أمسى ذلك اليوم في حاضره من رجل، ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام. انتهى .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه القرطبيّ -﵀- من أن إسلام ضمام كان بعد هذه الأسئلة هو الذي يظهر لي؛ لأن سياق الحديث ظاهر فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ، يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَدْ أَجَبْتُكَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: «سَلْ مَا بَدَا لَكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ، وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ، مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي، مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين مات في حدود ١٢٠ - [٣] ٩٥/ ١١٧.
٤ - (شريك بن أبي نَمِر) هو: ابن عبد اللَّه، نُسب لجده، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء مات في حدود ١٤٠ [٥] ٥٢/ ١٢٩٠.
٥ - (أنس بن مالك) - ﵁ - المذكور قبله. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين من سعيد، والباقيان مصريان، وأن فيه روايةَ تابعي، عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن سعيدا المقبريّ أكبر من شريك بن أبي نمر من الطبقة الثالثة، وهو من الخامسة، ولا ينافي هذا ما في «الفتح»، ونصّه: فيه رواية الأقران، قال: لأن سعيدًا وشريكا تابعيان، من درجة واحدة، وهما مدنيان انتهى. لأنه جعلهما من درجة واحدة؛ نظرا لكونهما تابعيين، وما هنا بالنظر لتفاوت مراتب التابعين فيما بينهم، فافهم. وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شَرِيكِ) بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون، وكسر الميم، لا يعرف اسمه، ذكره ابن سعد في الصحابة، وأخرج له ابن السكن حديثًا، وأغفله ابن الأثير؛ تبعًا لأصوله. قاله في «الفتح» .
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) - ﵁ - (يَقُولُ: بَينَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجدِ) أي مسجد رسول اللَّه - ﷺ - (جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ) استنبط منه ابن بطَال وغيره طهارة أبوال الإبل، وأرواثها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدّة كونه في المسجد، ولم ينكره النبيّ - ﷺ -. قال في «الفتح»: ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرّد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم: «أقبل على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد»، فهذا السياق يدلّ على أنه ما دخل به المسجد، وأصرح منه رواية ابن عباس، عند أحمد، والحاكم، ولفظها: «فأناخ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل»، فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بطهارة أبوال الإبل، وأرواثها هو الصواب، فقد دلّ على ذلك خبر العرنيين المشهور، وقد تقدّم تحقيق ذلك في «أبواب الطهارة» - ١٩١/ ٣٠٥ - «باب بول ما يؤكل لحمه»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ عَقَلَهُ) بتخفيف القاف: أي شدّ حبلًا على ساق الجمل بعد أن ثَنَى ركبته (فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مُتَّكِئٌ بَينَ ظَهْرَانَيْهِمْ) فيه جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه - ﷺ - من التواضع، وترك التكبّر، لقوله: «بين ظهرانيهم»، وهي بفتح النون: أي بينهم، وزيد لفظ الظهر ليدلّ على أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه،
فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد. قاله صاحب «الفائق».
(قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ) أي المشرب بحمرة، كما في الرواية الآتية من طريق الحارث بن عُمير بلفظ «الأمغر»، أي بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما ثبت في صفته - ﷺ - أنه لم يكن أبيض، ولا آدم، أي لم يكن أبيض صِرْفًا. (الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ: لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) نسبه لجدّه؛ لكونه مشهورًا بين العرب، وأما أبوه - ﷺ - فقد مات، وهو شابٌ، فلم يشتهر بين الناس اشتهار جدّه.
وكان - ﷺ - ينتسب إلى جدّه، كقوله:
أنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
(فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَدْ أَجَبْتُكَ») أي سمعتك، والمراد إنشاء الإجابة، أو نزّل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق. وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيّما مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]. والعذرُ عنه، إن قلنا: إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: «فمشدّد عليك في المسألة»، وفي قوله: «وزعم رسولك أنك تزعم».
(فَقَالَ الرَّجُلُ) وفي نسخة «فقاله له الرجل» (إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ) وفي نسخة «فمشتدٌ (عَلَيكَ فِي الْمَسأَلَةِ، فَلَا تجَدَنَّ فِي نَفْسِكَ) بنون التوكيد المشدّدة، وفي رواية البخاريّ:»فلا تجدْ«، أي لا تغضب. ومادّة»وجد«متّحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر، بحسب اختلاف المعاني، يقال في الغضب مَوْجِدة، وفي المطلوب: وُجُودًا، وفي الضالّة: وُجْدانًا، وفي الحبّ وَجْدًا -بالفتح-، وفي المال: وُجْدًا - بالضمّ، وفي الغنى: جِدَةً -بكسر الجيم، وتخفيف الدال المفتوحة- على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوب: وِجَادةً، وهي مولّدة.
(قَالَ:«سَلْ مَا بَدَا لَكَ»، فَقَالَ: الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ) أي سألتك به، قال الفيّوميّ: نَشَدتك اللَّهَ، وباللَّه، أنشُدُك -من باب قتل-: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسِمًا عليك. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللَّهَ، وأنشدُك اللَّه، وباللَّه، وناشدتك اللَّهَ، وباللَّه: أي سألتك، وأقسمت عليك. ونشدته نِشْدة، ونشدانًا، ومناشدةً، وتعديته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك اللَّهَ، وباللَّه، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى: ذكّرتُ، فأما أنشدتك باللَّه، فخطأ انتهى .
وفي الرواية التالية: «أنشدُك» بصيغة المضارع. وهو بفتح الهمزة، وضم المعجمة. قال البغويّ في «شرح السنّة»: وهو رفع الصوت، والمعنى سألتك رافعا نشيدتي. انتهى. وقال الجوهريّ: نشدتك باللَّه: أي سألتك باللَّه، كأنك ذكّرته، فنَشَدَ: أي تذكّر انتهى .
(وَرَبِّ مَنْ قَبلَكَ، اللَّهُ) بالمدّ في المواضع كلها، والهمزة للاستفهام، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الآية (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ») الجواب حصل بـ «نعم»، وإنما ذكر «اللَّهَمّ» تبرّكًا، وكأنه استشهد باللَّه في ذلك تأكيدًا لصدقه (قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، اللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ) بتاء الخطاب فيه، وفيما بعده. ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بالنون فيها. قال القاضي عياض: هو أوجه، ويؤيّده ما تقدّم في رواية ثابت، عن أنس، بلفظ: «أنّ علينا خمس صلوات في كلّ يوم وليلة». وتوجيه الأول أن كلّ ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص. أفاده في «الفتح» (الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ) وعند البخاريّ من رواية الكشميهني، والسرخسيّ: «الصلاة الخمس» بالإفراد على إرادة الجنس (فِي الْيَوْم وَاللَّيلَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُوَمَ هَذَا الشهْرَ، مِنَ السَّنَةِ؟، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) قال ابن التين: فيه دليل على أن المرأ لا يفرّق صدقته بنفسه. قال الحافظ: وفيه نظر (مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟) هذا خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم أهل الصدقة، وإلا فمحلّ الصدقة هم الأصناف الثمانية المذكورون في آية الصدقة (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فَقَالَ: الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ) يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول - ﷺ - ما أخبر به رسوله إليهم. ويحتمل أن يكون قوله: «آمنت» إنشاء، ورجحه القرطبيّ؛ لقوله: «زعم»؛ قال: فإن الزعم القولُ الذي لا يوثق به، قاله ابن السكّيت. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الزعم يطلق على المحقّق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: «زعم الخليل» في مقام الاحتجاج. قال: وأما تبويب أبي داود عليه: «باب المشرك يدخل المسجد» فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وفيه نظر، بل الظاهر من صنيع أبي داود الميل إلى أن ضمامًا قدم، وهو مشرك. فتأمّل.
وقال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومما يؤيد أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاء لكان طلب معجزة توجب له التصديق. انتهى.
وعكس هذا القرطبيّ، فاستدلّ به على صحّة إيمان المقلّد للرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. قاله في «الفتح».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أقرب إلى ظاهر قصّة ضمام - ﵁ - كما تقدّم ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي) «مَنْ» موصولة، و«رسول» مضاف إليها، ويجوز تنوينه، وكسر «مِنْ»، لكن لم تأت به الرواية. قاله في «الفتح» (مِنْ قَوْمِي) بيان لـ «من» الموصولة (وَأَنَا ضِمَامُ ابْنُ ثَعْلَبَةَ) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) وعند الطبرانيّ، من رواية عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -: «جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول اللَّه - ﷺوكان مُسترضَعًا فيهم- فقال: أنا وافد قومي، ورسولهم». وعند أحمد، والحاكم: «بَعَثَتْ بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقدم علينا»، فذكر الحديث، فقول ابن عباس: «فقدم علينا» يدلّ على تأخر وفادته أيضًا؛ لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح.
وزاد مسلم في آخر الحديث: قال: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنتقص، فقال النبيّ - ﷺ -: «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة».
ووقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سَمّى المبهم في حديث طلحة، ضمام بن ثعلبة، كابن عبد البرّ وغيره.
ومال القرطبيّ إلى أنه غيره. ووقع في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، من الزيادة في هذه القصّة أن ضمامًا قال بعد قوله: وأنا ضمام بن ثعلبة: فأما هذه الْهَنَاة، فوالله إن كثا لنتنزّه عنها في الجاهليّة -يعني الفواحش- فلما ولّى قال النبيّ - ﷺ -: «فقه الرجل». قال: وكان عمر بن الخطّاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام. ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.