الحثّ على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البرّ، بل ينفق في كلّ وجه من وجوه الخير (ومنها): جواز الحلف بغير تحليف، قال النوويّ: بل هو مستحبّ إذا كانت فيه مصلحة، كتوكيد أمر، وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول اللَّه - ﷺ - في هذا النوع لهذا المعنى انتهى .
(ومنها): أن بعض العصاة يُعذّب عذابًا خاصًا في عرصات القيامة قبل فصل القضاء (ومنها): أن البعث في القيامة لا يخصّ العقلاء، بل يعم سائر الحيوانات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٤١ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ، لَهُ مَالٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ، إِلاَّ جُعِلَ لَهُ طَوْقًا، فِي عُنُقِهِ، شُجَاعٌ أَقْرَعُ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَهُوَ يَتْبَعُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -﷿-: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مجاهد بن موسى) الْخُتّليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢.
٢ - (ابن عيينة) سفيان الإمام الحجة الثبت [٨].
٣ - (جامع بن أبي راشد) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقة فاضل [٥].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبتٌ صالح، وأخوه ربيع، يقال: إنه لم يكن بالكوفة في زمانه أفضل منه، وهما في عِدَاد الشيوخ، ليس حديثهم بكثير. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة ثقة. وقال البخاريّ في «التاريخ»: قال عليّ، عن سفيان: جامع أحبّ إليّ من عبد الملك بن أعين. وقال ابن حبّان في «الثقات»: جامع بن أبي راشد، وربما رَوَى عنه شريكٌ، فقال: جامع بن راشد، والصحيح ما قاله سفيان، وغيره -يعني ابن أبي راشد-. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٤٤١ و٣٧٩٨ حديث: «هذا البيع يحضره الحلف والكذب ..» الحديث.
٤ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم ثقة [٢] ٢/ ٢.
٥ - (عبد اللَّه) بن مسعود - ﵁ - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. (ومنها): أن فيه «عبد اللَّه» مهملًا وقد سبق أنه إذا وقع «عبد اللَّه» مهملًا في الصحابة يُنظَرُ فيمن روى عنه فإن كان كوفيًا كما هنا فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيًا فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا فهو ابن الزبير، وإن كان بصريًا فهو ابن عباس، وإن كان مصريًا أو شاميًا فهو ابن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين، وإلى هذا أشار السيوطي في «نظم الدرر» حيث قال:
وَحَيثُمَا أُطْلِقَ «عَبدُ اللَّهِ» فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْجَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودِ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مهْمأ أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ، لَهُ مَالٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ) أي لا يؤدي زكاته، أو أعمّ من ذلك (إِلَّا جُعِلَ لَهُ) أي ذلك المال حقيقة، والظاهر جميع المال، لا قدر الزكاة فقط، فضمير»جُعِلَ«يعود إلى المال، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني قوله (طَوْقًا فِي عُنُقِهِ) بفتح الطاء المهملة: أي حلقةً تعلّق في عنقه. قال في»القاموس«: الطَّوْق: حَلْيٌ للعنق، وكل ما استدار بشيء، والجمع أطواق انتهى (شُجَاعٌ) بالرفع خبر لمحذوف، أي هو شجاع، والجملة حال. ويحتمل أن يكون»شجاع«هو النائب عن فاعل»جُعل«، لكن الأولى جعل النائب ضمير المال، كما أسلفناه.
وفي بعض النسخ، وهو الذي في«الكبرى»:«شجاعًا»بالنصب، فيكون منصوبًا على الحال، أو بدلًا من«طوقًا».
قال في«القاموس»: الشجاع: كغُرَاب، وكِتَاب: الحيّة، أو الذكر منها، أو ضرب منها صغير، جمعه شِجعانٌ، بالكسر، والضمّ انتهى.
وقال القرطبيّ: والشجاع من الحيّات الذكر الذي يواثب الفارس، والراجل، ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى. وقيل: هو الثعبان انتهى (أَقْرَعُ) قال في«النهاية»: هو الذي لا شعر له على رأسه، يريد حيّة قد تَمَعّط جلد رأسه لكثرة سمه، وطُول عمره. وقال القاضي عياض: قيل: هو الأبيض الرأس من كثرة السمّ. وقيل: نوع من الحيّات أقبح منظرًا. قال: وظاهر هذه الرواية: أنّ ماله صُيِّرَ،
وخُلق على صورة الشجاع. ويحتمل أن اللَّه تعالى خلق الشجاع لعذابه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول هو الأقرب، لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وقيل: خصّ الشجاع بذلك لشدّة عداوة الحيّات لبني آدم انتهى.
وزاد في حديث أبي هريرة - ﵁ -:«له زَبيبتان»: وهو تثنية زَبيبة -بفتح الزاي، وموحدتين- وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: تكلّم حتى زبد شدقاه، أي خرج الزبد منهما. وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه. وقيل: نقطتان يكتنفان فاه. وقيل: هما في حلقه بمنزلة زَنَمَتي العَنْز. وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين. وقيل: نابان يخرجان من فيه .
(وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ) أي يفرّ صاحب المال من ذلك الشجاع خوفًا من أذاه، وهذا في أول الأمر قبل أن يصير طَوْقًا في عنقه. ولفظ «الكبرى»: «وهو يَقدُمُه»، والظاهر أنه بضم الدال، أي يتقدّمه فرارًا منه (وَهُوَ يتْبَعُهُ) أي يتبع الشجاعُ الرجلَ، وفي حديث جابر - ﵁ - عند مسلم: «يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فرّ منه، فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته، فأنا عنه غنيّ، فإذا رأى أن لا بدّ منه، سلك يده في فيه، فيَقْضِمها قَضْمَ الفحل».
(ثُمَّ قَرَأَ) النبيّ - ﷺ -، وفي رواية للترمذيّ: «قرأ رسول اللَّه - ﷺ -»، ولابن ماجه: «ثم قرأ علينا رسول اللَّه - ﷺ -» (مِصْدَاقَهُ) -بكسر، فسكون- أي ما يشهد لصدقه. قال في «القاموس»: مِصْداق الشيء: ما يُصَدِّقُهُ انتهى (مِنْ كِتَابِ اللَّه -﷿-: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ بالمدّ أي أعطاهم (﴿مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]) ظاهر الآية أنه يُجعل قدر الزكاة طَوْقًا له؛ لأنه الذي بخل به، وظاهر الحديث أنه كلّ المال، ويمكن أن يقال: المراد في الآية ما بخلوا بزكاته، وهو كلّ المال، فيرجع إلى معنى الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث يدلّ على أن المراد بالتطويق في الآية الحقيقة، خلافا لمن قال: إن معناه سيطوقون الإثم.
[فإن قلت]: كيف يجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية؟ [التوبة: ٣٤، ٣٥]
[قلت]: فيه جوابان: