فلا يُبالي به، ولا يجد له معنى. انتهى .
والحديث في إسناده عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلسٌ، لكن يشهد له ما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٧٧ - (ذِكْرُ الزِّيَادَةِ فِي الصِّيَامٍ، وَالنُّقْصَانِ مِنَ الأَجْرِ، وَذِكْرُ اخْتِلافِ النَّاقِلِينَ لِخَبِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ترجمة «الكبرى» بزيادة لفظة «من الأجر»، ولم يقع في نسخ «المجتبى»، ولا بدّ منه، لأن حذفه يوهم أن النقصان من الصوم أيضًا، وليس كذلك، بل المراد أن الزيادة في الصيام، مع النقص في الأجر.
ووجه الاختلاف المذكور، أن في رواية أبي عياض قال: «صم يومًا، ولك أجر ما بقي»، ولم يقيده بعشرة، ولا بشهر، وخالف ابن أبي ربيعة، فرواه مقيّدًا، فقال: «صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر تلك التسعة الخ، وخالفه شعيب، فقال:»صم يوما، ولك أجر عشرة الخ«.
لكن الذي يظهر أنه لا اختلاف في الحقيقة، فرواية أبي عياض المطلقة تحمل على الرواية المفسّرة، وأما رواية شعيب فمعنى قوله:»صم يومًا، ولك أجر عشرة« أي مع أجر يوم الصوم، وكذلك ما بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ، سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: لَهُ «صُمْ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنَ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ»، قَالَ:
إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللَّهِ، صَوْمَ دَاوُدَ - ﵇ -، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و«محمد»: هو ابن جعفر، غندر.
و«زياد بن فياض»: الخُزاعيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة عابد [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحبّ إليّ من زياد بن عِلَاقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة ثقة. وقال ابن خلفون: وثقه ابن نُمير، وعلي ابن المدينيّ، وغيرهما. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: مات سنة (١٢٩).
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٤٠٣.
و«أبو عياض»: ويقال: أبو عبد الرحمن، عمرو بن الأسود الْعَنسيّ -بالنون- ويقال: الهمدانيّ، الدمشقيّ، ويقال: الحمصيّ، سكن دَارِيَا، ويقال له: عُمير بن الأسود أيضًا -مصغّرًا-، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين.
قال ضمرة بن حبيب: مَرّ عمرو بن الأسود على عمر بن الخطاب، فقال: من سرّه أن ينظر إلى هدي محمد - ﷺ - فلينظر هدي هذا. وقال محمد بن عوف: عمرو بن الأسود يُكنى أبا عياض، وهو والد حكيم بن عمير. وقيل: إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فيّاض والعراقيون رجل آخر. كذا حكى ابن أبي حاتم، عن أبيه، وقال: اسمه مسلم بن نُذير. وقيل: إن أبا عياض اسمه قيس بن ثعلبة، حكاه النسائيّ في «الكنى»، والحاكم أبو أحمد. وقال ابن حبّان في «الثقات»: عُمير بن الأسود كان من عُبّاد أهل الشام، وزُهّادهم، وكان يُقسم على اللَّه فيُبرّه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وروى الحاكم في «الكنى» من طريق مجاهد، قال: حدثنا أبو عياض في خلافة معاوية. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، مات في خلافة معاوية. وذكره أبو موسى المدينيّ في «ذيل الصحابة»، وحكاه عن ابن أبي عاصم أنه ذكره فيهم، قال أبو موسى: وليس بصحابيّ، إنما يَروي عن الصحابة. وحكى ابن أبي خيثمة، عن مجاهد أنه قال: ما رأيت بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض .
وروى الطبرانيّ في «مسند الشاميين» من طريق أرطأة بن المنذر، حدثنا رُزيق أبو عبد اللَّه
الألهانيّ أن عمرو بن الأسود قدم المدينة، فرآه عبد اللَّه بن عمر يصلي، فقال: من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللَّه - ﷺ -، فلينظر إلى هذا. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي «كتاب الأشربة» حديث رقم ٥٦٥٢.
وقوله: «صم يوما، ولك أجر ما بقي» أي صم من كلّ عشرة أيام يومًا واحدًا، ولك أجر عشرة أيام.
قال الحافظ: هذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر، ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو عند أبي داود: «فلم يزل يناقصني، وأناقصه». انتهى .
وقد استُشكل قولُهُ: «صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر ما بقي» مع قوله: «صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي الخ»، لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر، وبذلك ترجم المصنّف هذا الباب.
وأجيب بأن المراد لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف. قال عياض: قال بعضهم: معنى «صم يومًا، ولك أجر ما بقي» أي من العشرة، وقوله: «صم يومين، ولك أجر ما بقي» أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلّة الأجر.
وتعقّبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كل ذلك لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه - ﷺ - من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلًا، أو كثيرًا، كما تأوله في حديث: «نية المرء خير من عمله»، أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله انتهى.
قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيف، وهو في «مسند الشهاب»، والتأويل المذكور لا بأس به.
ويحتمل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقّة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوّتها مشقّة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك.