قال في «الفتح»: كذا ثبت في جميع الروايات، وكذا هو عند مسلم وغيره، وكأن ابن عباس اقتصر على قوله: «وهذا الشهر» وأشار بذلك إلى شيء مذكور، كأنه تقدّم ذكر رمضان، وذكر عاشوراء، أو كانت المقابلة في أحد الزمانين، وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه: «يعني رمضان»، أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يُصام إلا رمضان، لما تقدّم له عن ابن عباس أنه كان يقول: «لم أر رسول اللَّه - ﷺ - صام شهرًا كاملًا غير رمضان.
وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان -وإن كان أحدهما واجبًا، والآخر مندوبًا- لاشتراكهما في حصول الثواب؛ لأن معنى«يتحرّى»أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه، والرغبة فيه انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٠/ ٢٣٧٠ - وفي«الكبرى»٧٠/ ٣٦٧٩. وأخرجه (خ) في«الصوم»٢٠٥٦ (م) في«الصيام»١١٣٢ (أحمد) في«مسند بني هاشم» ١٩٣٩ و٢٨٥١ و٢٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ، فِي هَذَا الْيَوْمِ: «إِنِّي صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ، أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الفقيه [٤] ١/ ١.
٢ - (حميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٣ - (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب الأمويّ الخليفة الشهير الصحابي ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين، وتقدم في ٢٨٦/ ٢٩٤. والباقيان تقدّما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) هكذا رواه ابن عيينة، وتابعه مالك، ويونس، وصالح ابن كيسان، وغيرهم كلهم عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية - ﵁ -، وقال الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وقال النعمان بن راشد: عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، كلاهما عن معاوية - ﵁ -. والمحفوظ رواية الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن. قاله النسائيّ وغيره. ووقع عند مسلم في رواية يونس، عن الزهريّ: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية. قاله في «الفتح». (قَالَ: سَمِعتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان - ﵄ - (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) زاد في رواية البخاريّ من طريق مالك، عن الزهريّ: «عامَ حَجّ»، وزاد في رواية يونس: «بالمدينة»، وقال في روايته: «في قَدْمَةٍ قَدِمَها». قال الحافظ: وكأنه تأخّر بمكة، أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء. وذكر أبو جعفر الطبريّ أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استُخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة انتهى .
(وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) أي حتى يصدّقوني فيما أقول.
وقال في «الفتح»: في سياق القصّة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتمامًا بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم، أو بلغه عمن ينكر صيامه، أو يوجبه انتهى.
[تنبيه]: نقل القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضيّة عاشوراء. لكن انقرض القائلون بذلك. ونقل ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحبّ، وكان ابن عمر - ﵄ - يَكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك. قاله في «الفتح» .
(سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ، فِي هَذَا الْيَوْمِ: (إِنِّي صائِمٌ») ولفظ البخاري: