثبت أصحاب سفيان الخ»، كأنه يريد ترتيب روايات هؤلاء عن سفيان لحديث الوتر، لا في مطلق الروايات، ولعلّ المصنّف وجد روايات هؤلاء في الوتر، وإلا فلم أر من هؤلاء من روى عن سفيان حديث الوتر إلا بعضهم، فليُتأمل.
ويحتمل أن يتعلّق الجارّ والمجرور بـ «أثبتُ» من قوله: «أبو نعيم أثبت»، ويكون جملة قوله: «وأثبت أصحاب سفيان الخ» معترضة، وهذا أوضح في المعنى، وإن كان فيه بعدٌ في الظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد نُقل عن أئمة الحديث في ترتيب أصحاب سفيان خلاف ما ذكره المصنف، فقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في شرح «علل الترمذي» كلام الأئمة في ذلك، فقال:
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وسئل عن أصحاب الثوريّ، أيهم أثبت؟ قال: هم خمسة، يحيى بن سعيد، ووكيع بن الجرّاح، وعبد اللَّه بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهديّ، وأبو نعيم الفضل بن دُكين، فأما الفِرْيَابيّ، وأبو حُذيفة، وقبيصة، وعُبيد اللَّه، وأبو عاصم، وأبو أحمد الزبيريّ، وعبد الرزّاق، وطبقتهم، فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم، دون أولئك في الضبط والمعرفة.
وقال عثمان بن سعيد: سألت يحيى بن معين عن أصحاب سفيان، قلت: يحيى أحبّ إليك في سفيان، أو عبد الرحمن؟ قال: يحيى. قلت: فعبد الرحمن أحبّ إليك، أو وكيع؟ قال: وكيع، قلت: فوكيع أحبّ إليك، أو أبو نعيم؟ قال: وكيع، قلت: فالأشعجيّ؟ قال: صالح ثقة. قلت: فمعاوية بن هشام، قال: صالح، وليس بذاك.
قلت: فالزبيريّ؟ يعني أبا أحمد، قال: ليس به بأس. قلت: فأبو إسحاق الفزاريّ؟ قال: ثقة ثقة. قلت: فأبو داود الْحَفَريّ؟ قال: ثقة. قلت: فيحيى بن يمان؟ قال: أرجو أن يكون صدوقا. قلت: فكيف هو في حديثه؟ قال: ليس بالقويّ. قلت: فعُبيد اللَّه؟ قال: ثقة، ما أقربه من ابن اليمان. قلت: فقبيصة؟ قال: مثل عبيد اللَّه. قلت: فالفريابيّ؟ قال: مثلهم. قلت: فعبد الرزّاق، عن سفيان؟ قال: مثلهم. قلت: فأبو حُذيفة؟ قال: مثلهم. قلت: ما حال المؤمّل في سفيان؟ قال: هو ثقة. قلت: هو أحبّ إليك، أو عبيد اللَّه؟ فلم يفضّل أحدهما على الآخر. قلت: ابن المبارك أعجب إليك، أم وكيع؟ فلم يفضّل. قلت: يحيى بن آدم ما حاله في سفيان؟ قال: ثقة.
وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت عليّ ابن المدينيّ: من أوثق أصحاب الثوريّ؟ قال:
يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهديّ.
وذكر صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: عبد الرحمن بن مهديّ أقل سقطا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثًا من حديث سفيان، وكان عبدالرحمن يجيء بها على ألفاظها، قيل له: فأبو نعيم؟ قال: أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟.
وقال عبد اللَّه بن أحمد سمعت أبي يقول: خالف وكيع ابن مهديّ في نحو من ستين حديثًا من حديث سفيان، ثم سمعت أبي يقول بعد ذلك هي أكثر من ستين، وأكثر من ستين، وأكثر من ستين. قال: وكان عبد الرحمن بن مهديّ عند أبي أكثر إصابة من وكيع، يعني في حديث سفيان خاصّة. وقال حرب عن أحمد: ليس من أصحاب سفيان أعلى من يحيى، وقال: ما أثبت أبا نعيم وأكيسه، ولا نقدّمه على ابن مهديّ، قلت: لأحمد أيهما أثبت، يحيى بن سعيد، أو عبد الرحمن بن مهديّ؟ قال: كانا ثبتين، ولكن عبد الرحمن أعلم بعلم الثوريّ، قلت: أيهما أثبت: عبد الرحمن، أو أبو نعيم؟ قال: ما منهما إلا ثبت.
وقال ابن أبي حاتم: قيل لأبي: قال يحيى بن معين: وكيع أحبّ إليّ في سفيان من ابن مهديّ، فأيهما أحبّ إليك؟ قال: عبد الرحمن ثبت، ووكيع ثقة.
وهذا الكلام يدلّ على ترجيح عبد الرحمن عند أبي حاتم.
وقال إسحاق بن هانىء: قلت لأبي عبد اللَّه: أيما أثبت في سفيان الثوريّ، أبو نعيم، أو وكيع؟ قال: لا يقاس بوكيع، قلت: إخاله في الصلاح لا يقاس بوكيع، فأيّما أصح حديثا؟ فقال: أبو نعيم أصحّ حديثًا، ثم ابتدأ، فذكر الفريابيّ، فقال: ما رأيت أكثر خطأ في الثوريّ من الفريابيّ.
وقال العجليّ: قال لي بعض البغداديين: أخطا الفريابيّ في خمسين ومائة حديث من حديث سفيان. وضعف ابن معين قبيصة في سفيان، وقال في محمد بن عُبيد الطنافسيّ: هو كثير الخطأ عن سفيان الثوريّ، وأما أبو حذيفة، فضعّفه «جماعة في سفيان قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: قبيصة أثبت حديثًا في سفيان من أبي حذيفة، أبو حذيفة شبه لا شيء.
وقال الْجُوزَجانيّ: سمعت أحمد يقول: كان سفيان الذي يحدّث عنه أبو حذيفة ليس هو سفيان الثوريّ الذي يحدث عنه الناس.
قال العقيليّ: جاء عن سفيان بأحاديث بواطيل، لم يحدّث بها عن سفيان غيره. وقال ابن معين: أبو داود الحَفَريّ، والفريابيّ، وقبيصة، وأبو حذيفة حديثهم، بعضه