النسخ: «إن الموت فَزَعٌ»، أي ذو فزع، أو هو من باب المبالغة.
وقوله: «فإذا رأيتم الجنازة، فقوموا»، أي تعظيما لهول الموت وفَزَعه، لا تعظيما للميت، فلا يختصّ القيام بميت دون ميت انتهى.
وقوله: «واللفظ لخالد»: أي اللفظ المذكور هنا لخالد بن الحارث الهُجَيميّ، وأما إسماعيل ابن عُليّة، فرواه بالمعنى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وأخرجه المصنّف هنا - ٤٦/ ١٩٢٢ - و٤٧/ ١٩٢٨ وفي «الكبرى» ٤٦/ ٢٠٤٩ و٤٧/ ٢٠٥٦. وأخرجه (خ) ١٣١١ (م) ٩٦٠ (د) ٣١٧٤ (ق) ٥٤٣ (أحمد) ٧٨٠٠ و٨٣٢٢ و١٤٣٩٨.
وتمام شرحه، وما يُستبط منه، ومذاهب العلماء في حكم العمل به قد تقدمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٤٧ - (الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الْقِيَام)
١٩٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ، فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ، فَقَامُوا لَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا هَذَا؟، قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: «إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، لِجَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ، وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن منصور) الجَوَّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الثبت الحجة المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (ابن أبي نَجِيح) عبد اللَّه بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، وربّما دلّسَ [٦] ١١٢/ ١٥٥.
٤ - (مجاهد) بن جَبْر، أبو الحجّاج المخزومي مولاهم المكيّ، ثقة إمام في التفسير والعلم [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (أبو معمر) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة الأزديّ الكوفيّ، ثقة [٢] ٢٣/ ٨٠٧.
٦ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشميّ أحد الخلفاء الراشدين، وأحد
المبشّرين بالجنة - ﵁ - ٧٢/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَليٍّ) - ﵁ - (فَمَرَّتْ بهِ جَنَازَةٌ، فَقَامُوا لَهَا) أي قام الناس الذين كانوا جالسين مع عليّ - ﵁ - (فَقَالَ عَليٌّ:) - ﵁ - (مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا القيام الذي قمتموه عند مرور الجنازة، أبحجة، أم بغير حجة؟ (قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى) خبر لمحذوف، أي هو أمر أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ - ﵁ -، أي إنما قمنا لكون أبي موسى - ﵁ - أمرنا به، وفي نسخة «أمر أبو موسى» بصيغة الماضي، فـ «أبو موسى» فاعل، أي أمرنا به أبو موسى.
والظاهر أنه أخذه عن النبي - ﷺ - (فَقَالَ) علي - ﵁ - (إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، لِجَنَازَةِ يهُودِيَّةٍ) يعني أنه فعله مرّة واحدة لجنازة امرأة يهوديّة، ولا تنافي بينه، وبين ما يأتي في حديث الحسن، وجابر - ﵄ -، من أنها جنازة يهوديّ، لاحتمال أن تتعدد الواقعة، أو المراد باليهوديّ الشخص، وهو يشمل الرجل والمرأة، واللَّه تعالى أعلم (وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ») بفتح الياء، وضم العين، مضارع عاد، من باب قال: إذا رجع. يعني أنه لم يقم مرّة أخرى للجنازة.
واستَدَلّ به من قال بنسخ القيام للجنازة، وقد تقدم قبل باب أن الراجح أنه لا يدلّ على النسخ، وإنما يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وهذا هو مذهب المصنّف - ﵀ - تعالى، حيث ترجم بـ«الرخصة في ترك القيام»، ولم يترجم بـ«باب نسخ القيام»، ومثله في ذلك الإمام الترمذي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي - ﵁ - هذا أخرجه مسلم بنحوه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هنا ٤٧/ ١٩٢٣ و٨١/ ١٩٩٩ و٢٠٠٠ وفي«الكبرى» ٤٧/ ٢٠٥٠ و٨١/ ٢١٢٦ و٢١٢٧. وأخرجه (م) ٢٢٢٤ و٢٢٢٥ و٢٢٢٧ (د) ٣١٧٥ (ت) ١٥٤٤ (أحمد) ٦٢٤ و١٠٩٧ و١١٧١ (مالك في الموطإ) ٥٤٩.
وقد تقدّم بيان مذاهب أهل العلم في حكم القيام للجنازة، وبيان أدلّتهم، وأن الراجح هو الاستحباب، مستوفًى قبل باب، فراجعه هناك تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.