HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٨٤٦

أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللهِ بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ غُلِبْنَا عَلَيْكَ أَبَا الرَّبِيعِ فَصِحْنَ النِّسَاءُ وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ. قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللهِ: قَالَ: الْمَوْتُ قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص13
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٤ ص ١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد, موطأ مالك
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٨ ص٢٧٥
١٤ - النَّهْيُ عَنِ البُكَاءِ عَلَى الْمَيّتِ ١٨٤٦ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَالَ: «قَدْ غُلِبْنَا عَلَيْكَ أَبَا الرَّبِيعِ». فَصِحْنَ النِّسَاءُ، وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ، يُسَكِّتُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ»، قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ». قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فَإِنَّ اللَّهَ -﷿-، قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَيْهِ، عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟». قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ، سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُتْبَة بن عبد اللَّه بن عُتبة) أبو عبد اللَّه المروزيّ، صدوق [١٠] ٨١/ ٩٨. ٢ - (مالك) إمام دار الهجرة، تقدم قريبا. ٣ - (عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عتيك) وقيل: ابن جبر بن عَتيك، الأنصاريّ المدنيّ، وقيل: إنهما اثنان، والصحيح أنه رجل واحد، وقع الخلاف في اسم جدّه، ثقة [٤]. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت له: عبد اللَّه أحبّ إليك، أو موسى الجُهَنيّ؟ قال: عبد اللَّه أحبّ إليّ. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث، وتقدّمت ترجمته في ٥٩/ ٧٣. ٤ - (عَتِيك بن الحارث) بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، مقبول، ذكره ابن حبّان في «الثقات» [٤] انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (جابر بن عَتيك) بن قيس بن الأسود الأنصاريّ، يقال: إنه شهد بدرًا، ولم يثبت، وشهد ما بعدها. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعنه ابناه يوسف، وعبد الرحمن، وابن أخته عَتِيك بن الحارث بن عتيك. ذكر ابن عبد البرّ أنه شهد بدرًا، وكان معه راية بني معاوية عام الفتح. وقال ابن إسحاق: جابر بن عتيك، وقيل: جبر بن عتيك شهد بدرًا، وكذا قال موسى بن عُقبة، وأبو معشر الطبريّ، وغيرهم. توفي سنة (٦١) وهو ابن (٩١) سنة. رَوَى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه وله عند المصنف حديثان فقط: هذا، و٢٥٥٨ حديث: «إن من الغيرة ما يحب اللَّه …». واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -﵀-. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن جده، وتابعي، عن تابعيّ. ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، فليس له إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، وحديث: «إن من الغيرة ما يحب اللَّه …» الحديث عند المصنف، وأبي داود، وحديث: «سيأتيكم ركب مبغضون …» الحديث عند أبي داود فقط. راجع «تحفة الأشراف». جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ اللَّهِ) بالتكبير فيهما، وهذا مما توافق فيه الاسم واسم الأب (ابْن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ) بفتح المهملة، وكسر الفوقانيّة، آخره كاف الأنصاريّ المدنيّ (أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُو) أي عتيك (جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ) الراوي عنه (أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيك) - ﵁ - (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ) ولفظ «الموطإ» «أن رسول اللَّه» (- ﷺ - جَاءَ يَعُودُ عَبدَ اللَّهِ بنَ ثَابِتِ) بن قيس الأنصاريّ الأوسي، ويقال: إنه ظَفَريّ، مات في العهد النبويّ، وقال الواقديّ، وابن الكلبيّ: هو عبد اللَّه بن عبد اللَّه، له، ولأبيه صحبة، قال الكلبيّ: كفّنه - ﷺ -، في قميصه، وعاش الأب إلى خلافة عمر - ﵁ -، وكانا جميعًا شهدا أحدًا، وكذا قال الطبريّ، وابن السكنِ، وآخرون، وقال بعضهم: إنه أخو خُزيمة بن ثابت. كذا في «الإصابة» (فوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، أي غَلَبه الوجع، وشدّته حتى منعه من إجابة النبي - ﷺ - (فَصَاحَ بِهِ) أي ناداه رافعا صوته حتى يسمعه (فَلَمْ يُجِبْهُ) لغلبة المرض عليه (فَاستَرجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي قال: «إنا للَّه، وإنا إليه راجعون»، عملًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، (وَقَالَ) - ﷺ - («قَد غُلِبْنَا عَلَيكَ) قال الباجي: يحتمل أنه أراد التصريح بمعنى استرجاعه، وتأسّفه. وقال السنديّ -﵀-: أي تقديره تعالى غالب علينا في موتك، وإلا فحياتك محبوبة لدينا لجميل سعيك فى الإسلام والخير انتهى («أَبَا الرَّبِيع») بحذف حرف النداء، أي يا أبا الربيع، وهو كنية عبد اللَّه بن ثابث - ﵁ - (فَصِحْنَ النِّسَاءُ) بكسر الصاد المهملة، أي صَرَخْنَ، يقال: صاح بالشيء يَصِيح به صَيْحَةً، وصِيَاحًا: صَرَخَ. قاله في«المصباح». وفي نسخة:«فصحن النسوة». وفيه إلحاق نون النسوة مع إسناد الفعل للظاهر، وهو لغة«أكلوني البراغيث»، ولغة الأكثرين«فصاح النساء»، وإلى هذا أشار في«الخلاصة» حيث قال: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعِ كَفَازَ الشُّهَدَا وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ (وَبَكَيْنَ، فَجَعَل) أي شَرَعَ (ابْنُ عَتِيكِ) وهو جابر المتقدّم (يُسَكِّتُهُنَّ) أي يأمرهنّ بالسكوت، لكونه سمع النهي عن البكاء، فحمله على عمومه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: دَعْهُنَّ) أي اتركهنّ يبكين حتى يموت (فَإِذَا وَجَبَ) أي مات، فيه أن النهي عن البكاء يكون بعد الموت، لا في قربه، وفي نسخة: «فإذا وجبت»، فيكون الضمير للمصيبة: أي نزلت المصيبة (فَلَا تبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ) أي امرأة باكية، وخصّ المرأة لغلبة البكاء عليها، أو المراد نفس باكية، فيعمّ الرجال أيضًا، أي لا ترفع صوتها بالبكاء، أما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحة ذلك في كلّ وقت، وعليه جماعة العلماء، كما قاله الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-. وقال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أشار به -واللَّه أعلم- إلى بكاء مخصوص، وهو ما جَرَت به العادة، من الصِّيَاح، والدعاء بالويل والثبور، وفي الحديث: «إن اللَّه لا يُعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذّب بهذا، أو يرحم، وأشار إلى لسانه» انتهى (قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي ما المراد بالوجوب في قولك: «وجب»؟ (قَالَ) - ﷺ - («الْمَوْتُ») ولفظ «الموطإ»: قال: «إذا مات»، قال الحافظ أبو عمر -﵀-: فأظنّ ذلك -واللَّه أعلم- مأخوذا من وجب الحائط: إذا سقط، وانهدم انتهى (قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو) إن مخفّفة من الثقيلة، أي إني كنت، واللام هي الفارقة بين «إن» المخففة، والشرطية، كما قال في «الخلاصة»: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ (أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، قد كُنْتَ قَضَيْتَ) أي أتممت. ولفظ «الموطإ»: «فإنك كنت قضيت»، وهو في قوة التعليل، أي لأنك كنت قضيت، والخطاب لأبيها (جَهَازَكَ) بفتح الجيم وقد تُكسر: أي ما تحتاج إليه في سفرك للغزو. وقال الفيّومي -﵀-: جَهَازُ السفر: أُهْبَته، وما يُحتاج إليه في قطع المسافة بالفتح، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الآية [يوسف: ٧٠]، والكسر لغة قليلة، وجَهَاز العَرُوس باللغتين أيضًا انتهى. وقال السنديّ: والمراد تمّمت جهاز آخرتك، وهو العمل الصالح بالموت انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -﵀- فيه بعد، بل الأقرب أن المراد جهاز الغزو، أي إنك تأهبت للغزو في سبيل اللَّه تعالى، ولمن سبقك الموت. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فَإِن اللَّهَ -﷿-، قَد أَوْقَعَ أَجْرَهُ) أي أثبت، وأوجب بمقتضى وعده الذي لا يُخلفه، حيث وعد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [التوبة: ٧٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]، (عَلَيْهِ) أي على عمله، فهو متعلّق بـ»أجره«، أو على ذاته، فهو متعلّق بـ»أوقع«(عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ) أي مقدار العمل الذي نواه، فالنيّة بمعنى المنويّ، ويحتمل أن له من الأجر بقدر ما يجب لنيته، وهذا أظهر من جهة اللفظ، والأول أظهر من جهة المعنى، لأن القصد أن يُخبِر أن ما نواه لم يفته، ولو لم يكن له من الأجر إلا بقدر النيّة لَمَا كان لابنته في ذلك راحة. قاله الباجي . (وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟)«ما»استفهامية، أي كم تعدّون أسباب الشهادة؟ (قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيل اللَّهِ -﷿-، قَالَ) وفي«الموطإ» «فقال»(رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) زاد ابن ماجه من حديث أبَي هريرة، ومن وجه آخر من حديث جابر بن عَتيك نفسِهِ:«إن شهداء أمتي إذن لقليل» (الشَّهَادَةُ سَبْعٌ) اختُلف في سبب تسمية الشهيد شهيدًا، فقال النضر بن شُميل: لأنه حيّ، فكأن أرواحهم شاهدة، أي حاضرة. وقال ابن الأنباريّ: لأن اللَّه وملائكته يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه يَشهد عند خروج روحه ما أُعِدّ له من الكرامة. وقيل: لأنه يُشهَد له بالأمان من النار. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا. وقيل: لأنه لا يشهده عند الموت إلا ملائكة الرحمة. وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل. وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة. وقيل: لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع. وقيل: لأن اللَّه يشهد له بحسن نيته وإخلاصه. وقيل: لأنه يُشاهد الملائكة عند احتضاره. وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا، ودار الآخرة. وقيل. لأنه مشهود له بالأمان من النار. وقيل. لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا. قال الحافظ: وبعض هذه يختصّ بمن قُتل في سبيل اللَّه، وبعضها يعمّ غيره، وبعضها قد يُنازع فيه. انتهى. (سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-) وقد ثبت في «صحيح البخاريّ» وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «الشهداء خمسة …» فقيل: نسي بعض رواتها باقي السبع. قال الحافظ -﵀-. وهو بعيد، لكن يقرّبه أن مسلما روى من حديث أبي هريرة شاهدًا لحديث جابر بن عتيك هذا، وزاد فيه، ونقص، فمن زيادته: «ومن مات في سبيل اللَّه فهو شهيد»، والذي يظهر أنه - ﷺ - أُعلِم بالأقلّ، ثم علم زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك. وقد اجتمع لنا من الطرق الجيّدة أكثر من عشرين خصلة، وتبلغ بطرق فيها ضعف أزيد من ذلك انتهى كلام الحافظ بتصرّف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ألف الحافظ جلال الدين السيوطي -﵀- تعالى رسالةً سماها «أبواب السعادة في أسباب الشهادة» جَمَعَ فيها ما ورد من الأحاديث في أسباب الشهادة، وقد نظمتها في أرجوزة سميتها «إتحاف أهل السعادة بمعرفة أسباب الشهادة»، وهاك نصّها: يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ … مُحَمَّدٌ مُسْتَمْنِحًا غُفْرَانَهُ حَمْدًا لِمَنْ قَدْ مَنَحَ الشَّهَادَهْ … لِمِنْ يَشَاءُ مِنْ ذَوِي السَّعَادَهْ ثم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَرمَدَا … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفى مُحَمَّدَا وَآلِهِ وَصَحبِهِ الْكِرَام … وَالتَّابِعِينَ سُبُلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ فهَذِهِ إِفَادَهْ … لِمَنْ أَرَادَ طُرُقَ الشَّهَادَهْ نَظَمْتُهَا مِمَّا السُّيُوطِي جَمَعَهْ … لِيَسْهُلَ الْحِفْظُ لِمَنْ لَهُ سَعَهْ سَمَّيْتُهَا إِتْحَافَ ذِي السَّعَادَهْ … بِذِكْرِ مَا يُوصِلُ لِلَّشَّهَادَهْ وَأَسْاَلُ اللَّهَ الْقَبُولَ وَالرِّضَى … وَالْخَتْمَ بِالْحُسْنَى إِذَا الْعُمْرُ انْقَضَى مِنْهَا الشَّهَادَةُ لِمَبْطُونِ تُرَى … وَالتَّاجِرِ الصَّدُوقِ نِعْمَ مَتْجَرًا وَالْحَرْقُ وَالْحُمَّى وَذَا قَدْ ضُعِّفَا … وَمَنْ مِنَ المَرْكُوبِ صَرْعُهُ وَفَا وَمَنْ دَعَا بِدَعوَةٍ لِيُونُسِ … عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَدَّ النَّفَسِ وَرجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامِ … ذِي الْجَوْرِ آمِرًا بِأمْرٍ سَامِي وَالسِّلُّ وَالشَّرِيقُ وَالشَّهِيدُ … أيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نِعْمَ الْعِيدُ صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنبِ أَوْذو الْهَدْمِ … وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ خُذْ بِالْفَهْمِ كَذَا الْغَرِيبُ وَالْحَدِيثُ ضُعِّفَا … وَلِلْغَرِيقِ ثَابِتٌ فَلْتَعْرِفَا وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ ذَالَهُ … أَكْرِمْ بِشَأْنِهِ وَفَضْلٍ نَالَهُ كَذَلِكَ الْمَلْدُوغُ وَالْمُؤَدِّي … زَكَاتَهُ عَن طِيبِ نَفْسٍ تُهْدِي وَمَن تَرَدَّى مِنْ جِبَالِ أَوْعَدَا … عَلَيْهِ سَبْعٌ فَرَمَاهُ بِالرَّدَى وَمَنْ إِلَى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ … قَدْ جَلَبَ الطَّعَامَ لامْتِيَارِ وَمَنْ لَهُ السُّلْطَانُ ظُلمًا حَبَسَا … أَوْمَاتَ بِالضَّرْبِ فَمَا بِهِ أَسًى وَمَنْ بِصِدْقٍ طَلَبَ الشَّهَادَهْ … يُعْطَى وَإنْ يَمُتْ عَلَى الْوِسَادَهْ كَذَاكَ مَنْ سَعَى عَلَى الْعِيَالِ … بِسَنَدٍ وَاهِ فَلَا تُبَالِي وَامْرَأَةٌ غَيْرَى صَبُورٌ إنْ وفَتْ … فَإِنَّهَا أَجْرَ الشَّهِيدِ وُعِدَتْ وَامْرَأَةٌ مَاتَتْ بِجُمعٍ أَيْ وَلَدْ … فِي بَطْنِهَا وَقِيلَ بِكْرٌ خُذْ تُفَدْ كَذَاكَ مَنْ صَلَّى الضُّحَى وَصَامَا … ثَلَاَثةً وَالوِتْرَ قَدْ أَدَامَا كَذَاكَ مَنْ عَاشَ مُدارِيًا وَلَمْ … أَعْرِفْ حَدِيثَهُ بِصِحَّةِ تُؤَمُّ وَمَنْ يَمُتْ بِعِشْقِهِ إِذَا كَتمْ … وَعَفَّ وَالْحَدِيثُ بِالضَّعْفِ اتَّسَمْ وَمَنْ يَقُلْ كُلَ صَبَاحِ وَمَسَا … «أَعُوذُ بِاللَّهِ السميع» ذَا ائْتِسَا مَعَ قِرَاءةِ انْتِهَاءِ الْحَشْرِ … فَإِنَّ ذَا لَهُ تَمَامُ الأَجْرِ كذَاكَ مَا أَخْرَجَ الأَصْبَهَانِي … إِنْ صَحَّ فَاحْفَظْهُ بِلَا تَوَانِ وَمَنْ يَقُلْ بَارِكْ لِيَ الْمَوْتَ وَمَا … بَعْدَهُ عِشْرِينَ مَعَ الْخَمْسِ نَمَا فَمَاتَ فِي الفِرَاشِ لَكِنِ الْخَبَرْ … مَا صَحَّ فِي هَذَا فَلَا تُلْقِ النَّظَرْ كذَاكَ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِي مِائَهْ … وَفِيهِ مَجْهُولٌ فَكُنْ خَيْرَ الْفِئَهْ كَذَاكَ مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ … أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينهِ أَوْ مَالِهِ أَو دُونَ مَظْلِمَتِهِ أَو لَدَغَتْ … أَفْعَى وَلَكِنِ الْحَدِيثُ مَا ثَبَتْ وَمَن تَلَا الْحَشْرَ لَدَى الْمَنَامِ … وَمَاتَ وَالْمَلْدوغُ مِن هَوَامِ وَمَن عَلَى فِرَاشِهِ قَد مَاتَ فِي … حَالَةِ غَزْوِهِ يَنعَمَ الْمُقْتَفي وَمَنْ يَمُتْ بِمَرَض وَعُلِّلَا … حَدِيثُهُ أَوْ فِيهِ تَصْحيفٌ جَلَا مِن قَولِهِ مُرَابِطًا وَإِنْ يَمَتْ … فِي طَلَبِ الْعِلمِ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ وَمَوتُ جُمْعَةٍ إِذَا صَحَّ كَذَا … مَوْقُوصُ مَرْكُوبٍ إِذَا مَاتَ بِذَا مَوْتُ الْمُسَافِرِ وَمَائِدٌ لَدَى … بَحْرٍ مَعَ الْقَيءِ فَخُذْ نِلْتَ الْهُدَى وَالْمُتَمَسكُ بِسُنَّةِ الْهُدَى … عِندَ فَسَادِ النَّاسِ نِعْمَ الْمُقْتَدَى وَحَامِلٌ لِلْوَضْعِ وَالْفِصَالِ … فَكَا الْمُرَابِطِ لِحُسْنِ الْحَالِ وَمَنْ يَمُتْ مُرَابِطًا مُؤَذِّنُ … مُحْتَسِبٌ لَكِنَّ ذَا مُوَهَّنُ وَالنُّفَسَاءُ ذَا لَهَا قَدْ وَرَدَا … وَنَسْأَلُ الإِلَهَ حَظَّ الشُّهَدَا وَيَجْعَلَ الْفِردَوْسَ أَعْلَى الجَنَّهْ … مَنْزِلَنَا فَضْلًا لَهُ وَمِنَّهْ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَعَالَى وَحْدَهُ … يُولِي الشَّهَادَةَ بِيُسْرٍ عَبْدَهُ ثُمَّ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أَبَدَا … عَلَى رَسُولِ اللَّهِ خَيْرِ الشُّهَدَا وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَكَارِمِ … أَهْلِ التُّقَى والْفَضْلِ وَالْمَرَاحِمِ مَا اشْتَاقَ مُؤمِنٌ إِلَى الْجِهَادِ … وَفَازَ بِالْفِردَوْسِ بِاسْتِشْهَادِ أَبْيَاتُهَا خَمْسُونَ يَارَبِّ انْفَعَا … بِهَا جَمِيعَ الْمُقْبِلِينَ الرُّفَعَا وَاختِمْ لَنَا بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَهْ … وَاكْتُبْ لَنَا الْحُسْنَى مَعَ الزِّيَادَهْ [تنبيه]: قال ابن التين -﵀-: هذه كلّها مِيتَاتٌ ، فيها شدّةٌ، تفضّل اللَّهُ على أمة محمد - ﷺ - بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلّغهم بها مراتب الشهداء. وقال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواءً، ويدلّ عليه ما روى أحمد، وابن حبّان في «صحيحه» من حديث جابر، والدارميّ، وأحمد، والطحاويّ من حديث عبد اللَّه بن حُبْشيّ، وابن ماجه من حديث عمرو بن عَبَسَةَ: «أن النبي - ﷺ - سُئل أيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده، وأُهريق دمه». ورَوَى الحسن ابن عليّ الحلوانيّ في «كتاب المعرفة» له بإسناد حسن، من حديث علي بن أبي طالب، قال: «كلّ موتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل» . قال: ويتحصّل مما ذُكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وهو من يُقتل في حرب الكفار مقبلًا، غير مدبر، مخلصًا، وشهيد الآخرة، وهو من ذُكر، بمعنى أنهم يُعطَون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. وفي حديث العرباض بن سارية - ﵁ - عند أحمد، والنسائيّ، قال: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: «يختصم الشهداء، والْمُتَوَفَّون على فرشهم، إلى اللَّه -﷿-، في الذين ماتوا من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قُتلوا، ويقول المتوفَّون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقضي اللَّه -﷿- بينهم، أن انظروا إلى جراحات المُطَّعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون إلى جراح المطَّعَنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم». هذا لفظ أحمد، وله من حديث عُتبة بن عبد نحوه. وإذا تقرر ذلك، فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل اللَّه مجازًا، فيَحتجّ به من يُجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يُجيب بأنه من عموم المجاز، وقد يطلق الشهيد على من قُتل في حرب الكفّار، لكن لا يكون ذلك في حكم الآخرة، لعارض يمنعه، كالانهزام، وفساد النيّة. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ بتصرّف . (الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ) أي الذي قتله الطاعون، وقد جاء مفسَّرًا فيما أخرجه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في «مسنده»، من طريق شعبة، عن زياد بن عِلاقة، قال: حدثني رجل من قومي، قال شعبة: قد كنت أحفظ اسمه، قال: كنا على باب عثمان - ﵁ -، ننتظر الإذن عليه، فسمعتُ أبا موسى الأشعري، يقول: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «فناء أمتي بالطعن، والطاعون»، قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «طعن أعدائكم من الجن، وفي كلٍّ شهادة». قال زياد: فلم أرض بقوله، فسألت سيد الحي، وكان معهم، فقال: صدق، حدثناه أبو موسى . وأخرج أيضًا من طريق أبي بكر النَّهْشَلي، قال: ثنا زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة، من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى، فإذا هو يحدث، عن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: «اللَّهم اجعل فناء أمتي في الطاعون …» فذكره. وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن فناء أمتي بالطعن، والطاعون»، قال: أما الطعن، فقد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: «غُدَّةٌ كغدّة البعير، تخرج في المرَاقّ، والآباط، من مات منه مات شهيدًا». أخرجه أحمد، والطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الطبّ». (وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ) اسم مفعول، من بُطِنَ بالبناء للمفعول: أي عليل البطن. وقال ابن الأثير -﵀-: هو الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه وفى «كتاب الجنائز» لأبي بكر المروزيّ، عن شيخه شُريح أنه صاحب القولنج انتهى (وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء: الذي يموت غريقًا في الماء (وَصَاحِبُ الْهَدَمِ شَهِيدٌ) «الهدم» بالتحريك: ما تهدّم من جوانب البئر، فسقط فيها. قاله في «ق»، وفي «المصباح»: «الهدم» بفتحتين: ما تهدّم، فسقط انتهى. والمراد هنا الذي يموت بسبب انهدام البيت ونحوه عليه (وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ) هو مرض معروف، وهو وَرَم حارّ، يَعرِض في الغشاء المستبطن للأضلاع، ويقال: هو الشَّوصَة وفي «النهاية»: «ذات الجنب»: هي الدُّبَيلَة ، والدُّمّلة الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنْب، وتنفجر إلى داخل، وقلّما يَسلَم صاحبها، و«ذو الجَنْب»: الذي يشتكي جَنْبه بسبب الدُّبَيلة، إلا أن «ذو» للمذكّر، و«ذات» للمؤنّث، وصارت «ذات الجنب» علما لها، وإن كانت في الأصل صفةً مضافةً انتهى (وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ) بالتحريك: النار، أو لَهَبُهَا. قاله في «ق». وفي «المصباح»: والحرق بفتحتين: اسم من إحراق النار، ويقال: النار بعينها انتهى. والمعنى هنا صاحب الاحتراق بالنار (وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعِ شَهِيدَةٌ«) بضم الجيم، وتفتح، وتكسر، وسكون الميم: المرأة التي ماتت في النفاس، وولدها في بطنها، لم تلده، وقد تَمّ خلقه، وقيل: هي التي تموت من الولادة، سواء ألقت ولدها، أم لا، وقيل: هي التي تموت عذراء، والأول أشهر وأكثر، وقيل: التي ماتت في مزدلفة، قال الحافظ: وهو خطأ ظاهر انتهى. وفي»ق«: وماتت بجمع مثلّثةٌ: عذراء، أو حاملًا، أو مُثْقَلَةً. وفي«النهاية»:«الجُمْع»بالضم بمعنى المجموع، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها، غيرِ منفصل عنها، من حمل، أو بكارة انتهى. وقال الحافظ أبو عمر -﵀-: وأما قوله:«المرأة تموت بجمع» ففيه قولان، لكل واحد منهما وجهان: أحدهما: هي المرأة تموت من الولادة، وولدها في بطنها، قد تمّ خلقه، وماتت من النفاس، وهو في بطنها، لم تلده، قال أبو عُبيد: الْجُمْع التي في بطنها ولدها، وقيل: إذا ماتت من الولادة، فسواء ماتت، وولدها في بطنها، أو ولدته، ثم ماتت بإثر ذلك. والقول الآخر: هي المرأة تموت عَذْرَاء، لم تنكح، ولم تفتضّ، وقيل: هي المرأة تموت، ولم تُطمَث، والمعنى واحد، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، أي لم يطأهنّ، والقول الأول أشهر وأكثر. واللَّه أعلم. انتهى باختصار . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عَتِيك - ﵁ - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٦ و٤٨/ ٣١٩٤ و٣١٩٥. وأخرجه (د) ٣١١١ (ق) ٢٨٠٣ (مالك في الموطإ) ٥٥٢ (أحمد) ٢٣٢٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٦)

١. - وفي نسخة: «ابن جبر».

٢. وفي نسخة: «جبر».

٣. - بفتح أوله، وكسر ثانيه، وآخره كاف.

٤. -«شرح السنديّ»ج ٤ ص ١٣.

٥. -«التمهيد»بتصرف ج ١٩ ص ٢٠٤.

٦. - راجع «شرح الزرقاني إلى الموطإ» ج ٢ ص ٧٢.

٧. - السلّ بكسر السين، والضم، وكغُرَاب؛ وتشديد اللام: قُرحة تحدث في الرئة، إما تُعقب ذات الرئة، أو ذات الجنب، أو زكام، ونَوازل، أو سعال طويل، وتلزمها الحمّى هادية اهـ «ق».

٨. -بكسر الميم الهيئة من الموت.

٩. - أورده الحافظ ابن عبد البرّ في «التمهيد»، فقال: وذكر الحلوانيّ في «كتاب المعرفة» قال: حدثنا أبو عليّ الحنفيّ، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعته يقول: قال عليّ بن أبي طالب: «من حبسه السلطان، وهو ظالم له، فمات في محبسه ذلك، فهو شهيد، ومن ضربه السلطان، ظالما له، فمات من ضربه ذلك، فهو شهيد، وكلّ ميتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل». انتهى «التمهيد» ج ١٩ ص ٢٠٩.

١٠. - راجع «الفتح» ج ٦ ص ٥٢ طبعة الريان.

١١. - حديث صحيح.

١٢. - انظر شرح الزرقاني على «الموطإ» ج ٢ ص ٧٢. وقال في «ق»: «القُولَنْجُ» وقد تُكسر لامه،، أو هو مكسور اللام، ويفتح القاف، ويضمّ: مرضٌ مِعَوِيٍّ مؤلمٌ، يعسُر معه خرجُ الثُّفْل والريح اهـ في مادة ق ل ن ج.

١٣. - «الشَّوْصة» بفتح، فسكون، وقد يضمّ أوله: وجعٌ في البطن، أو ريحٌ، تَعتَقب في الأضلاع، أو وَرَمٌ في حجابها من داخل، واختلاجُ العرق. اهـ «ق».

١٤. - الدُّبيلة كجُهَينة: داء في الجوف، كالدبلة بالضمّ والفتح. اهـ «ق».

١٥. - ج١ ص٣٠٣ - ٣٠٤.

١٦. -«التمهيد» ج ١٩ ص ٢٠٧ - ٢٠٨.