HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩١٠

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص32
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص٧٥
صراخهنّ عند حمله، ووضعه، وغير ذلك، من وجوه المفاسد انتهى ملخّصًا. قال الحافظ -﵀-: وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهنّ، ولكنه على غير شرط البخاريّ، ولعله أشار إليه، وهو ما أخرجه أبو يعلى من حديث أنس - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في جنازة، فرأى نسوة، فقال: «أتحملنه؟»، قلن: لا، قال: «أتدفِنّه؟» قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات، غير مأجورات«. وقد نقل النوويّ في«شرح المهذّب» أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدّم، ولأن الجنازة لا بدّ أن يشيّعها الرجال، فلو حملها النساء، لكان ذلك ذريعةً إلى اختلاطهنّ بالرجال، فيفضي إلى الفتنة انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ، عَنْ رِقَابِكُمْ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور المكيّ [٨] ١/ ١. ٢ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ المشهور الحجة المدنيّ [٤] ١/ ١. ٣ - (سعيد) بن المسيّب الإمام الفقيه العابد الحجة المشهور المدنيّ [٢] ٩/ ٩. والباقيان تقدّما في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رَأْسُ المكثرين من الرواية، وفيه سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) أي يرفع هذا الحديث، فيوصله إلى النبي - ﷺ -، والجملة في محل نصب على الحال، وهذه العبارة من صيغ الرفع حكمًا، وإنما لم يصرّح الراوي بصيغة، من الصيغ المستعملة للرفع، كـ«سمعت» و«حدثني»، ونحوهما، احتياطا، حيث شك فيها، هل هي «سمعت النبي - ﷺ -»، أو «قال النبي - ﷺ -»، أو «عن النبي - ﷺ -»، أو نحو ذلك، فأتى بصيغة تشمل جميع ذلك. واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: أخرج هذا الحديث الأئمة الستة من هذا الوجه، من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وفي روايتهم التصريح برفعه إلى النبي - ﷺ -، إلا أن في رواية أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ: «يبلغ به النبي - ﷺ -»، كما هو اللفظ الأخير هنا وقوله في اللفظ الأول هنا: «روايةً» كناية عن الرفع إلى النبي - ﷺ - بلا خلاف أعلمه انتهى . (قَالَ: «أَسْرِعُوا) أمر من الإسراع، والمرد به الإسراع المتوسط بين شدة السعي، وبين المشي المعتاد، بدليل حديث أبي بكرة - ﵁ - الآتي:»وإنا لنكاد نَرْمُلُ بالجنازة رملًا«، إذ مقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، كما قاله الحافظ العراقي -﵀- تعالى، وسيأتي أقوال أهل العلم في الإسراع بالمشي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (بِالْجَنَازَةِ) أي بحملها، متعلق بـ«أسرعوا». قال العلامة ابن الملقّن -﵀-: من قال: الجنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، كما قدّمنا أول الباب يتعيّن عنده هنا قراءة قوله:«أسرعوا بالجنازة» بالفتح، لأن المقصود الإسراع بالميت، لا النعش، ويدلّ على ذلك آخر الحديث انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن المناسب هنا الكسر، لأن الجِنَازة بالكسر اسم للنعش، وعليه الميت، كما هو القول الراجح من أقوال أهل اللغة، والمقصود هنا الإسراع بالنعش، وعليه الميت، إذ لا معنى للإسراع بحمل الميت إلا مع النعش، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت، كما قلناه، فيتضمّن الأمر بحمله إلى قبره، وهو فرض كفاية. وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته، لئلا يتغيّر، والأول أظهر، وعليه الجمهور. قال النوويّ: والثاني باطل، مردود بقوله - ﷺ -: «فشرّ تضعونه عن رقابكم». وقال القرطبيّ: لا يبعد أن يكون كلّ واحد منهما مطلوبا، إذ مقتضاه مطلق الإسراع، فإنه - ﷺ - لم يقيّده بقيد. وقال الفاكهيّ: ما ردّه النوويّ جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيحتمل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني، دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنبًا، أو نحو ذلك، ليكون المعنى في قوله - ﷺ -: «فشرّ تضعونه عن رقابكم»، إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من مجالسته، ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على ردّ قول هذا القائل، ويقوّي هذا الاحتمال أن كلّ حاضري الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيّما اليوم، فإنما يحمله في الغالب مَن لا تعلّق له به. انتهى . قال الحافظ -﵀-: ويؤيده -يعني كلام الفاكهيّ- حديث ابن عمر - ﵄ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره». أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح، مرفوعًا: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله …» الحديث. انتهى . وقال ابن قدامة -﵀-: هذا الأمر بالإسراع للاستحباب، بلا خلاف بين العلماء، وشذّ ابن حزم، فقال بوجوبه انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا وجه للردّ على ابن حزم -﵀ تَعَالَى-، لأن ظاهر النصّ معه، إذ هو أمر، والأمر للوجوب، إلا لدليل، ولا دليل ذكروه هنا، إلا دعوى الإجماع الذي أشار إليه، فإن صحّ فذاك، وإلا فما قاله ابن حزم هو الحقّ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنْ تَكُ) هو في الموضعين بحذف النون، والأصل «تكون»، فدخل الجازم، فأسكن النون، فاجتمع ساكنان، الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجَرِمْ … تُحْذَفُ نُون وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ واسم «كان» المستترة يعود إلى الجنازة بمعنى الجثّة المحمولة، قال الطيبيّ: جُعلت الجنازة عين الميت، وجُعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدّمة إلى الخير الذي كُني به عن عمله الصالح انتهى (صَالِحَةً) خبر «كان» (فَخَيْرٌ) الظاهر أن التنوين فيه، وفي «شرّ» للتعظيم، أي خير عظيم، وشرّ عظيم. قال العلامة ابن الملقّن -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «خير»، و«شرّ» فيه إعرابان: الأول: أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف، أي فلها خير، ولها شرّ، وساغ الابتداء بالنكرة، لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن مضى عَيْرٌ، فعَيْرٌ في الرباط. الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي المبتدإ، والتقدير: فهي، وهي، أي ذات خير، وذات شرّ. وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما «تقدّمونها»، و«تضعونها»، فصفة لهما انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فخير» خبر مبتدإ محذوف، أي فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف، أي فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم بلفظ: «قرّبتموها إلى الخير»، ويأتي في قوله بعدُ «فشرّ» نظير ذلك انتهى . وقال السنديّ: الظاهر أن التقدير: فهي خير، أي الجنازة بمعنى الميت، لمقابلته بقوله: «فشرّ»، فحينئذ لا بدّ من اعتبار الاستخدام في ضمير «إليه» الراجع إلى الخير، ويمكن أن يقدّر: فلها خير، أو فهناك خير، لكن لا يُساعده المقابلة، واللَّه تعالى أعلم انتهى . (تُقَدِّمُونَهَا) بتشديد الدال، والجملة في محلّ رفع صفة لـ«خير» (إِلَيْهِ) أي إلى الخير الذي أعدّه اللَّه لها من النعيم المقيم. وقال في «الفتح»: الضمير راجع إلى الخير، باعتبار الثواب، قال ابن مالك: روي: «تقدّمونه إليها» فأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة، أو الحسنى انتهى. وقال القاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي فإن كان حال ذلك الميت حسنًا طيّبًا، فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيّبة عن قريب انتهى (وَإِنْ تَكُ) أي الجنازة (غَيْرَ ذَلِكَ) أي غير صالحة (فَشَرٌّ) إعرابه كإعراب نظيره، وهو قوله: «فخير» (تَضَعُونَهُ، عَنْ رِقَابِكُمْ«) أي فلا مصلحة لكم في مصاحبتها، وملابستها، لأنها بعيدة عن -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. [تنبيه]: في هذا الحديث تعليل الأمر بالإسراع بتقديم الصالحة إلى الخير، والتعجيل بوضع غير الصالحة عن الرقاب، وقد أشير في حديث آخر إلى تعليل بعلة أخرى، وهي مخالفة أهل الكتاب، أو اليهود خاصّة: ففي«مسند أحمد »عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا تبع جنازة، قال:«ابسطوا بها، ولا تدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها». وفي«مصنّف ابن أبي شيبة»، عن عمران بن حُصين، أنه أوصى: إذا أنا متّ، فأسرعوا، ولا تُهوّدوا ، كما تُهوّد اليهود والنصارى«. وعن ابن عمر - ﵄ -، أنه سمع رجلا يقول: ارفقوا بها رحمكم اللَّه، فقال: هوّدوا ، لتسرعوا بها، أو لأرجعنّ. وعن إبراهيم النخعيّ: كان يقال: ابسطوا بجنائزكم، ولا تدبّوا بها دبّ اليهود. وعن علقمة: لا تدبّوا بالجنازة دبيب النصارى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٤/ ١٩١٠ و١٩١١ وفي «الكبرى» ٥٣٧/ ٢٤٤ و٢٠٣٨ وأخرجه (خ) ١٣١٥ (م) ٩٤٤ (د) ٣١٨١ (ت) ١٠١٥ (ق) ١٤٧٧ (أحمد) ٢٧٣٠ و٧٢٢٩ و٩٩٥٩ (مالك في الموطإ) ٥٧٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -﵀-، وهو الإسراع بالجنازة، والمراد به الإسراع المتوسط الذي لا يُخشى معه سقوط الميت، ونحوه، لكن إن خُشي على الميت من التأخير تغيّر، أو انفجار، أو انتفاخ زيد في الإسراع، وعكسه، إن خشي من الإسراع أن يحدث انفجار مثلًا فلا يُسرع، قال الشافعي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فإن كان بالميت علّة، يُخاف أن يتنجّس منه شيء، أحببت أن يُرفق بالمشي انتهى . قال ابن الملقّن -﵀-: وكره بعضهم الإسراع، وهو محمول على الإسراع المحذور. قال: ولا تُؤخّر لزيادة مصلّين، ولا لانتظار أحد غير الوليّ، فيُنتظر لأجله، إن لم يُخَف تغيّرها انتهى. ومنها: أنه يستدلّ به على أن حمل الجنازة يختصّ بالرجال، للإتيان فيه بضمير المذكر، ولا يخفى ما فيه. قاله في «الفتح» . وقال ابن الملقّن -﵀-: الخطاب بالإسراع للرجال، فإن النساء يضعفن عن الحمل، وربّما انكشف بعض أبدانهنّ انتهى. ومنها: استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يُتَحَقّق أنه مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت ، فينبغي أن لا يُسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة، ليُتَحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة. ومنها: أن فيه إكرام أهل الخير والصلاح، إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى جزاء ما قدّموه، من الأعمال الصالحة، وجزؤها من فضل اللَّه تعالى ورحمته. ومنها: أن فيه تقليل مصاحبة أهل الشرّ، إلا فيما شُرع عند موتهم، كتجهيزهم، ودفنهم، وذلك لبعدهم عن رحمة اللَّه تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البَطَالة، وغير الصالحين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مشروعية الإسراع بالجنازة، وفي حدّه: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: حكى البيهقيّ في «المعرفة» عن الشافعيّ: أن الإسراع بالجنازة هو فوق سجيّة المشي، وحكى عنه ابن المنذر، وابن بطّال أنه سجيّة المشي، والأول أثبت، ويوافقه قول أصحابنا، وهذه عبارة الرافعيّ والنوويّ: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، دون الخَبَب، وكذا قال الحنفيّة، وهذه عبارة صاحب «الهداية»: ويمشون به مسرعين، دون الخبب. وحكى ابن قُدامة، عن القاضي، من الحنابلة أن المستحبّ إسراع، لا يخرج عن المشي المعتاد، قال: وهو قول الشافعيّ، قال: وقال أصحاب الرأي: يَخُبّ، ويرمُلُ. وقال ابن المنذر بعد ذكره هذا الحديث: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمران ابن حُصين، وأبي هريرة، قال: وقال الشافعيّ: يسرع بالجنازة إسراع السجيّة، مشي الماشي، قال: وقال أصحاب الرأي: العجلة أحبّ إلينا من الإبطاء بها. وروى ابن أبي شيبة الوصيّةَ به عن عمر، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، وعلقمة، وأبي وائل، وقد اعترض بعض المحققين على تحديد تحقق موت مثل هؤلاء باليوم والليلة، وقال: الأولى عدم التحديد، بل يُرجَع إلى العلامات الدالة على الموت، فمتى وُجد منها ما يدلّ على يقين الموت اكتفي بذلك، وإن لم يمض يوم وليلة انتهى. قال الجامع: هو وجيه حسنٌ. واللَّه تعالى أعلم. وعلي بن الحسين. وعن أبي الصدّيق الناجيّ: إن كان الرجل ليتقطّع شِسْعُهُ في الجنازة، فما يدركها، وما يكاد أن يدركها. وعن ابن عمر: لَتُسرعنّ بها، أو لأرجعنّ. وعن الحسن، ومحمد أنهما كانا يعجبهما أن يسرع بالجنازة. وكان الحسن إذا رأى منهم إبطاء قال: امضوا، لا تحبسوا ميتكم. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن أباه أوصاه، فقال: إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشيًا بين الماشيين. وحكى الطحاوي في المسألة خلافًا، فحكى عن قوم أن السرعة بالجنازة أفضل، قال: وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وجمهور العلماء، قال: وخالفهم آخرون، وقالوا: المشي بها مشيًا ليّنا أفضل. وقال القاضي عياض: معنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي في المشي بها، والتباطؤ، والزَّهْوِ في المشي، ويكره الإسراع الذي يشقّ على من تبعها، ويحرك الميت، وربما كان سبب خروج شيء منه، وعلى هذا حملو نهي مَن نهى من السلف عن الدَّبيب بها دبيب اليهود، وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين من رُوي عنه النهي عن الإسراع. واستدلّوا بما جاء في الحديث مفسّرًا عنه - ﷺ -: «هو ما دون الْخَبَب»، وفي حديث آخر: «عليكم بالقصد في جنائزكم». وهو قول جمهور العلماء، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن حبيب من أصحابنا، وحمل بعضهم ما جاء في ذلك من الآثار عن السلف على الخلاف في المسألة، والجمع بينهما على ما تقدّم انتهى. ورجّح القاضي عياض نفي الخلاف في المسألة، وأن من أمر بالإسراع أراد به المتوسّط، ومن نهى عنه أراد المفرط، ويوافق هذا كلام النوويّ، فإنه بعد أن نقل عن الشافعية وغيرهم استحباب الإسراع، قال: وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها، أو خروج شيء منها انتهى. قال الحافظ ولي الدين -﵀-: ولنذكر الأحاديث في ذلك، فنقول: روى أبو داود بسند صحيح من رواية عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلَحِقَنا أبو بكرة، فرفع سوطه، وقال: «لقد رأيتنا، ونحن مع رسول اللَّه - ﷺ - نرمُلُ رَمَلًا». وفي رواية له: «في جنازة عبد الرحمن بن سمُرة»، بدل «عثمان بن أبي العاص»، ورواه النسائيّ ، وقال في روايته: «عبد الرحمن بن سمُرة»، وقال: «وإنا لنكاد نَرْمُلُ بها رَمَلًا». وروه الحاكم في «مستدركه» مختصرًا بدون القصّة التي في أوله، بلفظ: «وإنا لنكاد»، وصحّح إسناده. وروى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية أبي ماجدة، عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول اللَّه - ﷺ - عن المشي مع الجنازة؟، فقال: «ما دون الخبب» الحديث. قال الترمذيّ: حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود، إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّفه، وقال: قال الحميديّ: قال ابن عُيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجدة هذا؟ قال: طائر طار، فحدّثنا. وقال النوويّ: اتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول، منكر الحديث. وفي «الصحيحين» عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عبّاس جنازة ميمونة - ﵄ - بسَرِفَ، فقال ابن عبّاس: «هذه ميمونة، إذا رفعتم نعشها، فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفُقُوا». وفي «مصنّف ابن أبي شيبة» عن أبي موسى، قال: مُرّ على النبي - ﷺ - بجنازة، وهي تَمْخَضُ كما يمخض الزِّقُّ، فقال: «عليكم بالقصد في جنائزكم». ورواه البيهقيّ في «سننه» بلفظ: «عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم». قال الجامع: وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك. واللَّه تعالى أعلم. قال ولي الدين: واستدلّ والدي -﵀- في «شرح الترمذيّ» على أن المراد التوسط بين شدّة السعي، وبين المشي المعتاد بقوله في حديث أبي بكرة: «وإنا لنكاد أن نرمل»، قال: ومقاربة الرمَل ليس بالسعي الشديد. قال ولي الدين: وقد عرفتَ أن لفظ أبي داود «نرمُلُ». وأجاب والدي عن قول ابن عباس أنه -واللَّه أعلم- أراد الرفق في كيفية الحمل، لا في كيفية المشي بها، فإنه خَشِي أن تسقط، أو تنكشف، أو نحو ذلك، قال: وإن أراد الرفق في السير، فيحتمل أنه كان حصل لها ما يُخشى معه انفجارها، إن أزعجوها في السير، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع انتهى. وجزم النووي في «الخلاصة» بذلك الاحتمال، فبوّب على هذه القضية «كراهة شدة الإسراع، مخافة انفجارها»، وكذا بوّب عليه قبله البيهقيّ انتهى كلام ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى- .
مصادر المؤلف (٢٢)

١. - «فتح» ج ٣ ص ٥٣٦ - ٥٣٧.

٢. -يعني اللفظ الواقع في متن «تقريب الأسانيد» لوالده الحافظ العراقي الذي شرح هو بعضه، وبعضه لوالده في شرح سماه «طرح التثريب».

٣. - «طرح» ج ٣ ص ٢٨٨.

٤. - «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ج ٤ ص ٤٦٩ - ٤٧٠.

٥. - «فتح» ج ٣ ص ٥٣٩.

٦. -«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»ج ٤ ص ٤٧١.

٧. - وهي الرواية الآتية للمصنف بلفظ:«قدّمتموها إليه».

٨. -«فتح»ج ٣ ص ٥٣٩.

٩. -«شرح السندي»ج ٣ ص ٤٢ - ٤٣.

١٠. - لكن الحديث لا يصحّ، لأن في سنده عبد الحكيم قائد سعيد بن أبي عروبة، قال الدارقطني: يُترك انتهى. انظر«ميزان الاعتدال»ج ٢ ص ٥٣٧ و«لسان الميرزان»ج ٣ ص ٣٩٤. وتصحّف في«المسند»إلى عبد الحَكِمَ. فليُتنبّه.

١١. - من معاني التهويد على ما ذكره في «ق»: الإبطاء في السير.

١٢. - قوله: «هوّدوا» هكذا نسخة «الطرح»، ولعل الصواب «لا تهودوا»، فليحرّر.

١٣. - انظر «المصنّف» ج ٣ ص ٢٨١ - ٢٨٢. و«طرح التثريب» ج ٣ ص ٢٩٢.

١٤. - نقله في «الطرح» ج ٣ ص ٢٩٢.

١٥. - «فتح» ج ٣ ص ٥٣٩.

١٦. - «الإعلام» ج٤ ص ٤٧٠.

١٧. - المطعون«هو المصاب بالاعون، وهو داء معروف. و»المفلوج«: هو المصاب بالفالج. و»المسبوت«: هو المصاب بالغشية، يقال: سُبت المريض: إذا غُشي عليه.

١٨. - راجع«الفتح» ج ٣ ص ٥٣٩ - ٥٤٠.

١٩. - أي الحسن البصري، ومحمد بن سيرين.

٢٠. - هو الحديث الآتي بعد هذا.

٢١. - أي تتحرّك، وتضطرب.

٢٢. - «طرح التثريب» ج ٣ ص ٢٩٠ - ٢٩١.