HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٥١

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا خَيْرًا مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص72
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٤ ص ٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٨٢
١١٠ - مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ ٢٠٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ، مُحَمَّدٍ؟، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ، مَقْعَدًا خَيْرًا مِنْهُ». قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا». وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ الْمُنَافِقُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم سندًا ومتنًا قبل باب، وتقدم شرحه، غير ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الجزء الذي يتعلق بالكافر، فهذا موضع شرحه، فأقول: مستعينًا باللَّه تعالى: قوله (وَأمَّا الْكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ) هكذا في رواية المصنّف بالشك، وهي رواية للبخاريّ أيضًا، وفي رواية له: «وأما الكافر، والمنافق» بواو العطف. وفي رواية أبي داود المتقدمة قبل باب: «وأن الكافر إذا وضع»، وكذا لابن حبّان من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وكذا في حديث البراء الطويل، وقد تقدم، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: «وإن كان كافرًا، أو منافقًا» بالشكّ، وله في حديث أسماء: «فإن كان فاجرًا، أو كافرًا»، وفي «الصحيحين» من حديثها: «وأما المنافق، أو المرتاب»، وفي حديث جابر عند عبد الرزاف، وحديث أبي هريرة عند الترمذيّ: «وأما المنافق»، وفي حديث عائشة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن ماجه: «وأما الرجل السوء». وللطبرانيّ من حديث أبي هريرة: «وإن كان من أهل الشكّ». قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فاختلفت هذه الروايات لفظًا، وهي مجتمعة على أن كُلًّا من الكافر والمنافق يُسأل، ففيه تعقّب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدّعي الإيمان، إن محقّا، وإن مبطلًا، ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزّاق من طريق عُبيد بن عُمير، أحد كبار التابعين، قال: «إنما يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد - ﷺ -، ولا يعرفه». وهذا موقوف، والأحاديث الناصّة على أن الكافر يُسأل مرفوعةٌ، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم الترمذيّ الحكيم بأن الكافر يُسأل، واختلف في الطفل، غير المميّز، فجزم القرطبيّ في «التذكرة» بأنه يُسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعيّة بأنه لا يسأل، ومن ثمّ قالوا: لا يُستحبّ أن يُلقّن. واختلف أيضًا في النبيّ، هل يسأل، وأما الملك، فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يسأل؟ لأن السؤال يختصّ بمن شانه أن يُفتن. وقد مال ابن عبد البرّ إلى الأول، وقال: الآثار تدلّ على أن الفتنة لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد، فلا يسأل عن دينه. وتعقّبه ابن القيّم في «كتاب الروح»، وقال: في الكتاب والسنّة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم، قال اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [سورة إبراهيم - ﵇ -: ٢٧]، وفي حديث أنس - ﵁ - في البخاريّ: «وأما المنافق والكافر» بواو العطف. وفي حديث أبي سعيد: «فإن كان مؤمنا -فذكره، وفيه-: فيأتيه منكر ونكير …» الحديث، أخرجه أحمد هكذا، قال: وأما قول أبي عمر: فأما الكافر الجاحد، فليس ممن يُسال عن دينه. فجوابه أنه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال الحافظ: لكن للنافي أن يقول: إن هذا السؤال يكون يوم القيامة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تخصيص هذا السؤال بيوم القيامة مما لا دليل عليه، بل السؤال يكون في القبر، وفي القيامة، فالصواب ما قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم. (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) وفي رواية أبي داود المتقدّمة: وإن الكافر إذا وُضع في قبره أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ «، وفي أكثر الأحاديث:»فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ «. وفي حديث البراء المتقدّم:»فيقولان له: مَن ربّك؟، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري«، وهو أتمّ الأحاديث سياقًا. (كُنْتُ أَقُولُ: كَمَا يَقُولُ النَّاسُ) وفي رواية للبخاريّ:«كنت أقول: ما يقول الناس»، وفي حديث أسماء عنه:«سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته»، وكذا في أكثر الأحاديث. وأراد بذلك أنه كان مقلّدًا في دينه، فلم يكن منفردًا عنهم بمذهب، فلا اعتراض عليه حقّا، كان ما عليه، أو باطلًا. وفيه ذمّ التقليد في الاعتقاد، بل يجب أن يعتقد عالما جازمًا. (فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ) أي لا حققت بنفسك أمر الدين (وَلَا تَلَيْتَ) أي ولا تبعت مَن حقّق الأمر على وجهه. قيل: أصله: تلوت بالواو، بمعنى قرأت، إلا أنه قُلبت الواو للازدواج. وقال في«الفتح»: قوله:«ولا تليت»كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة، بعدها لام مفتوحة، وتحتانيّة ساكنة. قال ثعلب: قوله:«تليت»أصله تلوت، أي لا فهمت، ولا قرأت القرآن، والمعنى لا دريت، ولا اتبعت من يدري، وإنما قاله بالياء لمؤاخاة«دريت». وقال ابن السّكّيت: قوله:«تليت»إتباع، ولا معنى لها. وقيل: صوابه: ولا ائتليت، بزيادة همزتين، قبل المثناة بوزن افتعلت، من قولهم: ما ألوت، أي ما استطعت، حُكِيَ ذلك عن الأصمعيّ، وبه جزم الخطّابيّ. وقال الفرّاء: أي قصرت، كأنه قيل له: لا دريت، ولا قصرت في طلب الدراية، ثم أنت لا تدري. وقال الأزهريّ: الألَوُ يكون بمعنى الجهد، وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة. وحكى ابن قتيبة، عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية«لا دريت، ولا أتليت»بزيادة ألف، وتسكين المثنّاة، كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء، يقال: ما أتلت إبلُهُ، أي لم تلد أولادًا يتبعونها. وقال: قول الأصمعيّ أشبه بالمعنى، أي لا دريت، ولا استطعت أن تدري. ووقع عند أحمد، من حديث أبي سعيد:«لا دريت، ولا اهتديت»، وفي مرسل عبيد بن عمير، عند عبد الرزاق:«لا دريت، ولا أفلحت». (ثُمَّ يُضْرَبُ) بالبناء للمفعول. زاد في رواية البخاريّ:«بمطارق من حديد». وفي حديث البراء«لو ضرب بها جبل لصار ترابا». وحديث أسماء:«ويسلّط عليه دابّة في قبره، معها سوط، ثمرته جمرة، مثل غرب البعير، تضربه ما شاء اللَّه، صمّاء، لا تسمع صوته، فترحمه». وزاد في أحاديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وعائشة التي أشرنا إليها:«ثم يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن اللَّه أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار». زاد في حديث أبي هريرة:«فيزداد حسرة، وثبورا، ويضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه». وفي حديث البراء:«فينادي مناد من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها، وسَمُومها». (ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي على وجهه (فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ») أي الإنس، والجنّ، قيل لهم: ذلك، كالثقل على وجه الأرض. وفي حديث البراء: «يسمعه من بين المشرق والمغرب». وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد: «يسمعه خلق اللَّه كلهم غير الثقلين، وهذا يُدخل الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يُخصّ منه الجماد، ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزّار:»يسمعه كلّ دابة إلا الثقلين«. قال المهلّب: الحكمة في أن اللَّه يُسمع الجن قول الميت قدِّموني، ولا يُسمعهم صوته إذا عذّب، أن كلامه قبل الدفن متعلّق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عذّب في القبر متعلّق بأحكام الآخرة، وقد أخفى اللَّه على المكلفين أحوال الآخرة، إلا من شاء اللَّه، إبقاءً عليهم، كما تقدم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٠/ ٢٠٥١ - ١٠٨/ ٢٠٤٩ و١٠٩/ ٢٠٥٠ وفي «الكبرى» ١٠٨/ ٢١٧٦ و١٩/ ٢١٧٧ و١١٠/ ٢١٧٨. وأخرجه (خ) ١٣٣٨ و١٣٧٤ (م) ٢٨٧١ (د) ٣٢٣١ و٤٧٥١ (أحمد) ١١٨٦ و١٣٠٣٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فى فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات سؤال الكافر في القبر، وهذا القول هو الراجح، كما تقدّم قريبًا. ومنها: إثبات سؤال المؤمن في القبر، وهذا مما لا خلاف فيه. ومنها: إثبات سماع الميت قرع نعال من يدفنه، إذا انصرفوا من دفنه. ومنها: أن الذي يَسأل في القبر ملكان، اسم أحدهما منكر، واسم الآخر نكير. ومنها؟ أن سؤال القبر يكون عن التوحيد، ففيه بيان عظم شأن التوحيد. ومنها: أن من يُسال في قبره ينقسم إلى فسمين: مؤمن مخلص موفّق للإجابة، فيبشر برحمة اللَّه، وجنته، وغير مؤمن، فيَضِلّ عن الجواب، فيبشر بعذاب اللَّه، وسوء عاقبته، نسأل اللَّه تعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، إنه بعباده لرؤوف رحيم. ومنها: أن فيه ذمّ التقليد في أمور الدين، ولا سيما باب العقائد؛ لمعاقبة من قال: «كنت أسمع الناس، يقولون شيئًا، فقلته»، فالواجب على المكلّف الاتباع، لا التقليد. وليُعلَم الفرق بين الاتباع والتقليد، فإن الأول الاقتداء عن جزم، ويقين، وهو الذي أمر اللَّه تعالى به من لا يعلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ومن علامته أن المتبع إذا بُيِّنَ له أن العالم الذي أفتاه قد أخطأ في هذه المسألة، يتركه، ويسأل من هو أعلم منه، وما هو الصواب فيها، فيتبعه، ولا يعاند. وأما التقليد فهو الأخذ بقول الغير، من غير معرفة دليله، بل هو مجرّد اتباع للرأي المحض، سواء أصاب، أو أخطأ، ومن علامته أنه يعتقد أن خطأه أفضل من صواب غيره، بدليل أنه إذا ذُكر له أن مقلّده مخطئ مخالف للنصوص في هذه المسألة لا يتراجع عنه، بل يتمادى، ويعارض النصوص بدعوى أن مُقلَّدَه أعلم من غيره بالنصوص، وهذه هي الطامّة الكبرى التي حلّت بالمسلمين بعد القرون المفضّلة، ومن العجب العُجاب أن ترى هذه الصفة فيمن ينتسب إلى العلم، بل ربما يدّعي معرفة الأحاديث، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. ومنها: أن الميت يحيا في قبره للمسألة؛ خلافًا لمن ردّه، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية [غافر: ١١]، قال: فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرّات، ويموت ثلاثًا، وهذا خلاف النصّ. والجواب عنه أن المراد بالحياة في القبر للمسألة، ليست الحياة المستقرّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره، وتصرّفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرّد إعادة لفائدة الامتحان، الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء؛ لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: قال في «الفتح»: ما حاصله: هل تختصّ مسألة القبر بهذه الأمة، أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأَوّلُ، وبه جزم الحكيم الترمذيّ، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة، تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا، فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل اللَّه محمدًا - ﷺ - رحمة للعالمين أُمسك عنهم العذاب، وقُبل الإسلام ممن أظهره، سواء أسرّ الكفر، أولا، فلما ماتوا قيّض اللَّه لهم، فَتَّاني القبر؛ ليستخرج سرّهم بالسؤال، وليميّز اللَّه الخبيث من الطيب، ويُثَبِّت اللَّه الذين آمنوا، وُيضلّ اللَّه الظالمين انتهى. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ويؤيّده حديث زيد بن ثابت، مرفوعًا: «إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها …» الحديث. أخرجه مسلم. ومثله عند أحمد، عن أبي سعيد، في أثناء حديث. ويؤيده أيضًا قول الملكين: «ما تقول في هذا الرجل محمدٍ». وحديث عائشة عند أحمد أيضًا، بلفظ: «وأما فتنة القبر فبي تُفتتنون، وعنّي تسألون». وجنح ابن القيّم إلى الثاني، وقال: وليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدّم من الأمم، وإنما أخبر النبيّ - ﷺ - أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن