السنّة، وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه يقع على الكفّار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية تردّ عليهم أيضًا انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٥٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكوسَج المروزيّ ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الثبت الحجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة المشهور [١٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أبوه) سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ الكوفيّ والد سفيان الراوي عنه، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١.
٥ - (خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسم أبي سبرة يزيد بن مالك بن عبد اللَّه بن ذؤيب، الجعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [٣].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة، وكان رجلًا صالحًا، وكان سخيّا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلا هو، وإبراهيم النخعيّ. وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مصرّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليّ منهما. قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل. وقال غيره: مات بعد سنة (٨٠) وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وساق بسنده إلى نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط.
٦ - (البراء) بن عازب - ﵄ - ٨٦/ ١٠٥.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث بهذا السند صورته صورة الموقوف، لكن سيأتي في الحديث التالي مرفوعًا، وسيأتي شرحه هناك، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي
عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد) بن جعفر، غُندر البصريّ الحافظ الثقة [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور تقدّم قريبًا.
٤ - (علقمة بن مَرْثَد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠٣/ ٢٠٤٠.
٥ - (سعد بن عُبيدة) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] ٧٧/ ١٠٠٨.
٦ - (البراء بن عازب) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شبعة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) - ﵄ - (عَن النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ) تأكيد لـ«قال» الأول، وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ الآية مبتدأ محكيّ، خبره جملة قوله: (نَزَلَتْ فِي عَذَاب الْقَبْرِ) أي هذه الآية نزلت في إثبات عذاب القبر، أي في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سببا للعذاب في الجملة، ولو في حقّ بعضٍ، عبّر عنه باسم العذاب، فالمراد بالتثبيت في الآخرة هو تثبيت المؤمن في القبر عند سؤال الملكين إياه.
ثم بيّن كيفية السؤال، وتثبيت المؤمن عنده بقوله (يُقَالُ لَهُ) أي للمؤمن المفهوم من قوله: «الذين آمنوا» (مَنْ رَبُّكَ؟، فَيَقُولُ: رَبَّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) وفي نسخة: «ونبيي محمد». أي ويسأل عن دينه، كما بيّن في رواية آخرى، فيقول: ديني دين محمد - ﷺ -. وفي رواية للبخاريّ: «قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره، أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه» (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) أي هذا الجواب هو معنى قوله تعالى (﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) يعني أنه يُوَفِّقُه للإجابة المذكورة.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختصر سعد -يعني ابن عبيدة- وخيثمة -يعني ابن عبد الرحمن- هذا الحديث جدًّا، لكن أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خيثمة، فزاد فيه: «إن كان صالحًا وُفّق، وإن كان لا خير فيه، وُجد أبله»، وفيه اختصار أيضًا، وقد رواه زاذان أبو عمر، عن البراء مطوّلًا، مبيّنًا، أخرجه أصحاب السنن، وصححه أبو عوانة، وغيره، وفيه من الزيادة في أوله: «استعيذوا باللَّه من عذاب القبر»، وفيه «فتُردّ روحه في جسده»، وفيه «فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟، فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللَّه، فيقولان له: وما يُدريك؟ فيقول: قرأت القرآن، كتابَ اللَّه، فآمنت به، وصدّقت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، وفيه،»وأن الكافر تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري … «الحديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم ذكر حديث البراء - ﵁ - بطوله من رواية أبي داود، في باب«التسهيل في غير السِّبتِيّة»١٠٨/ ٢٠٤٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٤/ ٢٠٥٦ و٢٠٥٧ وفي«الكبرى» ١١٤/ ٢١٨٣ و٢١٨٤. وأخرجه (خ) ١٣٦٩ و٤٦٩٩ (م) ٢٨٧١ (د) ٤٧٥٠ (ت) ٣١٢٠ (ق) ٤٢٩٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر، ووجه ذلك أن الحديث كما تقدم فيه اختصار، وقد تقدم من طريق زاذان، عن البراء مطوّلًا، وفيه تعذيب الكافر عند عدم إجابته عن سؤال الملكين، ففيه إثبات عذاب القبر، أو من إطلاق السبب على المسبب، فإن في رواية المصنّف إثبات سؤال الملكين، وهو سبب لثبوت العذاب، لكن في بعض المسؤولين دون بعض. واللَّه تعالى أعلم.
ومنها: بيان سبب نزول هذه الآية. ومنها: إثبات سؤال الملكين لكلّ مقبور. ومنها: رأفة اللَّه تعالى بعباده المؤمنين، حيث يُثَبِّتُهُم عند سؤال الملكين، مع أن جنسهم غير جنس بني آدم، ومع انفراد كلّ مسؤول عمن يستأنس به في مثل ذلك الموقف، وهذا
فضل عظيم، ولف جسيم من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين. ومنها: أنه يستفاد منه أهمية التوحيد، حيث إنه هو المسؤول عنه في أول منزل من منازل الآخرة، فينبغي للعبد أن يخلص في توحيده، ولا يدنسه بالمعاصي، ولا سيما المعاصي التي تؤدي إلى الشرك، وإن كان خفيا. نسأل اللَّه تعالى أن يحيينا على التوحيد، وأن يميتنا عليه، ويبعثنا عليه، إنه بعباده لرؤوف رحيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في عذاب القبر:
قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: إثبات عذاب القبر مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلّة الكتاب والسنّة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد اللَّه تعالى الحياة في جزء من الجسد، ويعذّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله، وقد خالف في ذلك الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، ونفوا ذلك.
ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه، أو بعضه، بعد إعادة الروح إليه، أو إلى جزء منه، وخالف محمد بن جرير الطبريّ، وعبد اللَّه بن كرام، وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، قال أصحابنا: وهذا فاسد؛ لأن الألم، والإحساس، إنما يكون في الحيّ، قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرّقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة، أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن اللَّه تعالى يُعيده للحشر، وهو -﷿- قادر على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه، أو أجزاء، وإن أكلته السباع، والحيتان.
فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يُسأل، ويُقعد، وُيضرَب بمطارق من حديد، ويعذّب، ولا يظهر له أثر؟.
فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة، وآلامًا، لا نُحسّ نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذّةً، وألمًا لما يسمعه، أو يفكّر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبريل - ﵇ - كان يأتي النبيّ - ﷺ -، فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكلّ هذا واضح، ظاهر، جليّ انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم بيان الاختلاف في عذاب القبر في «أبواب الطهارة» -٢٧/ ٣١ - بأتم مما هنا، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.