٢٠٢٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى قَبْرٍ مُنْتَبِذٍ، فَأَمَّهُمْ، وَصَفَّ خَلْفَهُ، قُلْتُ: مَنْ هُوَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور في الباب الماضي.
٤ - (سليمان الشيباني) ابن أبي سليمان فَيْرُوز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ١٧٢/ ٢٦٧.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (ابن عباس) البحر الحبر - ﵄ - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الشعبي والشيباني، فكوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) أنه قال (أَخبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى قَبْرٍ مُنْتَبِذٍ) أي منفرد، بعيد عن القبور.
قال في «الفتح»: ووقع في «الأوسط» للطبرانيّ من طريق محمد بن الصباح الدُّولابيّ، عن إسماعيل بن زكريا، عن الشيبانيّ، أنه صلى عليه بعد دفنه بليلتين.
وقال: إن إسماعيل تفرّد بذلك. ورواه الدارقطنيّ من طريق هُريم بن سفيان، عن الشيبانيّ، فقال: بعد موته بثلاث. ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصم، عن سفيان الثوريّ، عن الشيبانيّ، فقال: بعد شهر. وهذه روايات شاذّة، وسياق الطرق الصحيحة يدلّ على أنه صلى عليه في صبيحة دفنه انتهى (فَأَمَّهُمْ، وَصَفَّ خَلْفَهُ) وفي الرواية التالية: «وصفّ أصحابَهُ خلفه».
قال ابن حبّان -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في ترك إنكاره - ﷺ - على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه انتهى. وتعقّب بأن الذي يقع بالتبعيّة لا ينهض دليلا للأصالة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت فيما سبق أن هذا التعقّب غير صحيح، بل أنّ الاستدلال به صحيح، إذ لو كان خاصّا به - ﷺ -، أو تبعا له لبيّن أن هذه الصلاة لا تجوز إلا تبعًا لي. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ في «صحيحه» من طريق أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس، - ﵄ -، قال: مات إنسان، كان رسول اللَّه - ﷺ - يعوده، فمات بالليل، فدفنوه ليلا، فلما أصبح أخبروه، فقال: «ما منعكم أن تعلموني؟»، قالوا: كان الليلُ، فكرهنا -وكانت ظلمة- أن نشق عليك، فأتى قبره، فصلى عليه.
قال في «الفتح»: وقع في شرح سراج الدين عمر بن الملقّن، أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقمّ المسجد، وهو وَهَمٌ منه، لتغاير القصّتين، فقد تقدّم أن الصحيح في الأول أنها امرأة، وأنها أم مِحْجَن، وأما هذا فهو رجل، واسمه طلحة بن البراء بن عُمير، الْبَلَويّ، حليف الأنصار، روى حديثه أبو داود مختصرًا، والطبرانيّ من طريق عروة بن سعيد الأنصاريّ، عن أبيه، عن حسين بن وَحْوَح الأنصاريّ، وهو بمهملتين بوزن جعفر: أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبيّ - ﷺ - يعوده، فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، وعجّلوا»، فلم يبلغ النبي - ﷺ - بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله، لما دخل الليل: إذا متّ، فادفنوني، ولا تدعو رسول اللَّه - ﷺ -، فإني أخاف عليه يهودا أن يصاب بسببي، فأخبر النبي - ﷺ - حين
أصبح، فجاء، حتى وقف على قبره، فصفّ الناس معه، ثم رفع يديه، فقال: «اللَّهم القَ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه». انتهى .
(قُلْتُ) القائل هو سليمان الشيبانيّ (مَنْ هُوَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟) كنية الشعبيّ، أي مَن هو الشخص الذي حدثك بهذا الحديث؟ (قَالَ) أي الشعبيّ (ابْنُ عَبَّاسٍ) أي هو ابن عباس، يعني أن الذي حدثه بهذه القصّة هو عبد اللَّه بن عباس - ﵄ -، حيث إنه ممن صلى مع النبي - ﷺ - على ذلك القبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.