HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٧٩

أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ. قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ قَالَ اللهُ - ﷿ -: لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا أَدِّ مَا أَخَذْتَ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ قَالَ اللهُ - ﷿ -: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص81
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ١١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٦٠
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٨ - وفي «الكبرى» ١١٧/ ٢٢٠٥. وأخرجه (خ) ٣١٩٣ و٤٩٧٤ و٤٩٧٥ (أحمد) ٢٧٤٤ و٨٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: وجوب الإيمان بالبعث، وأن إنكاره يكون تكذيبًا للَّه -﷿-. ومنها: وجوب تنزيه اللَّه تعالى عن أن يتّخذ ولدًا، وأن اعتقاد خلافه يكون شتما له، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. ومنها: أن اللَّه تعالى متصف بأنه الأحد، الصمد، الذي لم يدد، ولم يولد، ودم يكن له كفوا أحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٩ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ، لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا، لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ -﷿-، لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ -﷿- مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، قَالَ: خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦. ٢ - (محمد بن حرب) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ، المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومئها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهري، ومنه مدنيون. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) ذكر الحافظ أبو عمر -﵀- تعالى أن أكثر رواة «الموطإ» رفعوا هذا الحديث، ووقفه القعنبيّ، ومصعب الزبيريّ، على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد وقف لفظه، وأما حكمه فهو الرفع؛ لأنه لا يقال مثله، من قبل الرأي، فهو مرفوع على كلّ حال انتهى. (يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة - ﵁ - الآتي بعد هذا:»كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله«، وللبخاريّ من حديث أبي مسعود: أن هذا الرجل كان نبّاشًا. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول:»إن رجلا من بني إسرائيل، كان ينبش القبور«. ولمسلم:»لم يعمل حسنة قط«. ولأحمد، من حديث ابن مسعود:»أنه لم يعمل شيئًا قط إلا التوحيد« . وظاهر قوله: أنه لم يعمل خيرا قط، أنه لم يكن موحدًا؛ لأن التوحيد أعظم الخير، لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية اللَّه تعالى يدلّ على توحيده، وكيف يخشى اللَّه من لا يعرفه، بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، وقد رفعت رواية أحمد المذكورة هذا الإشكال، حيث استثنت من الخير التوحيد. قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يُغفر للذين يموتون، قال يحيى: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بمثله. وهم كفّار، لأن اللَّه -﷿- قد أخبر أنه لا يغفر أن يُشرك به، وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فمن لم ينته عن شركه، ومات على كفره، لم يك مغفورا له، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. قال: وهذا سائغ في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكلّ، والمراد البعض، فتقول العرب: لم يفعل كذا قطّ، يريد الأكثر من فعله. ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: «لا يضع عصاه عن عاتقه» يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيرًا، لا أنّ عصاه كانت ليلًا ونهارًا على عاتقه. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن مسعود - ﵁ - الذي أخرجه أحمد، رجاله ثقات. واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) ظرف للقول الذي بعده، لا للإسراف المتقدّم، وفي «الكبرى»: «فحين حضرته الوفاة قال لأهله …»، وفي حديث حذيفة التالي: «فلما حضرته الوفاة قال لأهله …» (قَالَ: لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ) بكسر الميم، وضمها، من مات يَمَاتُ، كخاف يخاف، ومات يموت، كقال يقول. وفي حديث أبي سعيد - ﵁ - عند البخاريّ: «أن رجلًا كان قبلكم رَغَسَه اللَّه مالًا، فقال لبنيه لما حُضِر: أيَّ أَبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا أنا متّ …». ولهَ من حديث حذيفة - ﵁ -: «إن رجلًا حضره الموت، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها، فاطحنوها، فذرّوني في اليمّ، في يوم حارّ …». (فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي) بفتح الحاء المهملة، أمر من سحق يسحق، كمنع يمنع، قيل: روي «اسحكوني»، واسهكوني«، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن (ثُمَّ اذْرُوْنِي) بالذال المعجمة، ويجوز في همزه الوصل والقطع، يقال: ذرتْهُ الريحُ، وأذرتْهُ، تذرُوه، وتذرِيه: إذا أَطارته، ومنه تذرية العام. كذا ذكر في»المشارق«، و»النهاية«: ذريت، وأذريت، بمعنىً. وقال في»الصحاح«: ذريته: طيّرته، وأذهبته، وذَرَت الريحُ الترابَ، وغيره تذروه ذَرْوًا، وذَرْيًا: أي سَفَتْهُ، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ الحنطةَ، ثم قال: وأذريت الشيءَ: إذا ألقيته كإلقائك الحبّ للزرع، وطعنَهُ، فأذراه عن ظهر دابّته: أي ألقاه انتهى. وذكر في«المحكم»نحوه، وهذا يقتضي الفرق بين الثلاثيّ، والرباعيّ، وأن ما يُلقَى في غير محلّ معيّن، يستعمل فيه الثلاثيّ، كما في هذا الحديث، وما يُلقَى في محلّ معيّن يُستعمل فيه الرباعيّ. قاله الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . (فِي الرِّيحِ، فِي الْبَحْرِ) الجار الأول متعلّق بالفعل قبله، والثاني متعلق بحال مقدّر من«الريح»، أي حال كون ذلك الريح كائنا في البحر، وإنما لم يتعلّق بما تعلّق به ما قبله؛ لئلا يتعلق حرفا جرّ بلفظ ومعنى واحد بفعل واحد، وهو ممنوع، كما هو معروف في محله. وفي حديث أبي سعيد:«في يوم عاصف»، أي عاصف ريحه. وفي رواية مسلم:«في ريح عاصف». وإنما أمرهم بهذا لتتفرّق أجزؤه، بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جمعها في ظنّه، كما بَيَّنَ ذلك بقوله: (فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) من باب نصر، وضرب، وفرِحَ، يقال: قدرتُ على الشيء: إذا قَوِيتَ عليه، وتمكنتَ منه، والاسم القدرة. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما معناه: يحتمل أنه رأى أن جمعه يكون مستحيلًا، والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال:«فوالله لئن قَدَر اللَّه»، فلا يلزم أنه نَفَى القدرة، فصار بذلك كافرًا، فكيف يُغفر له؟، وذلك أنه ما نفى القدرة على ممكن، وإنما فرض غيرَ المستحيل مستحيلًا فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول، لا الثاني. ويحتمل أن شدّة الخوف طيّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه، أم لا؟، كما هو المشاهد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسّك بأدنى شيء؛ لاحتمال أنه لعله ينفعه، فهو فيما قال، وفعل في حكم المجنون. وأجاب بعضهم بأن هذا رجل لم تبلغه الدعوة، وهذا بعيد. واللَّه تعالى أعلم انتهى . وسيأتي هذا البحث مستوفًى في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (لَيُعَذِّبَنِّي) جواب القسم، والفعل مبنيّ على الفتح لاتصال نون التوكيد به (عذابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ) أي جميع ما أوصاهم به (قَالَ: اللَّهُ -﷿- لِكُلِّ شَيْءِ أَخَذَ مِنْهُ شيْئًا) أي من أجزاء هذا الميت (أَدِّ) فعل أمر من التأدية (مَا أَخَذْتَ) وفي رواية البخاريّ: «فأمر اللَّه الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت …». (فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ) «إذا فُجائيّة، أي ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان - ﵁ - عند أبي عوانة في»صحيحه«:»فقال اللَّه له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين«. قال في«الفتح»: وهذا جميعه -كما قال ابن عقيل-: إخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله:«فجمعه اللَّه»؛ لأن التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله في«الفتح» نقلًا عن ابن عقيل من أنه إخبار عما سيقع إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ سياق الحديث يأباه، وهذا الذي نفاه من الوقوع قبل ذلك ليس ببعيد، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: اللَّهُ -﷿-: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟) أي أيُّ شيء حملك على هذه الوصيّة الجائرة؟ (قَالَ) ذلك الرجل (خَشْيَتُكَ) مرفوع على أنه فاعل لمقدّر، يدلّ عليه السؤال، كما أشار إلى ذلك ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «خلاصته»، حيث قال: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا … كَمِثْلِ «زَيْدٌ» فِي جَوَابِ «مَنْ قَرَا» أي حملني على ذلك خشيتك. وفي رواية «مخافتك» (فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ«) وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -:»فتلقّاه برحمته«. قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن قلت: في«الصحيحين»من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، عن اللَّه تعالى:«أنا عند ظنّ عبدي بي»، وهذا قد ظنّ بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟. قلت: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء، وتأميل العفو. وقيل: معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. فإن قلنا بالثاني، فالجمع واضح؛ لأن هذا قد ندم على ما فَرَطَ منه، ولولا ندمه لما أمر أن يُفعل به ذلك، فكان تائبًا، فقبلت توبته، وغُفر له. وإن قلنا بالأوّل، فقد حكى القاضي عياض، والنوويّ في «شرح مسلم» أنه قيل: إنما أوصى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها؛ لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن -يرحمه اللَّه تعالى-، فهو حينئذ قد رجا العفو، وأمّله، فكان اللَّه عند ظنّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله: «إن قدر اللَّه عليّ»، إن لم يؤوّله بما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القاضي عياض، والنووي -رحمهما اللَّه تعالى- جواب سليم، وتوجيه مستقيم، وبه يزول الإشكال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٩ - وفي «الكبرى» - ١١٧/ ٢٢٠٦. وأخرجه (خ) ٣٤٨١ و٧٥٠٦ (م) ٢٧٥٦ (ق) ٤٢٥٥ (أحمد) ٧٥٩١ و٧٩٨٠ (الموطأ) ٥٦٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: إثبات البعث بعد الموت، وإن تفرقت الأجزاء، وتلاشت. ومنها: عظمة قدرة اللَّه تعالى. ومنها: فضيلة الخوف من اللَّه تعالى، وغلبتها على العبد، وأنها من مقامات الإيمان، وأركان الإسلام، وبها انتفع هذا المسرف، وحصلت له المغفرة. ومنها: أنه لا ضرر على العبد في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، وإن كان المطلوب من العبد في تلك الحالة أن يُحسن ظنه بربّه، لما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري - ﵄ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، قبل موته بثلاثة أيام، يقول: «لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن باللَّه -﷿-». ومنها: أنه يدلّ على أن خوف العبد من ذنبه، ليس كراهية للقاء اللَّه تعالى؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضيّ، يقربه إلى اللَّه، فكره حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء اللَّه تعالى مطلقا، بل أحبّ لقاءه على غير تلك الحالة. قاله وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أن الأعمال بالنيّات، والمقاصد، فإن اللَّه تعالى لم ينظر إلى هذا العمل، بل إلى القصد، فقال له: «لم فعلت هذا؟، ولما كان الحامل عليه الخشية، كان سبب المغفرة، ولو حمل عليه سبب آخر فاسد، لكان الأمر بخلاف ذلك، فيما يظهر، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن فيه بيانَ سعة رحمة اللَّه تعالى، ومغفرته، وأن المسرف على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقد قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى. القَهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنّا سيّآتنا، وأدخلنا الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: أنه استشكل قوله: «لئن قدر اللَّه عليّ، ليعذّبنّي» لأن ظاهره نفي قدرة اللَّه تعالى على إحيائه، وإعادته، والشاكّ في قدرة اللَّه تعالى كافر، مع أن الحديث يدلّ على إسلامه من وجهين: أحدهما: إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية اللَّه تعالى، والكافر لا يخشى اللَّه تعالى. الثاني: إخباره - ﷺ - بأن اللَّه تعالى غفر له، والكافر لا يغفر له، مع ما انضمّ إلى ذلك من الرواية التي في «مسند أحمد» الصريحة في أنه كان موحّدًا، فاختلف العلماء في تأويله: فقالت طائفة: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لما ذكرناه، فيكون له تأويلان: أحدهما: أن معناه لئن قدر اللَّه عليّ العذاب، أي قضاه، يقال منه: قَدَرَ -بالتخفيف- وقَدَّر -بالتشديد- بمعنى واحد. الثاني: أن «قدَرَ» بمعنى ضَيّق، فقوله: «لئن قدر اللَّه عليّ»، أي لئن ضيّق اللَّه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال الآخرون: اللفظ على ظاهره، وذكروا له تأويلات: أحدها: أن هذا الرجل قال هذا الكلام، وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدّهْشُ، والخوف، والجزَع الشديد، بحيث ذهب تيقّظه، وتدبّره، ما يقوله، فصار في معنى الغافل، والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرَح حين وجد راحلته: «أنت عبدي، وأنا ربّك»، فلم يُكفر بذلك، للدهش، والغلبة، والسهو. وقد ورد في غير «الصحيحين»: «فلعلي أضلّ اللَّه»، أي أغيب عنه، وهذا يدلّ على أن قوله: «لئن قدر اللَّه» على ظاهره، كما ذكرنا. الثاني: أن هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمّونه مزج الشكّ باليقين، وسماه بعضهم تجاهل العارف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فصورته صورة شكّ، والمراد به اليقين. الثالث: أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات اللَّه تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، فممن كفّره بذلك محمد بن جرير الطبريّ، وقاله الشيخ أبو الحسن الأشعريّ أوّلًا. وقال آخرون: لا يكقر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعريّ، وعليه استقرّ قوله، قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا نقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حقّ؛ قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلًا. وحكاه ابن عبد البرّ عن المتقدّمين، من العلماء، ومن سلك سبيلهم، من المتاخرين، واستدلّ عليه بأن عمر، وعمران بن حُصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول اللَّه - ﷺ - عن القدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك، وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين انتهى. الرابع: أنه كان في زمن فترة، حين ينفع مجرّد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. الخامس: أنه يجوز أنه كان متمسّكًا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر، وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا، فإنه من مجوّزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ اللآية [النساء: ١١٦]. وغير ذلك من الأدلّة. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي القول بأنه تكلم بهذا الكلام في حال شدة خوفه، فعذره اللَّه تعالى في خطئه بسبب ذلك، كما عذر من أخطأ في شدة الفرح بقوله: «اللَّهم أنت عبدي، وأنا ربّك». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن قلت: ظاهر حال هذا الرجل أنه وقع في كبيرة، وهو اليأس من رحمة اللَّه، وكان هذا خاتمة أمره، فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة؟. قلت: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره، بحمل «قَدَرَ» على «قضى»، أو «ضيّق»، فليس فيه اليأس من رحمة اللَّه، فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي عليه بالعذاب، أو لا يضيّق عليه على اختلاف القولين. وإن أخذناه على ظاهره، فالجواب عن هذا أن شدّة الخوف اصطلمته، وأذهلته، حتى خرج عن حدّ التكليف، فنفعه خوفه، ونَجّاه مع التوحيد، ولم يضرّه يأسه؛ لأنه حصل له في حالة انقطع عنه فيها التكليف، وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن حيز المكلّفين، فالخوف الحاصل له كفّر عنه سيّئته التي هي اليأس من رحمة اللَّه، بل كفر عنه سيئآته التي كان يرتكبها طول عمره، وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه، ومعصية من وجه، فربما غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية، وربما غلبت المعصية، فأحبطت ثواب الطاعة، وفي هذا المحلّ غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية. وعن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرّمة، فأحدثت له أحوالًا صالحة، يحصل له إثم السماع المحرّم، وثواب الأعمال الصالحة، فإن غلب الثواب ربح، وإن غلب الإثم خسر، وإن استويا تكافأ. هذا معناه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره وليّ الدين من كلام الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام، غير صحيح، فإن السماع المحرّم لا تحصل منه أحوال صالحة، وإن
مصادر المؤلف (٧)

١. - راجع، «الفتح» ج ٧ ص ١٧٣ «كتاب أحاديث الأنبياء»-، «باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم ٣٤٥٢.

٢. - ونصّ أحمد في«المسند» رقم ٣٧٧٦ حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم ابن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، - ﵁ -، أن رجلا لم يعمل من الخير شيئا قط، إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة، قال لأهله: إذا أنا مت، فخذوني، واحرقوني، حتى تدعوني حممة، ثم اطحنوني، ثم اذروني في البحر، في يوم راح، قال: ففعلوا به ذلك، قال: فإذا هو في قبضة اللَّه، قال: فقال اللَّه -﷿- له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك، قال: فغفر اللَّه له.

٣. - أي كثر اللَّه ماله.

٤. -«طرح»ج ٣ ص ٢٦٦ - ٢٦٧.

٥. -«شرح السندي»ج ٣ ص ١١٣.

٦. - «فتح» ج ٧ ص ٢٠٦ - ٢٠٧. «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم ٣٤٧٨.

٧. - المصدر السابق ج ٣ ص ٢٦٩.