HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢١١٧

أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص96
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ١٣٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٩٣
القول فيه الجمع بين الأدلّة، كما تقدّم، وأما الإفطار فلا بدّ من شاهدين؛ لصحة حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة من غير معارض لهما، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٩ - (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاِثينَ، إِذَا كَانَ غَيْمٌ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،) - ﵁ - قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف الذي أشار إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى- هنا أنه اختلف الراويان على شعبة في لفظ الحديث، فرواه إسماعيل ابن عُليّة، عنه، بلفظ: «فعُدّوا ثلاثين»، وخالفه ورقاء بن عمر اليشكريّ، فرواه بلفظ: «فاقدروا ثلاثين». وسيأتي تمام البحث في اختلاف اللفظين قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. ٢١١٧ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ، فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مؤمل بن هشام) اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٦. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (محمد بن زياد) الجمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت ربما أرسل [٣] ٨٩/ ١١٠. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ») تقدّم أن الضمير راجع إلى ما يدلّ عليه السياق، وهو الهلال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. والمعنى صوموا رمضان لرؤية هلاله، والمراد نيّة الصوم في النهار؛ لأنّ الليل ليس محلًا للصوم، أفاده العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ) -بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم- أي هلال الشهر، ومعناه حال بينكم وبينه غيم. يقال: «غُمّ»، و«أُغمي»، و«غُمّي» -بتشديد الميم، وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما- ويقال: «غُبي» -بفتح الغين، وكسر الباء- أي خفي، وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء، وغِيمت، وأغامت، وتغيّمت، وغيّمت، كلها بمعنى. وقيل: هذه الألفاظ مأخوذة من إِغْمَاءِ المريض، يقال: غُمي، وأُغمي عليه، والرباعيّ أفصح. وقال القاضي عياض: وقد يصحّ أن ترجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد يكون أيضًا من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيءَ: إذا سترته، والغَمَى مقصورًا: ما سقفت به البيت من شيء. وروي «عُمِي» بالعين المهملة، والميم المخففة. حكاه القاضي أيضًا، ومعناه خَفِي، يقال: عَمِي عليّ الخبر، أي خفي. وقيل: هو مأخوذ من العلماء، وهو السحاب الرقيق. وقيل: المرتفع، أي دخل في العماء، أو يكون من العمى المقصور، وهو عدم الرؤية . (فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) أي عُدّوا ثلاثين يومًا، من شعبان، فصوموا بعدها. ورواه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، بلفظ: «فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين». قال في «الفتح»: ما حاصله: وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة - ﷺ - في هذه الزيادة، فرواها البخاريّ -كما ترى- بلفظ: «فأكملو عدّة شعبان ثلاثين»، وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك، فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه: «فعُدّوا ثلاثين». أشار إلى ذلك الإسماعيليّ، وهو عند مسلم وغيره، قال: فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر. قال الحافظ: الذي ظنه الإسماعيليّ صحيح ، فقد رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم ابن يزيد، عن آدم بلفظ: «فإن غمّ عليكم، فعدوّا ثلاثين يومًا، -يعني عدّوا شعبان ثلاثين-. فوقع للبخاريّ إدراج التفسير في نفس الخبر. ويؤيده رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ:»لا تقدّموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين«. فإنه يشعر بأن المأمور بعدّه هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد بلفظ:»فأكملوا العدد«. وهو يتناول كلّ شهر، فدخل فيه شعبان. وروى الدارقطنيّ، وصححه، وابن خزيمة في»صحيحه«من حديث عائشة - ﵂ -:»كان رسول اللَّه - ﷺ -. يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدّ ثلاثين يومًا، ثم صام«. وأخرجه أبو داود وغيره أيضًا. وروى أبو داود، والنسائيّ وابن خزيمة من طريق رِبْعيّ، عن حُذيفة - ﵁ -، مرفوعًا:»لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة«. وقيل: الصواب فيه: عن ربعيّ، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩/ ٢١١٧ و٢١١٨ و١٠/ ٢١١٩ و١١/ ٢١٢٣ و١٧/ ٢١٣٨ و١٧/ ٢١٣٨ - وفي «الكبرى» ١٠/ ٢٤٢٧ و٢٤٢٨ و١١/ ٢٤٢٩ و١٢/ ٢٤٣٣ و١٨/ ٢٤٤٨ و١٨/ ٢٤٤٨. وأخرجه (خ) ١٩٠٩ (م) ١٠٨١ (ق) ١٦٥٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: «فاقدروا ثلاثين»: اختلفوا في المراد به على مذاهب: (الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن بين اختلاف الروايات في حديث ابن عمر الآتي، ففي رواية «فاقدروا له»، وفي رواية «فاقدروا ثلاثين»، وفي رواية «فأكملوا العدّة ثلاثين»، وفي رواية «فعدّوا ثلاثين»: ما حاصله: والروايات يفسّر بعضها بعضًا، والحديث إذا جمُعت طرقه تبيّن المراد منه، وقد دلّ على ذلك أيضًا ما رواه البخاريّ من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين». رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «فصوموا ثلاثين يومًا» وليس ذلك اضطرابًا في الخبر لأنا مأمورون بذلك في الصوم والفطر، وقد ذكر النبيّ - ﷺ - صورة الغمّ علينا بعد قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه»، فعاد إلى الصورتين معًا، أي فإن غمّ عليكم في صومكم، أو فطركم، فذكر في إحدى الروايتين إحدى الصورتين، وفي الأخرى الصورة الأخرى، وأتى في بعض روايات حديث أبي هريرة بعبارة متناولة لهما، ففي رواية لمسلم «فعدّوا ثلاثين»، وفي رواية له:«فأكملوا العدد». ومن العجيب اعتراض بعض الحنابلة على رواية البخاريّ بأن الإسماعيليّ قد أخرجها في «مستخرجه» من رواية غندر، عن شعبة بلفظ: «فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين»، ثم عدّ جماعة رووه عن شعبة كذلك، ثم قال هذا الحنبليّ: وهذا يجوز أن يكون من آدم بن أبي إياس رواه على التفسير من عنده للخبر انتهى. وغايته أن رواية البخاريّ خاصّة، والرواية التي حكاها عن غيره عامّة، تتناول شعبان ورمضان، فلا معنى لحملها على رمضان، لا سيما، وهم يؤولون قوله: «فاقدروا له» كما سيأتي بيانه، ويحملونه على تقدير الهلال تحت السحاب، وذلك يدلّ على أن المراد شعبان، وهذا يدلّ على مخالفة كلام هذا الحنبليّ لكلام أئمته، ولا جائز أن يُحمل الشرط في قوله: «فإن غمّ عليكم» على صورة، والجزاء، وهو قوله: «فعدوا ثلاثين» على صورة غيرها. ولقد أنصف الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي، وهو من أعيان متأخري الحنابلة، فقال في «تنقيح التحقيق»: الذي دلت عليه أحاديث هذه المسألة، وهو مقتضى القواعد أن أيّ شهر غُمّ أُكمِلَ ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله: «فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة» يرجع إلى الجملتين، وهما قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة»، أي غُمّ عليكم في صومكم وفطركم، هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث يدلّ عليه. قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأنّ النبيّ - ﷺ - إما أن يكون قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال أحدهما، وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله: «فأكملوا العدّة» للشهرين انتهى. وفي «سنن أبي داود» عن عمر بن عبد العزيز: «وإن أحسن ما يقدّر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء اللَّه لكذا وكذا، إلا أن يروا الهلال قبل ذلك». وفي رواية للبيهقيّ في «سننه» في الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فإن غُمّ عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة». وقد روى مالك في «الموطإ» عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه - ﷺ - ذكر رمضان، فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين». قال ابن عبد البرّ: جعله بعده لأنه عنده مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله: «فاقدروا له». قال ولّي الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ «فأكملوا ثلاثين يومًا». وهو عند أبي داود بلفظ: «فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا». وعند النسائيّ بلفظ: «فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان». وهذا على ما قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَرَ في رواية أبي داود صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى، وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل الصورتين، وليس ذلك اضطرابًا. وفي «صحيح مسلم» عن أبي الْبَخْتَريّ، قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس، فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن اللَّه قد أمده لرؤيته، فإن غمي عليكم، فأكملوا العدّة»، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا، وذكره، وهذا شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود والنسائيّ عن حذيفة - ﵁ - مرفوعًا: «لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة». وروى أبو داود عن عائشة - ﵂ -، كان رسول اللَّه - ﷺ - يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام«. وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يومًا عند الغمّ علينا من حديث جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي طالب، وطلق ابن عليّ، والبراء بن عازب - ﵃ -. وقد جمع ذلك الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في«شرح الترمذيّ». قال ابن عبد البرّ: ولم يرو أحد فيما علمت«فاقدروا له»إلا ابن عمر وحده. واللَّه تعالى أعلم. (المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله - ﷺ -:«فاقدروا له: ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره. وهذا مذهب ابن عمر - ﵄ - راوي هذا الحديث، ففي «سنن أبي داود»: فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يَحُلْ دونه منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطرّا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائمًا، قال: وكان ابن عمر - ﵃ - يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب. قال الخطابيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطًا للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس. قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في كونه قال بما يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في إحدى الصورتين، دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبيّنه النبيّ - ﷺ -، وفصل بينهما، وقد نبّه النبيّ - ﷺ - على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ. وقد تبع ابنَ عمر على هذا المذهب أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه. قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في تصنيف له سمّاه «دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم يوم الغيم»: وهذا مرويّ من الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق - ﵃ -. قال: وقال به من كبراء التابعين سالم بن عبد اللَّه، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ، ومطرّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد اللَّه المزنيّ، في آخرين. حكاه عنه الحافظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح الترمذيّ»، وردّ عليه في حكايته عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال: «أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان». قال العراقيّ: وهو منقطع، ثم إنه إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم، كما رواه الدارقطنيّ في «سننه» مبيّنًا، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه يُخلّ بالمعنى. قال: والمعروف عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي «مصنّف ابن أبي شيبة» عن كلّ منهما أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، فيقول: «ألا لا تقدّموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال، فأفطروا، فان غمّ عليكم، فأتمّوا العدّة». ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل. قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم. فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أميره. قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة - ﵁ - خلاف ما نقله عنه، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» عنه أنه قال: نهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: «لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان». ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصحّ من ذلك انتهى. قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصح، وقد رواه ابن الجوزيّ في «العلل المتناهية» من رواية مكحول عنه، وضعّفه. قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له إسنادًا. قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء - ﵃ -، واختلف عن أبي هريرة كما تقدّم. قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى بنا انتهى. وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس، وأحمد بن حنبل. وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه. انتهى. (المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في «شرح مسلم» عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن عبد اللَّه، وابن قتيبة، وآخرون. وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن مطرّف بن الشّخّير، وليس بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يُعرّج عليه في مثل هذا الباب، ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن عبد البرّ: والصحيح عنه في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه. قال وليّ الدين: لا يعرف ذلك عن الشافعيّ أصلًا. واللَّه أعلم. وبالغ ابن العربيّ في «العارضة» في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين، لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: «فاقدروا» خطاب لمن خصّه اللَّه بهذا العلم، وقوله: «فأكملوا العدّة» خطاب للعامة. قال ابن العربي: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟. وقال ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- في «مشكل الوسيط»: معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم انتهى. قال ولّي الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيّب الطبريّ. وحكى الشيخ في «المهذّب» عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة. ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه. وقال ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأنّ الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه. وردّ عليه الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»، فقال: المحبوس في الممطورة
مصادر المؤلف (٥)

١. - انظر «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» للعلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- ج ٥ ص ١٧٢ - ١٧٣. و«طرح التثريب» ج ٤ ص ١١٧.

٢. - سيأتي الردّ على هذا الذي ظنه الإسماعيليّ، ووافقه عليه الحافظ في كلام وليّ الدين العراقيّ، إن شاء اللَّه تعالى.

٣. - يأتي للمصنّف في ١٣/ ٢١٢٦.

٤. -«فتح» ج ٤ ص ٦١٦ - ٦١٧.

٥. - هكذا نسخ «الطرح» بالرفع، ولعل الأولى بالنصب، فليحرّر.