HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩٤٩

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص42
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص١٨٩
الترجمة خلال التراجم التي وضعها لبيان أحكام الصلاة على الجنائز. ثم إن ظاهر مذهبه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه يختار التوقّف في أولاد المشركين، حيث أورد في الباب أربعة أحاديث كلها تدلّ على التوقّف. وأما الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وإن كانت ترجمته قريبة من ترجمة المصنّف، حيث قال: «باب ما قيل في أولاد المشركين»، إلا أن صنيعه يدلّ على أنه يختار القول بأنهم من أهل الجنّة. قال في «الفتح» عند الكلام على الترجمة المذكورة: هذه الترجمة تشعر بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير «سورة الروم» بما يدلّ على اختيار القول الصائر إلىِ أنهم في الجنّة، حيث قال: «باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] لدين اللَّه ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] دين الأولين. والفطرة الإسلام. واللَّه تعالى أعلم. وقد رَتَّبَ أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار فإنه صدره بالحديث الدالّ على التوقف، وهو حديث الباب، وثنى بالحديث المرجّح لكونهم في الجنّة، وهو حديث:«كلّ مولود يولد على الفطرة … »ثم ثلّث بالحديث المصرّح بذلك، وهو حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي - ﷺ -، وفيه:«وأما الصبيان حوله، فأولاد الناس»، وقد أخرجه في«التعبير»بلفظ:«وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة»، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟، فقال:«وأولاد المشركين». قال الحافظ: ويؤيّده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس - ﵁ -، مرفوعًا:«سألت ربي اللاهين من ذرّية البشر أن لا يعذّبهم، فأعطانيهم». إسناده حسن. وورد تفسير«اللاهين»بأنهم الأطفال، من حديث ابن عباس - ﵄ -، مرفوعًا، أخرجه البزّار. وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم، عن عمها ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، من في الجنة؟ قال:«النبيّ في الجنّة، والشهيد في الجنّة، والمولود في الجنّة». إسناده حسن. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في المسألة هو ما مال إليه البخاريّ -﵀- تعالى، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدّموا قريبًا، سوى: ١ - (عطاء بن يزيد الليثيّ) الْجُندَعيّ المدني، نزيل الشام، ثقة [٣] ٢٠/ ٢١. ٢ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية هذا السائل، لكن عند أحمد، وأبي داود عن عائشة - ﵂ - ما يحتمل أن تكون هي السائلة، فأخرجا من طريق عبد اللَّه بن أبي قيس، عنها، قالت: قدت: يا رسول اللَّه ذراريّ المؤمنين؟ فقال: «هم من آبائهم»، فقلت: يا رسول اللَّه بلا عمل؟ قال: «اللَّه أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول اللَّه، فذراريّ المشركيين؟ قال: «من آبائهم»، قلت: بلا عمل؟ قال: «اللَّه أعلم بما كانوا عاملين …» اللفظ لأبي داود. وروى عبدالرزّاق من طريق أبي معاذ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال: سألتْ خديجةُ النبيَّ - ﷺ - عن أولاد المشركين؟ فقال: «هم مع آبائهم»، ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: «اللَّه أعلم بما كانوا عاملين»، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام، فنزل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، قال: «هم على الفطرة»، أو قال: «في الجنة». وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو صحّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، رافعًا لكثير من الإشكال انتهى . (عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟) أي مصيرهم، أهي الجنة، أم النار؟ (فَقَالَ: «اللَهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ») قال ابن قُتيبة: معنى «بما كانوا عاملين» أي لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء. وقال غيره: أي علم أنهم لا يعملون شيئًا، ولا يرجعون، فيعملون، أو أخبر بعلم شيء لو وُجِد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ولكن لم يُرد أنهم يُجَازَون بذلك في الآخرة، لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: معناه: اللَّه أعلم بما جبلهم عليه، وطبعهم عليه، فمن خلقه اللَّه تعالى على جِبِلّة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه اللَّه على جِبلّة الكفّار، من القسوة، والمخالفة، كان من أهل النار، وهذا كما قال في غلام الخضر. «طُبع يوم طُبع كافرًا». وهذا الثواب والعقاب ليس مرتّبًا على تكليف، ولا مرتبطًا به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمده قوله - ﷺ -: «هم من آبائهم». ولا حجة فيه لوجهين: «أحدهما»: أن المسألة علميّة، وهذا خبر واحد، وليس نصّا في الفرض. «وثانيهما»: سلمناه، لكنّا نقول: ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خُرِّج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، إنا نُبيِّتُ أهل الدار من المشركين، وفيهم الذراريّ؟، فقال: «هم من آبائهم». يعني في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ -﵀- تعالى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «أن المسألة علمية الخ» فيه نظر لا يخفى؛ إذ يُفهَم منه أن المسألة الإعتقادية لا تؤخذ من آخبار الآحاد، وهو خلاف الصواب، وقد ذكرناه في غير هذا المحلّ، وإنما الجواب الصحيح مما ذكره هو الوجه الثاني، فتبصّر. واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا طرف من حديثٍ ساقه البخاريّ -﵀- تعالى بتمامه في «كتاب القدر» من طريق همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، كما تُنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جَدْعَاء ، حتى تكونوا أنتم تجَدَعونها؟»، قالوا يا رسول اللَّه، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: «اللَّه أعلم بما كانوا عاملين». وأخرج أبو داود عقب حديث أبي هريرة - ﵁ - بسنده، عن ابن وهب، سمعت مالكًا، وقيل له: إن أهل الأهواء يحتجّون علينا بهذا الحديث -يعني قوله: «فأبواه يهوّدانه، أو يُنصّرانه»- فقال مالك: احتَجَّ عليهم بآخره «اللَّه أعلم بما كانوا عاملين». قال في «الفتح»: ووجه ذلك أن أهل القدر استدلّوا على أن اللَّه فَطَر العباد على الإسلام، وأنه لا يضلّ أحدًا، وإنما يُضل الكافرَ أبواه، فأشار مالك إلى الردّ عليهم بقوده: «اللَّه أعلم»، فهو دالّ على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة، فهو دليل على تقدّم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثَمّ قال الشافعيّ: أهل القدر، إن أثبتوا العلم خُصِموا انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٦٠/ ١٩٤٩ و١٩٥٠ و١٩٥١ و١٩٥٢ وفي «الكبرى» ٦٠/ ٢٠٧٦ و٢٠٧٧ و٢٠٧٨ و٢٠٧٩. وأخرجه (خ) ١٣٨٤ و٦٥٩٧ و٦٥٩٨ و٦٥٩٩ (م) ٢٦٥٨ و٢٦٥٩ و٢٦٦٠ (د) ٤٧١١ و٤٧١٢ و٤٧١٤ و٤٧١٥ (ت) ٢١٣٨ (أحمد) ١٨٤٨ و٣٠٢٦ و٧٢٨١ و٧٣٩٦ و٧٤٦٨ (مالك في الموطإ) ٥٦٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: مشروعيّة السؤال عما لا يعلمه الشخص، سواء كان يتعلّق بأمور الدنيا، أو بأمور الآخرة. ومنها: إضافة العلم إلى اللَّه تعالى، فإنه أعلم بأحوال من خلقهم، وبمن هو أهل للجنّة، أو أهل للنار. ومنها: أن اللَّه تعالى يعلم بما يصير إليه عباده بعد أن يخلقهم. ومنها: أن فيه الردّ على القدرية الضالين الذين ينفون سبق علم اللَّه تعالى على وقوع الأشياء. ومنها: أن هذا الجواب قاله النبي - ﷺ - قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو القول المختار، جمعا بينه وبين حديث: «وأما الولدان حوله، فكلّ مولود يولد على الفطرة»، فقيل له: وأولاد المشركين؟ فقال: «وأولاد المشركين»، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على أولاد المشركين: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلف أهل العلم في الصلاة على أطفال المشركين، من السبي وغيره: فقالت طائفة: إذا كان الطفل بين أبويه، وهما مشركان، لم يصلَّ عليه، وإن لم يكن بين أبويه، فهو مسلم صلي عليه، هذا قول حمّاد بن أبي سليمان، والشافعي، وحكى أبو ثور ذلك عن الكوفيّ، وحكى عن مالك أنه قال: لا يُصَلى على صبيّ اشتُري، أو سُبي، إلا أن يكون أجاب إلى الإسلام بشيء يُعرف، ولا يُصَلِّ على جارية اشتراها، من غير أهل الكتاب حتى تسلم، وإسلامها أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، أو صلّت، فقد أجابت ما يعرفون أنها دخلت في الإسلام، حكى ذلك المزنيّ عنه. وقال أبو ثور: إذا سُبي الصبيّ مع أبويه، أو أحدهما، أو وحده، ثم مات قبل أن يختار الإسلام لم يصلّ عليه، وكان الشعبيّ يقول فيمن جَلَب الرقيق، فيموت بعضهم إن صلى فصلّ عليه، وإن لم يُصلّ فلا تصلّ عليه، وقال الحسن: إذا قال لا إله إلا اللَّه صلي عليه انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الراجح عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في أولاد المشركين، هل هم من أهل الجنّة، أم لا؟: اعلم: أن الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما أولاد المؤمنين، فلا خلاف بين العلماء، كما حكاه القاضي أبو يعلى الفرّاء الحنبلي، عن الإمام أحمد، أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وأما ما نقل عن بعضهم أنهم توقّفوا بأن الولدان كلهم تحت المشيئة، فغريب جدًّا، كما نبّه عليه الحافظ ابن كثير في تفسيره، فتنبّه . إذا عرفت هذا فاعلم أنه اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال: أحدها: أنهم في مشيئة اللَّه تعالى، وهو منقول عن الحمّادين، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقيّ في «الاعتقاد» عن الشافعيّ في حقّ أولاد الكفّار خاصّة، قال ابن عبد البرّ: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنّة، وأطفال الكفّار خاصّة في المشيئة. والحجة فيه حديث: «اللَّه أعلم بما كانوا عاملين». ثانيهما: أنهم تبع لآبائهم، فاولاد المسلمين في الجنّة، وأولاد الكفّار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وتعقّبه بأن المراد قوم نوح خاصّة، وإنما دعا بذلك لما أوحى اللَّه إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأما حديث: «هم من آبائهم»، أو «منهم»، فذاك في حكم الحربيّ. وروى أحمد من حديث عائشة - ﵂ -: سألت رسول اللَّه - ﷺ - عن ولدان المسلمين؟ قال: «في الجنّة»، وعن أولاد المشركين؟ قال: «في النار»، فقلت: يا رسول اللَّه، لم يُدركوا الأعمال، قال: «ربكِ أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». وهو حديث ضعيف جدًّا، لأن في إسناده أبا عَقيل، مولى بُهَيّة، وهو متروك. ثالثها: أنهم يكونون في برزخ بين الجنّة والنار، لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنّة، ولا سيآت يدخلون بها النار. قال ابن القيّم -﵀-: وهذا ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنّة والنار، وأما الأعراف، فإن مآل أصحابها إلى الجنّة، كما قاله الصحابة. رابعها: خَدَم أهل الجنّة، وفيه حديث عن أنس - ﵁ - ضعيف، أخرجه أبو داود الطيالسيّ، وأبو يعلى، وللطبرانيّ، والبزّار من حديث سمرة - ﵁ -، مرفوعًا: «أولاد المشركين خدم أهل الجنّة»، وإسناده ضعيف. خامسها: أنهم يصيرون ترابًا، روي عن ثمامة بن أشرس. سادسها: أنهم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلّطه ابن تيميّة بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يُحفظ عن الإمام أصلًا. سابعها: أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلامًا، ومن أبَى عُذّب، أخرجه البزّار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل. وقد صحّت مسالة الامتحان في حقّ المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقيّ في «كتاب الاعتقاد» أنه المذهب الصحيح، ومال إليه ابن القيّم، قال: وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة، وتتّفق الأحاديث في هذا الباب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لو صحت أحاديث امتحان الأطفال لكان هذا المذهب أعدل الأقوال، وأرجحها كما قال ابن القيّم، لكنها غير ثابتة، فقد أخرجها أبو يعلى الموصليّ من حديث أنس، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو متروك، وأخرجها الذهليّ، والبزّار من حديث أبي سعيد الخدريّ، وفي سندها عطية العوفي، ضعيف جدًّا، وروي من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -، وفي سنده عمرو بن واقد الدمشقيّ، متروك. والحاصل أن أحاديث امتحان الأطفال غير صحيحة، وإنما يصحّ حديث امتحان الأصمّ، والأحمق، والهَرِم، وأهل الفترة، فقد أخرجه الإمام أحمد من حديث الأسود ابن سَرِيع - ﵁ -، فقال في «مسنده»: حدثنا علي بن عبد اللَّه، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن نبي اللَّه - ﷺ - قال: «أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجل أصم، لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئا، وأما الأحمق، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم، ليُطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها، لكانت عليهم بردا وسلاما». قال حدثنا علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مثل هذا، غير أنه قال في آخره:«فمن دخلها، كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يُسحب إليها». وهذا إسناد صحيح، فظهر بهذا أن ترجيح القول بالامتحان للأطفال بحديث الامتحان ليس له وجه، لأن طرقه واهية، فلا يمكن تصحيحها بتعدد طرقها، ولا يمكن أيضًا كون الحديث الصحيح المذكور آنفًا شاهدًا لها، للمخالفة الواضحة، فإنها تدلّ على النكارة، والوهاء، فتبصّر. [تنبيه]: تُعُقِّب القول بالامتحان المذكور بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء. وأجيب عنه: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنّة، أو النار، وأما في عرصات القيامة، فلا مانع سن ذلك، وقد قال اللَّه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وفي «الصحيحين»: «إن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقًا، فلا يستطيع أن يسجد». ثامنها: أنهم في الجنّة، وقد تقدّم القول فيه في «باب فضل من مات له ولد». قال النوويّ: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يُعذّبُ العاقلُ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يُعذّب غير العاقل من باب الأولى. ولحديث سمرة المذكور في هذا الباب ، ولحديث عمة خنساء المتقدّم، ولحديث عائشة الآتي قريبًا . تاسعها: الوقف. عاشرها: الامساك. قال الحافظ: وفي الفرق بينهما دقّة انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي هو قول من قال: إنهم في الجنّة، كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وذكر النوويّ أنه المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، للآية المذكورة. فإن قال قائل: إنها في عذاب الدنيا. قلنا: اللفظ عامّ، فلا ينفي دخول عذاب الآخرة. ومن الحجج لهذا القول أيضًا قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الملك: ٨ - ٩]، فهذا دليل على أن كلّ فوج يُلقى في النار لا بدّ وأن يكونوا قد جاءهم النذير، وكذّبوه، وهذا ممتنع في حقّ الأطفال. ولقوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ لأنه إذا امتلأت جهنم منه، ومن أتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم. وبالجملة فاللَّه تعالى لا يعذّب أحدًا إلا بذنبه، فالنار دار عدله لا يدخلها أحد إلا بعمل، وأما الجنة، فدار فضله، يدخلها بغير عمل، ودهذا ينشىء اللَّه تعالى للفضل الذي يبقى فيها أقوامّا يسكنهم فضلها. ومن الحجج أيضًا حديثُ سمرة - ﵁ - المتقدّم في قصة رؤيا النبي - ﷺ - إبراهيم - ﵇ -، وحوله الولدان، وحديثُ الفطرة، لأنه إذا ولد على الإسلام، ثم مات قبل أن يتغير عن فطرته، فإنه من أهل الجنة، وليس عليه من أوزار أبويه شيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: اختلف السلف -رحمهم اللَّه تعالى- في المراد بالفطرة في حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي تقدم ذكره في الشرح على أقوال كثيرة: الأول: ما حكاه أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة عن ذلك؟ فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد. قال أبو عبيد: كأنه عَنَى أنه لو كان يولد على الإسلام، فمات قبل أن يهوّده أبواه مثلًا لم يرثاه، والواقع في الحكم أنهما يرثانه، فدلّ على تغير الحكم. وقد تعقّبه ابن عبد البرّ وغيره. وسبب الاشتباه أنه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادعى فيه النسخ، والحقّ أنه إخبار من النبي - ﷺ - بما وقع في نفس الأمر، ولم يُرد به إثبات أحكام الدنيا. الثاني: أن المراد بالفطرة الإسلام، وهذا أشهر الأقوال، قال ابن عبد البرّ: وهو المعروف عند عامّة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجّوا بقول أبي هريرة - ﵁ - في آخر الحديث: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبحديث عياض بن حمار - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربّه: «إني خلقت عبادي حُنَفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم …» الحديث، وقد رواه غيره، فزاد فيه: «حنفاء مسلمين …»، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه - ﷺ - بلزومها، فعُلم أنه الإسلام. وقال ابن جرير: قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي سدّد لطاعته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي صبغةَ اللَّه، وهو منصوب على المصدر الذي دلّ عليه الفعل الأول، أو منصوب بفعل مقدّر، أي الزم. وقال الزهريّ -﵀- في الصلاة على المولود: من أجل أنه وُلد على فطرة الإسلام. وقد جزم البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في تفسير «سورة الروم» بأن الفطرة الإسلام. وقد قال أحمد: من مات أبواه، وهما كافران حكم بإسلامه، واستدلّ بحديث «كلّ مولود يولد على الفطرة …»، فدلّ على أنه فسّر الفطرة بالإسلام. وتعقّبه بعضهم بأنه كان يلزم أن لا يصحّ استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه. والحقّ أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا. وحكى محمد بن نصر أن آخر قولي أحمد أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن القيّم: وقد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة، يحتجّ فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يُحكم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم. الثالث: ما رواه أبو داود عن حماد بن سلمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ اللَّه عليهم العهد، حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [لأعراف: ١٧٢]، ونقله ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، وعن سحنون، ونقله أبو يعلى الفرّاء عن إحدى الروايتين عن أحمد، وهو ما حكاه الميمونيّ عنه، وذكره ابن بطّة. الرابع : أن المراد به تمكن الناس من الهدى في أصل الجِبِلَّة، والتهيّؤ لقبول الدين، فلو تُرك المرء عليها لاستمرّ على لزومها، ولم يُفارقها إلى غيرها، لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يُعدل عنه لآفة من الآفات البشريّة كالتقليد انتهى. وإلى هذا مال القرطبيّ في «المفهم»، فقال: المعنى أن اللَّه خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحقّ، كما خلق أعينهم، وأسماعهم قابلة للمرئيّات، والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الهيئة أدركت الحقّ، ودينُ الإسلام هو الدينُ الحقّ، وقد دلّ على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: «كما تُنتَجُ البهيمة» يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرّفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح، واللَّه أعلم. وقال ابن القيّم: ليس المراد بقوله: «يولد على الفطرة» أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن اللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبّة، وليس المراد مجرّد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغيّر بتهويد الأبوين مثلًا، بحيث يُخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كلّ مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلّي، وعدم المعارض لم يَعدِل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبّة ما يلائم بدنه، من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثمّ شبّهت الفطرة باللبن، بل كانت إياه في تأويل الرؤيا، واللَّه أعلم. الخامس: قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه، من شقاوة أو سعادة، فمن علم اللَّه أنه يصير مسلمًا وُلد على الإسلام، ومن علم اللَّه أنه يصير كافرًا ولد على الكفر، فكأنه أَوَّلَ الفطرةَ بالعِلْم. وتُعُقب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهوّدانه الخ» معنى، لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي وُلد عليها، فينافي التمثيل بحال البهيمة. السادس: أن المراد أن اللَّه خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرّيّة قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أما أهل السعادة، فقالوها طوعًا، وأما أهل الشقاوة فقالوها كرهًا. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، ويرجّحه. وتعقّب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السديّ، ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيّم عن شيخه. السابع: أن المراد بالفطرة الخلقة، أي يولد سالمًا لا يَعرف كفرًا ولا إيمانًا، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البرّ، وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة، ولا يخالف حديث عياض، لأن المراد بقوله ﴿حَنِيفَا﴾ [الروم: ٣٠] أي على استقامة. وتعقّب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملّة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى.
مصادر المؤلف (١٥)

١. - وقع في نسخة «الفتح» «عمتها»، والذي في مسند أحمد، وسنن أبي داود «عمها»، فتنبّه.

٢. - وفي نسخة: «أخبرنا»، وفي أخرى: «أنبأنا».

٣. - «فتح» ج ٣ ص ٦١٨.

٤. - «المفهم» ج ٦ ص ٦٧٨ - ٦٧٩.

٥. - أي مقطوعة الأذن.

٦. - «فتح»ج ٣ ص ٦١٨.

٧. - لا معنى بتقييده بغير أهل الكتاب، بل الكتابية كذلك، فليُتأمّل.

٨. - «الأوسط» ج ٥ ص ٤٠٩ - ٤١٠.

٩. - راجع تفسير «سورة الإسراء» للحافظ ابن كثير ج ٣ ص ٣٥.

١٠. - أي صياحهم.

١١. - هو الحديث الطويل في رؤيا النبي ﷺ، أخرجه البخاريّ في «الجائز» بطوله، وفيه: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم - ﵇ -، والصبيان حوله، فأولاد الناس …».

١٢. - تقدّم حديثها في الشرح قريبًا، وفيه: «والمولود في الجنة»، وإسناده حسن، كما مرّ.

١٣. - تقدّم حديثها أيضًا، وفيه: «فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، لكن الحديث ضعيف، كما مرّ.

١٤. - منقولًا من «الفتح» ج ٣ ص ٦١٧ - ٦١٨ بتصرّف وزيادة.

١٥. - ظاهر ما في «الفتح» جعل هذا القول داخلا في الذي قبله، والظاهر أنهما مختلفان، فإن حماد بن سلمة حمله على العهد الذي في يوم الميثاق، وهذا حمل الفطرة على كون المولود مؤهلًا لقبول الإسلام والهدى، ومتهيا لذلك، فلهذا جعلتهما قولين، واللَّه تعالى أعلم.