HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٣٢٠

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ أَبُو حَصِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟ فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ. قَالَ: فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ فَلْيُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص145
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٤ ص ١٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن ابن ماجه
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢١ ص٢٢٦
وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل ها هنا، فالظاهر عدم الوجوب انتهى كلام الشوكاني . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- من عدم وجوب الفدية في التأخير حسنٌ جدًا، وهو الذي مال إليه الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما مرّ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦٥ - (إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ، أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، هَلْ يَصُومُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ؟) ٢٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، أَبُو حَصِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَوْمَ عَاشُورَاءَ: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟»، فَقَالُوا مِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ، قَالَ: «فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ، فَلْيُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس) الْيَرْبوعيّ، أبو حَصِين -بفتح أوله، وكسر ثانيه- الكوفيّ، ثقة [١١]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ، والحضرميّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: مات سنة (٢٤٨) وكذا أرّخه مُطيّنٌ، وزاد: في ذي القعدة. انفرد بالرواية عنه الترمذيّ، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط: هذا ٢٣٢٠ و٢٣٩٠ حديث «لكني أنا أقوم وأنام ..» الحديث. ٢ - (عَبْثر) -بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثلثة- ابن القاسم الزُّبيديّ- بالضمّ- أبو زُبيد- كذلك- الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤. ٣ - (حُصين) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦. ٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (محمد بن صَيْفيّ) بن سهل بن الحارث بن عميد، ويقال: عُبيد بن عنان، ويقال: عتبان بن عامر بن خَطْمة بن جُشم بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الخطميّ الصحابيّ المدنيّ، ثم الكوفيّ. روى عن النبيّ - ﷺ - حديث الباب فقط. وروى عنه الشعبيّ. قال الأزديّ: لم يرو عنه غير الشعبيّ. وقال البغويّ: لم يرو إلا هذا الحديث الواحد، وكذا قال ابن عبد البرّ. وقال البخاريّ، وابن حبّان: عِدَاده في أهل الكوفة. وأما أبو حاتم، فقال: إنه مدنيّ. كأنه أراد أن أصله منها. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وابن ماجه، له عنده حديثان. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وابن ماجه، وحديث في «كتاب الذبائح» عند ابن ماجه . واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَوْمَ عَاشُورَاءَ) هو اليوم العاشر من المحرّم. قال الفيّوميّ: وفيها لغات: المدّ، والقصر، مع الألف بعد العين، وعَشُوراء بالمدّ مع حذف الألف انتهى . وقال في «الفتح»: وعاشوراء بالمدّ على المشهور، وحكي فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلاميّ، وأنه لا يعرف في الجاهليّة. وردّ عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابيّ حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير لا دلالة فيه على ردّ ما قال ابن دريد انتهى . (أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟، فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ صَامَ) أي أمسك عن الأكل (وَمنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ) أي من أكل الطعام (قَالَ) - ﷺ - («فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ) أي أكملوا صوم بقيّة يومكم. وهذا محلّ الترجمة، وسيأتي وجه الاستدلال في«المسألة الثالثة»إن شاء اللَّه تعالى (وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ، فَليُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ)«الْعَرُوض»-بفتح العين المهملة، وضمّ الراء- يطلق على مكة والمدينة، وما حولهما. كما في«القاموس». وقال ابن الأثير: أراد مَنْ بأكناف مكة والمدينة. يقال لمكة، والمدينة، واليمن: الْعَرُوض، ويقال للرَّسَاتيق بأرض الحجاز: الأَعْرَاض، واحدها عِرْض بالكسر انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث محمد بن صيفيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٥/ ٢٣٢٠ - وفي «الكبرى» ٦٥/ ٢٦٢٩. وأخرجه (ق) في «الصيام» ١٧٣٥ (أحمد) في «مسند الكوفيين» ١٨٩٥٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف، وهو أن الحائض إذا طهرت، والمسافر إذا قدم من سفره، أو أراد الإقامة في مكان في أثناء النهار يجب عليهما أن يصوما بقية يومهما، ووجه دلالته على ذلك، أنه - ﷺ - أمر مَن أكل، ومن لم يأكل بإتمام صومه في أثناء النهار، فدلّ على أن الحائض إذا طهرت، أو أقام المسافر في أثناء النهار وجب عليهما الإمساك في بقية النهار، ويكون صومهما صومًا صحيحًا، ويعتبر الأكل قبل ذلك مغتفرًا، كما اغتُفِر أكل الناسي. (ومنها): أن على الإمام أن يُقيم من يُعلن بدخول وقت الصوم حتى يتنبّه من كان غافلًا (ومنها): وجوب صوم عاشوراء، وهذا قبل أن يفرض رمضان، ثم نسخ وجوبه، وبقي استحبابه (ومنها): أن وجوب تبييت النيّة إنما هو على من كان عالمًا بوجوب الصوم من الليل، أما من جهل ذلك بأن لم يعلم بدخول رمضان إلا في أثناء النهار، فصومه صحيح بنيّة النهار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين يوم عاشوراء: ذهب أكثر العلماء إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر. قال القرطبيّ: عاشوراء مَعدُول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء، فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة؛ إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسميّة، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر. وذكر أبو منصور الجواليقيّ أنه لم يُسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء، وساروراء، ودالولاء، من الضارّ، والسارّ، والدالّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزين ابن الْمُنَيّر: أكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر اللَّه المحرّم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من إيراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام، ثم أوردها في التاسع قالوا: وردنا عِشْرًا -بكسر العين- وكذلك إلى الثلاثة. وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج، قال: «انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسّد رداءه، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرّم، فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبيّ - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم. وهذا ظاهر أن عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين ابن المنيّر: قوله: إذا أصبحت من تاسعه، فأَصْبحْ يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة. قال الحافظ: ويقوّي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر، عن ابن عبّاس أن النبيّ - ﷺقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع، فمات قبل ذلك». فإنه ظاهر في أنه كان يصوم العاشر، وهمّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما همّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم. ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده». وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان - ﷺ - يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت مكة، واشتهر أمر الإسلام أحبّ مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في «الصحيح»، فهذا من ذلك، فوافقهم أوّلًا، وقال: «نحن أحقّ بموسى منكم»، ثم أحبّ مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله، أويوم بعده خلافًا لهم. ويؤيّده رواية الترمذيّ من طريق أخرى بلفظ: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - بصيام عاشوراء، يوم العاشر». وقال بعض أهل العلم: قوله - ﷺ - في صحيح مسلم: «لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع» يحتمل أمرين: «أحدهما»: أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع. و«الثاني»: أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفّي - ﷺ - قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استدلّ بحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوه من الليل، سواء كان رمضان، أو غيره؛ لأنه - ﷺأمر بالصوم في أثناء النهار، فدلّ على أن النيّة لا تشترط من الليل. قال الحافظ: وأجيب بأن ذلك يتوقّف على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، والذي يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا، فقد نسخ بلا ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: «من أكل فليتمّ»، ومن لا يشترط النيّة من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا»، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلم، وإن أراد أنه راجح من حيث الدليل فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضًا، لكنه نسخ برمضان. وقد ذكر الحافظ نفسه ما يناقض كلامه المذكور، فقال عند شرح حديث معاوية - ﵁ - «ولم يكتب اللَّه عليكم صيامه»: ما ملخّصه: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكُّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: «لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء»، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته - ﷺ -، حيث يقول: «لئِن عشت لأصومنّ التاسع والعاشر»، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟ انتهى. فتبيّن بهذا أن الصواب أن صوم عاشوراء كان فرضًا، ثم نسخ بفرض رمضان. واللَّه تعالى أعلم. قال: وصرّح ابن حبيب من المالكيّة بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باق، فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارًا، وكما يؤمر من أفطر يوم الشكّ، ثم رأى الهلال، وكلّ ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء. بل ورد ذلك صريحًا في حديث أبي داود، والنسائيّ، من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة ، عن عمّه: أن أسلم أتت النبيّ - ﷺ -، فقال: «صمتم يومكم هذا؟»، قالوا: لا، قال: «فأتمّوا بقية يومكم، واقضوه». وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيّن ترك القضاء، لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ، أو أسلم في أثناء النهار. واحتجّ الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب «السنن» من حديث عبد اللَّه بن عمر، عن أخته حفصة - ﵃ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له». لفظ النسائيّ، ولأبي داود، والترمذيّ: «من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له». واختُلف في رفعه ووقفه، ورجّح الترمذيّ، والنسائيّ الموقوف، بعد أن أطنب النسائيّ في تخريج طرقه. وحكى الترمذيّ في «العلل» عن البخاريّ ترجيح وقفه. وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصحّحوا الحديث، منهم: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وابن حزم. وروى له الدارقطنيّ طريقًا آخر، وقال: رجالها ثقات. وأبعَدَ من خصّه من الحنفيّة بصيام القضاء والنذر، وأبعَدُ من ذلك تفرقة الطحاويّ بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه، كعاشوراء، فتجزىء النيّة في النهار، أو لا في يوم بعينه، كرمضان، فلا يجزئ إلا بنيّة من الليل، وبين صوم التطوّع، فيجزىء في الليل وفي النهار. وقد تعقّبه إمام الحرمين بأنه كلام غثّ، لا أصل له. وقال ابن قُدامة: تعتبر النية في رمضان لكلّ يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر، وهو كقول مالك، وإسحاق. وقال زفر: يصحّ صوم رمضان في حقّ المقيم الصحيح بغير نية، وبه قال عطاء، ومجاهد. واحتجّ زفر بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان؛ لتعينه، فلا يفتقر إلى نية؛ لأن الزمن معيار له، فلا يتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد. وقال أبو بكر الرازيّ: يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل، ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نيّة، قال: فإن التزمه كان مستشنعًا. وقال غيره: يلزمه أن من أخر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا قدرها، فصلى حينئذ تطوعًا أنه يجزئه عن الفرض. واستدلّ ابن حزم بحديث الباب، وحديث سلمة - ﵁ - الآتي في الباب التالي، مرفوعًا: «من أكل، فليتمّ بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم». على أن من ثبت له هلال رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ، ويجزئه، وبناه على أن عاشوراء كان فرضًا أوّلًا، وقد أمروا أن يمسكوا في أثناء النهار، قال: وحكم الفرض لا يتغيّر. قال الحافظ: ولا يخفى ما يَرِدُ عليه مما قدمناه. وألحق بذلك من نسي أن ينوي من الليل؛ لاستواء حكم الجاهل والناسي. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-، هو الراجح الذي يؤيّده الدليل الواضح البيّن، وما ادعاه الحافظ من أنه يَرِدُ عليه ما تقدّم غير مقبول؛ لأن ما قدمه من ترجيح عدم كون صوم عاشوراء فرضًا، غير مسلّم، فتنبّه. والحاصل أن الصوم فرضه ونفله لايصحّ إلا بنيّة من الليل، إلا ما خصّ بحديث الباب، ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». ٦٦ - (إِذَا لَمْ يُجْمِعْ مِنَ اللَّيْلِ، هَلْ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ التَّطوُّعِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن أمر النبيّ - ﷺ - بصوم يوم عاشوراء الذي في حديث الباب كان أمر استحباب، وبنى على ذلك جواز صوم التطوّع لمن لم ينو من الليل. لكن الذي يتضح من حديث الباب، وحديث الباب السابق، ونحوهما أن أمره - ﷺ - بصوم عاشوراء أمر وجوب، لا أمر استحباب، إذ الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا. فتأمّل. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرحه»: والمصنف حمل الحديث على صوم النفل؛ لأن صوم عاشوراء ليس بفرض، ولكن استدلّ صاحب «الصحيح» على عموم الحكم، وذلك لأن الأحاديث تدلّ على افتراض صوم عاشوراء، من جملتها هذا الحديث، فإن هذا الاهتمام يقتضي الافتراض. وعلى هذا فالحديث ظاهر في جواز الصوم بنية من النهار في صوم الفرض. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: نعم هذا الاستدلال يتمّ، لو لم يصحّ لدينا حديث: «من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له»، وأما بعد صحته، فيحمل هذا الحديث على من كان جاهلًا بيوم الصوم مثل حال أهل صوم عاشوراء الذين أذّن فيهم بالأمر المذكور، وأما من علم ذلك، فلا بدّ من تبييت النية من الليل عملًا بالدليلين. فتنبّه. قال: وما قيل: إنه إمساك لا صوم، مردود بأنه خلاف الظاهر، فلا يصار إليه بلا دليل. نعم قد قام الدليل فيمن أكل قبل ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ليس هنا دليل يدلّ على أن من أكل لم يصحّ صومه، بل الدليل بالعكس، وهو أن صوم من أكل صحيح. فتنبّه. قال: وما قيل: إنه جاء في «سنن أبي داود» أنهم أتموا بقية اليوم، وقضوه. قلنا: هو شاهد لنا، عليكم، حيث خصّ القضاء بمن أتمّ بقية اليوم، لا بمن صام تمامه، فعلم أن من صام تمامه بنية من النهار فقد جاز صومه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام السنديّ هذا كله مبنيٌّ على نصرة مذهبه مذهب الحنفية، والحديث المذكور لا يصحّ، ولا يصلح للاحتجاج به، كما تقدّم، فكيف يُردّ به ما
مصادر المؤلف (٧)

١. - انظر «نيل الأوطار» ج ٤ ص ٢٧٨.

٢. -وهو ما أخرجه ابن ماجه في «سننه» برقم (٣١٦٦) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن الشعبيّ، عن محمد بن صيفي، قال: «ذبحت أرنبين بمروة، فأتيت بهما النبي - ﷺ -، فأمرني بأكلهما». انتهى. ولم يذكر في «تحفة الأشراف» -٨/ ٣٥٨ - له إلا الحديث الأول، فيكون هذا الحديث مما يُستدرك عليه. واللَّه تعالى أعلم.

٣. - «المصباح المنير» في مادة «عشر».

٤. - «فتح» ج ٤ ص ٧٧١.

٥. - «النهاية في غريب الحديث» ج ٣ ص ٢١٤.

٦. - «فتح» ج ٤ ص ٧٧١ - ٧٧٢.

٧. - قال ابن القطان: مجهول، وقال الذهبيّ: لا يعرف. فالحديث بزيادة: «واقضوه» لا يصحّ، لكونه من طريق عبد الرحمن بن سلمة، وهو وإن ذكره ابن حبان في «الثقات»، مجهول.